المسيح والمزامير
۲۱ يناير ۲۰۲۱
أيٌ من الناموس مُلزِم؟
۲ فبراير ۲۰۲۱

أن تكون مُطوَّبًا ومُبَارَكًا

"طوبى لقلبك". "ليكن يومك مُباركًا". "ليبارك الرب هذا البيت". "فلنبارك". تتردَّد كلمات البركة هذه، طوبى ومباركًا وبركة، في أحاديثنا اليوميَّة. لذا عندما نقرأ عن المُطوَّبين والمُبَارَكين في التطويبات (متى 5: 3-12)، قد يختفي تأثير مفهوم البركة عند التطبيق. فما نوع البركات التي تحملها التطويبات؟ هل هي المبادئ التي ينبغي أن نسعى إليها؟ هل هي حقائق روحيَّة واقعيَّة حقًا؟ هل هي مُثُل بعيدة المنال؟ ترتبط مثل هذه الأسئلة ارتباطًا وثيقًا بنهج المرء تجاه الموعظة على الجبل ككل (متى 5-7).

يتمثَّل جواب السؤال الأخير —كيف نقرأ الموعظة على الجبل؟— في أن موعظة الرب لا تقدِّم مثالًا بعيد المنال يؤكِّد فحسب على عجزنا الطبيعي على تطبيق وصايا الموعظة. بل، تقدِّم الموعظة على الجبل مُخططًا أخلاقيًّا أصيلًا للتلاميذ الذين سيؤسِّسون الجماعة المسيحيَّة. تقدِّم الموعظة المبادئ العظيمة التي من شأنها أن ترشد المسيحيِّين نحو السلوك في البر، ونحن نتبع ذاك الذي أكملَ كل بر (3: 15).

بهذا الإطار، تُعتبر التطويبات مُستهل الموعظة على الجبل. فكما نوَّه اللاهوتي جيرهارد فوس (Geerhardus Vos) قبل قرن مضى، "في مُستهل الموعظة على الجبل تقف التطويبات، منقوشة بخطٍّ من ذهب على بوَّابتها، لتذكِّرنا بأن الرب يسوع لم يُلحقنا بمدرسة أخلاق بل قبلنا في ملكوت الفداء". لذا ولفهم بركات التطويبات، علينا بقراءة موعظة الرب يسوع في سياق القانونيَّة الكاملة للأسفار المُقدَّسة، والمدى الكامل لتاريخ الفداء. لأن بركات التطويبات تُعتبر، في الواقع، بركات عهديَّة بارزة ومهمة.

ولكي نفهم الخلفيَّة الكتابيَّة للتطويبات، علينا العودة أولًا إلى المزمور الأول والآيات 1 إلى 3 التي تقول:

طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الْأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ. لَكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا.  فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ، الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ، وَوَرَقُهَا لَا يَذْبُلُ.  وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ.

هنا نقرأ أن المُطَوَّب، مَن يُثمِر وينجح في حياته، هو مَن يلهج ويتأمَّل في ناموس الله. بالإضافة إلى ذلك، فإن اللفظ المُترجم إلى "طوبي"، في الآية الأولى هنا، في الترجمة اليونانيَّة للعهد القديم، هو عينه المُستخدَم في يونانيَّة العهد الجديد لمن ينال التطويب في التطويبات (مكاريوس). يتحدَّث كل من المزمور الأول والتطويبات عن أهميَّة ناموس الله من أجل الحياة. وبالتالي، يكمن تشديد أخلاقي في هذين النصين: إن معرفة ناموس الله وتطبيقه هي البركة والتطويب.

