
الوعظ والتعليم
۵ يونيو ۲۰۲٦ما هو تأكيدُ الغفران؟
ما يزال كثيرون من الناس الأقلّ تديُّنًا في العالم على دراية بالعبارة الكاثوليكيّة الكلاسيكيّة: "باركني يا أبتِ، فقد أخطأتُ." تُقال هذه الكلمات عندما يدخل أحد أبناء الرعية إلى غرفة الاعتراف الخاصة مع الكاهن، وهي كلمات تهدف إلى أن تعبِّر عن حقيقة الخطيّة والحاجة إلى النعمة. فماذا يحدث بعد ذلك في هذا المشهد؟ استجابةً لقائمة الخطايا المُعترف بها، يُحدد الكاهن خطوات معينة للتوبة، وأخيرًا يُعلِن الكاهن الحَلّ أو غفران الخطايا. ويؤكّد التقليد المُصلَح أيضًا على أهميّة الاعتراف بالخطيّة ونوال الغفران، ولكنْ مع بعض الفوارق الأساسيّة والمهمّة.
الفرق الأوّل هو مَن نعترف له. لأنّ الكتاب المُقدَّس يقول لنا إنّه "يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (1 تيموثاوس 2: 5)، نؤمن أنّ الوحيد الذي يستطيع أن يرمِّم الصدع الذي صنعتْه خطايانا هو المسيح، وليس كاهنًا أو راعيًّا بشريًّا. ولذا نعترف بخطايانا لله بصورة مباشرة، معتمدين على عمل واستحقاقات رئيس كهنتنا العظيم، المسيح يسوع (عبرانيّين 4: 14-16).
الفرق الثاني هو المكان الذي نعتقد أنّه ينبغي أن يحدث الاعتراف فيه. يأخذ المُصلَحون ما يحدث في خصوصيّة كرسيّ الاعتراف، ويضعونه في "الأمام"، أي في مُقدِّمة الكنيسة، باعتباره عنصرًا مركزيًّا في العبادة العامّة. فمنذُ قرونٍ، هناك سمة تميِّز الليتورچيّة المُصلَحة (نظام العبادة) هي الجزء المتعلِّق بـ"التطهير." وقد يظهر مثالٌ على هذا في الترتيب التالي: تُقرَأ كلمة الله، فيعترفُ الشعبُ بخطاياهم استجابةً لها، ثم يُعلِن الخادم الغفران للّذين يثقون بالمسيح يسوع.
لماذا يُجعَل هذا الأمر جزءًا من العبادة العامّة؟ يشعر معظم الناس أنّ الاعتراف بالخطايا أمرٌ شخصيٌّ وخاصّ وسرّيّ. وربّما شعرتَ بعدم راحة في خدمةٍ كنسيّةٍ تطلب منك أن تتعامل بصورة مباشرة مع خطاياك التي ارتكبتَها الأسبوع الماضي. تركتْ كنائسُ كثيرةٌ أيَّ نوعٍ من القراءة في الشريعة (التعليم الأخلاقيّ في الكتاب المُقدَّس) أو الاعتراف بالخطيّة، وذلك لسببٍ مُحدَّد هو أنّهم لا يريدون أن يتسبَّبوا بأيّ انزعاجٍ عند الناس. ولكنّ المُصلَحون التزموا بسبيلٍ آخر، ويتعلَّق التزامهم هذا بطبيعة العبادة.
العبادة مقابلة مع الله، ولا يستطيع شعبٌ خاطئ أن يأتي إلى محضر إلهٍ قدّوس. والاعتراف بالخطيّة وإعلان البرّ الموجود في المسيح يسوع تذكيرٌ قويّ بأنّه من دون بشارة الإنجيل لا تكون العبادة ممكنةً. وعلاوةً على هذا، فإنّ العبادة موجودةٌ لتشكيل الهُويّة المسيحيّة وتعزيزها. نحنُ المسيحيّين خطاةٌ وقدّيسون، وكلا هذين الأمرين حقيقة مهمّة (1يوحنا 1: 8-9). وإحدى اللّحظات البهيجة في العبادة الجماعيّة هي حين يُعلِن الخادم الغفران الذي لنا في المسيح يسوع، مؤكِّدًا لنا هويّتنا: خطاةٌ مُخلَّصون بالنعمة – مختارون وثمينون في نظر الله.
وهذا يأخذنا إلى فرقٍ ثالث بين المنهجيّة الكاثوليكيّة والمنهجيّة المُصلَحة في مسألة الغفران: ما يحدث حين يُعلِن خادمٌ الغفران. لا يقرّر الخادمُ شيئًا حين يعمل هذا، إذْ كل ما يعمله هو أنّه يُعلِن الحقَّ بحسب الكتاب المُقدَّس. وبالمقابل، فإنّ "الحَلّ" (وهي ترجمة للكلمة اللاتينيّة absolvere، والتي تعني "يُحرِّر، يُعتِق حرًّا") هي أمرٌ يعمله الكاهن يطلِق فيه الإنسانَ حرًّا من ذنب خطيّته. ولكنّ الإنسان لا يملك سلطانًا لأن يغفر الخطايا (مرقس 2: 7)، مع أنّ هناك سلطانًا بأن يُكرَز ويُنادَى بأنَّ الخطايا تُغفَر (أعمال 13: 38). في هذه اللحظة الحاسمة وبالغة الأهمّيّة في خدمة العبادة المُصلَحة، يقف الخادم ممثِّلًا لله، ونسمع من شفتيه كلمات إلهنا الغافر الرحيم: "إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (رومية 8: 1). لهذا، في كنائس مُصلَحة كثيرة يشمل إعلان الغفران قراءة مقطع من الكتاب المُقدَّس يوضِّح الغفران والرجاء اللذين في الإنجيل. فنحنُ نجد يقين الغفران في كلمة الله ووعده.
وإذْ نضع هذا الأمر في أذهاننا، ندرِك أنَّ إعلان الغفران أحد أهمّ أقسام الليتورچيّة المُصلَحة. فالخطيّة تنزِل بنا إلى أسفل، ولكنّ بشارة الإنجيل ترفعنا (انظر مزمور 32: 3-5). حقّ الإنجيل هو وقود رجائنا ومصدر قوّة طاعتنا. العبادة هي وقت مقابلةِ "إِلَهِ كُلِّ نِعْمَةٍ" (1 بطرس 5: 10) – الإله الذي يمدّ يده إلى متمرّدين غير مستحِقِّين، ويصير "رَافِعَ رَأْسِي" (مزمور 3: 3)، بحسب تعبير داود. إنّه إلهٌ "بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ" (خروج 34: 6). وفي العبادة العلنيّة، يكون قلبه مكشوفًا تمامًا، وربّما يظهر هذا بصورةٍ خاصّة في إعلان الغفران.
الذين يثقون في المسيح يسوع مغفورو الخطيّة قبل أن يُعلِن الخادم ذلك الأمر. ليس من شيءٍ موضوعيٍّ يتغيَّر فينا أو بيننا وبين الله في تلك اللحظة. ولكنْ مع أنّنا مغفورو الخطية، فإنّنا كثيرًا ما ننسى هذا الأمر، ممّا يقود إلى الشكّ والعصيان. ولذا، فإنّنا نحتاج إلى يقين الغفران لتذكيرنا بمَن نحنُ، بحقيقة أنّنا شعب الله: "... قَبْلاً لَمْ تَكُونُوا شَعْبًا، وَأَمَّا الآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ اللهِ. الَّذِينَ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا الآنَ فَمَرْحُومُونَ" (1 بطرس 2: 10).
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

