
تعليمٌ مسيحيٌّ عن القلب
۱۵ مايو ۲۰۲٦الوعظ والتعليم
عبر السنوات، لم أُخفِ إعجابي برجالٍ مثل مارتن لوثر وچون كالڤن، الذين استخدمهم الله في استعادة الإنجيل خلال الإصلاح البروتستَنتي في القرن السادس عشر. أنا مندهِش من عقولهم وقدرتهم على الثبات وسط كثيرٍ من الأخطار. محبَّتهم للحقِّ الكتابيِّ مثالٌ يُحتَذَى. وأشعر بالامتنان بصورة خاصَّة على نموذجهم الراعوي. كان هذان الرجلان مِن "المشاهير" في أيَّامهما، ولكنْ لم يقضِ أيٌّ منهما سنيه يسافر عبر أوروبا ليعزِّر حركةً من التابعين. وبدلًا من ذلك، كرَّسا نفسيهما لعملهما الرئيسي، وهو الوعظ بكلمة الله وتعليمها. كان كلا هذين الرجلين واعظَيْن لا يَكِلَّان، لوثر في ويتنبرغ بألمانيا، وكالڤن في چينيڤا بسويسرا. تعاملا مع خدمة كلمة الله بكلِّ جدِّيَّة، ولهذا حين يتكلَّمان عن مُهمَّة الواعظ أُصغي بانتباهٍ شديد إلى ما يقولان.
قبل أكثر من عقدٍ من الزمن، دُعيتُ لأقدِّم محاضرةً عن نظرةِ مارتن لوثر للوعظ، ووجدتُ أن التحضير لهذه المهمَّة كان قيِّمًا لخدمتي في الوعظ. كما اكتشفتُ أنَّ ما لدى لوثر ليقوله عن الوعظ لم يكن لأجل الرعاة فقط، بل لأجل الكنيسة كلها أيضًا، ويُدهشنى مدى ملاءمة كلامه لأيَّامنا.
أحد جوانب التشديد التي أجدها بصورةٍ متكرِّرة في كتابات لوثر هي أنَّ على الواعظ أن يكون "صَالِحًا للتَّعْلِيمِ". من نواحٍ كثيرة، ليست هذه بفكرة جديدة، إذ هو يكرِّر ذكر أحد المؤهِّلات التي يقدِّمها العهد الجديد بشأن شيوخ الكنيسة (1تيموثاوس 3: 2). لكن نظرًا لما نتوقَّعه من وعَّاظنا اليوم، هناك احتياج لسماع كلمات لوثر، التي تردِّد صدى الإعلان الكتابي، من جديد. فمفهوم أنَّ المهمَّة الرئيسيَّة للخادم هي أن يعلِّم قد ضاع واختفى في الكنيسة اليوم. حين ندعو خدَّامًا ليرعوا كنائسنا ، كثيرًا ما نبحث عن رجالٍ خبراء في الإدارة، ومَهَرة في جمع الدعم، ومنظِّمين حاذقين. بالطبع نريدهم أن يعرفوا شيئًا من اللاهوت والكتاب المُقدَّس، ولكنَّنا لا نجعل أولويَّتنا قدرة هؤلاء على تعليم شعب الكنيسة أمورَ الله، بل يُنظَر إلى المُهمَّات الإداريَّة بوصفها أكثر أهمِّيَّة.
ليس هذا هو النموذج الذي امتدحه يسوع نفسه. لا بدَّ أنَّك تتذكَّر اللقاء الذي جمع يسوع ببطرس بعد القيامة. كان بطرس قد أنكر يسوع ثلاث مَرَّات، ولذا عمل يسوع على استرداد الرسول بطرس، فطلب منه ثلاث مَرَّات قائلًا: "ارعَ خرافي" أو "أَطعِم خرافي" (يوحنا 21: 15-19). وبتطبيق هذه الكلمات، فإنَّ هذه الدعوة مُقدَّمة لشيوخ وخدَّام الكنيسة لأنَّ شعب الله المجتمِع في الكنائس في كلِّ العالم يخصُّون يسوع. إنَّهم خرافه. وكلُّ خادم مرسوم كرَّسه الله واستأمنه الله على أن يعتني بهذه الخراف. نحنُ ندعو هذا العمل "رعاية" لأنَّ الخدَّام مدعوُّون للاهتمام بخراف المسيح. الرعاة خدَّام تحتَ رئيس الرعاة؛ المسيح، وأيُّ راعٍ يتجاهل خرافه بعدم إعطائه الوقت الكافي لإطعامهم؟ وإطعام خراف الربِّ يحدث بصورة رئيسيَّة من خلال التعليم.
عادةً ما نميِّز بين الوعظ والتعليم. فيشمل الوعظ أشياء مثل الحثِّ والحضِّ والشرح والتشجيع والتعزية، بينما يهدف التعليم إلى نقل معلومات والتعليم في جوانب مختلفة تتعلَّق بالمحتوى. ولكنْ من الناحية العمليَّة، هناك تداخل كبير ما بين الأمرين. فينبغي أن يوصِل الوعظ محتوى وهو يشمل تعليمًا، ولا يمكن تعليم الناس أمور الله بأسلوب محايد، بل ينبغي حثُّهم على الاستماع إلى كلمة المسيح وإطاعتها. يحتاج شعب الله إلى الوعظ والتعليم، ويحتاجون إلى أكثر من عشرين دقيقة من التعليم والحثِّ في الأسبوع. لا يُطعِم الراعي الصالح خرافَه مرَّةً واحدةً في الأسبوع، ولهذا كان لوثر يعلِّم شعب ويتنبرغ بصورةٍ يوميَّة تقريبًا، بينما كان كالڤن يعمل الأمر نفسه في چينيڤا. لا أدعو بالضرورة إلى أن تكون لدينا الممارسات نفسها في أيَّامنا، ولكنَّني مقتنع بأنَّ الكنيسة تحتاج إلى استعادة شيءٍ من خدمة التعليم المنتظم الذي يظهر في عمل أسلافنا في الإيمان. ينبغي للكنائس، حسبما تستطيع، أن تخلق فرصًا كثيرةً للاستماع إلى وعظٍ وتعليمٍ من كلمة الله. فخدمات العبادة في أُمسيات الأحد، وخدمات منتصف الأسبوع، وصفوف الكتاب المُقدَّس، ومدارس الأحد (للكبار)، ودراسة الكتاب المُقدَّس في البيوت، وغيرها، تُعطي شعبَ الكنيسة الفرصةَ للتغذِّي على كلمة الله عِدَّة مَرَّات خلال الأسبوع. وينبغي لشعب الكنيسة (غير المتفرِّغين للخدمة) أن يستفيدوا ممَّا هو متوفِّر لهم من تعليمٍ لحقائق الكتاب المُقدَّس العميقة.
لا أقول هذا لأشجِّع على خلق برامج لأجل البرامج، ولا أريد أن أضع حِملًا لا يمكن تدبُّره على أكتاف أعضاء الكنيسة أو العاملين في الكنيسة. ولكن يُرينا التاريخ أنَّ أعظم فترات النهضة والإصلاح التي شهدتها الكنيسة ارتبطت بالوعظ الدؤوب والمستمر والواضح بكلمة الله. فإنْ كُنَّا نريد أن نرى الروحَ القدس يأتي بالتجديد إلى كنائسنا وأراضينا، فسيتطلَّب هذا وعَّاظًا ملتزمين بشرح الكتاب المُقدَّس، وشعبًا يبحث عن رعاةٍ يُطعِمونهم كلمة الله ويستفيدون من الفُرَص المتاحة لتلقِّي التعليم الكتابي.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