وأيضًا نحصل على صورة أكثر دقة لما يعنيه التطويب بالنظر إلى بركات سفر التثنية. يألف قرَّاء أسفار موسى الخمسة (من التكوين إلى التثنية) لغة البركات واللعنات. نقرأ على وجه الخصوص في نهاية سفر التثنية عن طريقين أمام بني إسرائيل: طريق البركة وطريق اللعنة (تثنية 26-28؛ انظر أيضًا 11: 26-28). تعد التحذيرات من عصيان العهد نفيرًا، والجعالة بوقًا على طاعة العهد. من المهم إدراك أن سفر التثنية مُوجَّه في الأساس إلى شعب عهد الله الذي خلَّصه من أرض مصر (تثنية 1-4؛ انظر خروج 19: 5-6)، والذي تباعًا تعلَّم طاعة العهد وسلك فيها (تثنية 5-26؛ انظر خروج 20-23). من هذا السياق نقرأ في نهاية سفر التثنية آية مرتبطة بالتطويبات تحديدًا، تقول: "طُوبَاكَ يَا إِسْرَائِيلُ! مَنْ مِثْلُكَ يَا شَعْبًا مَنْصُورًا بِالرَّبِّ؟ تُرْسِ عَوْنِكَ وَسَيْفِ عَظَمَتِكَ فَيَتَذَلَّلُ لَكَ أَعْدَاؤُكَ، وَأَنْتَ تَطَأُ مُرْتَفَعَاتِهِمْ" (تثنية 33: 29). تتحدَّث هذه العبارة، التي تُعتبر آخِر كلمات موسى المُدوَّنة، عن تطويب أو بركة (مكاريوس) إسرائيل؛ الشعب الذي خلَّصه الله على نحوٍ فريد. لذلك، في العهد القديم يُقدِّم عمل خلاص الله السياق المناسب لفهم ما يعنيه أن تكون مُبارَكًا حسب العهد، ويُوضِّح أن البركة بالخلاص تستلزم أيضًا مسؤوليَّة الحياة وفقًا لناموس الله.

ونجد التطويبات في سياق إنجيل متى مُتسقة مع تأكيد العهد القديم على أولويَّة عمل الله في الفداء قبل منح الناموس، إذ نجد أن الرب يسوع يخلِّص شعبه من خطاياهم (متى 1: 21). على الرغم من أن أرض الموعد كانت تغمرها الظلمة، لكن مجيء المسيح أشرق نور الخلاص العظيم على أولئك الذين يعيشون في ظل الموت. (4: 14-16) لذا، لا بد من قراءة التطويبات في سياقها الأشمل. فقبل أن نصل إلى الموعظة على الجبل، نجد أن الرب يسوع قد تعمَّد، وانتصر على إبليس في التجربة، وأتمَّ المكتوب من مناحٍ عِدَّة، وأعلن اقتراب ملكوت السماوات. وبمجرد قراءتنا لهذه الجوانب لعمل المسيح، نجد أنفسنا أمام أخلاقيَّات الملكوت في الموعظة على الجبل. وحتى هنا، تتحدَّث افتتاحيَّة الموعظة على الجبل عن بركات المفديين (5: 3-12). لكن هذا لا يعني ألا نتوق إلى المنظور الكامن في التطويبات؛ بل يعني أن الفداء يسبق الحياة بحسب التطويبات. بالتالي، في ضوء عطية الفداء، يجب أن نجوع ونعطش إلى البر، ونصير أنقياء القلب، وودعاء، وما إلى ذلك. إن التطويبات في الوقت ذاته بركات للمفديين والدعوة إلى النمط الذي يجب أن تبدو عليه حياة هؤلاء المفديين. كما أن هذه البركات ليست جوفاء، لأن الرب يسوع بذاته أوضح لنا قولًا وعملًا كيف تبدو التطويبات. على سبيل المثال، طوَّب الرب يسوع الودعاء (5: 5)، وهو ذاته وديع ومتواضع القلب (11: 29؛ 21: 5). وأيضًا، طوَّب الرب يسوع الرحماء (5: 7)، وهو ذاته قد أظهر الرحمة (9: 27؛ 15: 22؛ 17: 15؛ 20: 30-31؛ انظر هوشع 6: 6). وعليه، تعتبر بركات (تطويبات) المفديين سُبلًا يعكسون بها شخص مخلِّصهم.

بعبارة أخرى، نرى في الموعظة على الجبل وفي التطويبات تحديدًا الديناميكيَّة الخبريَّة الإلزاميَّة المهمة للغاية في الكتاب المُقدَّس. يشير الجانب الخبري إلى عمل خلاص الله العظيم لشعبه، ويشير الجانب الإلزامي إلى دعوة الطاعة حسب عمل الله للخلاص. ويمكن رؤية هذا بإيجاز في العهد القديم، عندما تبع الخروج من مصر منح الوصايا العشر. يظهر هذا النمط أيضًا في الموعظة على الجبل باستباق اقتراب ملكوت المسيح إعطاء ناموسه (انظر متى 4: 17)، وبشكل أكثر تحديدًا بالكيفيَّة التي تبدأ بها التطويبات الموعظة على الجبل برُمَّتها.

لذا، نصل إلى أفضل استيعاب للموعظة على الجبل عندما نضع في الاعتبار أوجه الشبه العديدة بين موسى والرب يسوع. نقرأ في سفري الخروج وتثنية كيف صعد موسى إلى الجبل ليستلم شريعة الله من أجل شعب الله، وكيف تشفَّع من أجلهم. وعلى المنوال ذاته، نادى الرب يسوع بهذه الموعظة من على قمة جبلٍ (متى 5: 1)، وأيضًا وضع ناموسًا، على الرغم من أنه تحدَّث بسلطانه الشخصي (آيات 21-48؛ 7: 28-29). وعلى الرغم من أن موسى كان وسيطًا للعهد، وأهم شخصيَّة فريدة في تاريخ إسرائيل (خروج 24: 6-8؛ 32: 32)، لكنَّه كان إنسانًا خاطئًا لم يستطع النظر إلى وجه الله (33: 23)، ولم يستطع تقديم كفارة أبديَّة من أجل شعبه. في المقابل، يعرف الرب يسوع الله الآب معرفة ذاتيَّة (متى 11: 25-27) وبذل نفسه كذبيحة العهد الكاملة والنهائيَّة من أجل شعبه (26: 28). صعد موسى الجبل مُصلِّيًا من ثمَّ عكس مجد الله (خروج 34: 29-30). بينما الرب يسوع عندما صلَّى على الجبل، لمع ببهاء مجده، وكان موسى ناظرًا بإقرار واستحسان (متى 17: 1-5؛ لوقا 9: 28-36). وبواسطة موسى، أطعم الله الشعب بالمن في البريَّة (خروج 16؛ انظر يوحنا 6: 32). كذلك يُطعم الرب يسوع شعبه من جسده (متى 26: 26؛ انظر 14: 13-21؛ 15: 32-39؛ يوحنا 6: 1-14، 32-59). نعم، يشبه الرب يسوع موسى، لكنَّه أعظم من موسى. ببساطة، موسى نفسه من ضمن الذين نالوا بركات المفديين (تثنية 33: 29)، في حين أن الرب يسوع فريدًا فدى شعبه من خطاياهم.

لا تعلِّمنا التطويبات ما يجب علينا فعله لربح الملكوت؛ بل تتحدَّث عن بركات المفديين. لذا، تشير التطويبات أولًا وقبل كل شيء إلى ما نحن عليه بالفعل في المسيح. وبكل تأكيد تتحدَّث أيضًا عن هذه الصفات الروحيَّة التي ينبغي أن نتوق إليها، بنعمة الله، لننمو أكثر فأكثر. لذلك، ولأننا في المسيح فنحن بالفعل ودعاء، وأنقياء القلب، ومساكين بالروح، وما إلى ذلك، نحن مدعوون إذن لنكون تلك الأشياء. ما من تناقض هنا. إذ أن ا الديناميكيَّة الخبريَّة الإلزاميَّة شائعة الاستخدام في الكتاب المُقدَّس للإشارة إلى بركات العهد للمفديين السالكين حسب ناموس الله. إن الجانب الخبري — ما نحن عليه — يُؤصِّل الجانب الإلزامي — ما يدعونا الله إليه. لم يكن هذا بجديد على الرب يسوع، إذ كان قد تأسَّس منذ أيام موسى.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

براندون كرو
براندون كرو
الدكتور براندون كرو هو أستاذ مشارك للعهد الجديد في كلية وستمنستر للاهوت بمدينة فيلادلفيا. وهو مؤلف للعدد من الكتب، بما في ذلك "آدم الأخير ورسالة الرسائل الجامعة في تاريخ الفداء" (The Last Adam and The Message of the General Epistles in the History of Redemption).