
المحبَّة المتأنِّيَة المترفِّقة
۲۲ مايو ۲۰۲٦
الوعظ والتعليم
۵ يونيو ۲۰۲٦التفكير مثل يسوع
قبل عدَّة سنوات، طُلِب منِّي أن أقدِّم خطاب اجتماع بدء العام الدراسي في كلِّيَّة لاهوتيَّة كبيرة في الولايات المتَّحدة. تكلَّمتُ في خطابي عن الدور الأساسيِّ الذي يلعبه المنطق في تفسير الكتاب المقدس، وناشدتُ كلِّيَّات اللاهوت بأن تتضمَّن متطلَّباتها الأساسيَّة ضمن برامجها مساقاتٍ في المنطق. فتقريبًا في كلِّ برنامج دراسي في كلِّيَّات اللاهوت يُطلَب من الطلَّاب أن يدرسوا شيئًا من اللغات الكتابيَّة الأصليَّة؛ العبريَّة واليونانيَّة. ويتعلَّمون النظر إلى خلفيَّة النصِّ الكتابي التاريخيَّة ، ويتعلَّمون المبادئ الأساسيَّة في التفسير. كلُّ هذه مهارات مهمَّة وقيِّمة ليكونوا وكلاء أمناء وصالحين على كلمة الله. ولكنَّ السبب الرئيسي الذي لأجله تحدث الأخطاء في التفسير الكتابي ليس افتقار القارئ لمعرفته بالعبريَّة أو السياق الذي فيه كُتِب السفر الكتابيَّ. فالسبب الأوَّل وراء عدم فهم الكتاب المُقدَّس هو الوصول إلى استنتاجاتٍ غير سليمة من النصِّ الكتابي. وأعتقد بقوَّة أن هذه الاستنتاجات الخاطئة ستكون أقلَّ لو أنَّ مُفسِّري الكتاب المُقدَّس كانوا أكثر مهارة في مبادئ المنطق الأساسيَّة.
دعوني أقدِّم مثالًا على نوع الاستنتاجات الخاطئة التي أفكِّر بها. أشكُّ في أنَّني خضتُ في نقاشٍ بشأن مسألة اختيار الله السياديِّ دون أن يقتبس الشخص الآخر يوحنا 3: 16 قائلًا: "لكن ألا يقول الكتاب المُقدَّس إنّه ’هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ‘؟" وأنا أتَّفق فورًا معه على أنَّ الكتاب المُقدَّس قال هذا فعلًا. وإن أردنا أن نترجم ذلك الحقّ إلى مقولاتٍ منطقيَّة، فسنقول إنَّ كلَّ مَنْ يؤمن ستكون له حياة أبديَّة، وإنَّه ما مِنْ أحدٍ له حياة أبديَّة وسيهلك، لأنَّ الهلاك والحياة الأبديَّة قطبان متناقضان من ناحية نتائج الإيمان. ولكنَّ هذا النصَّ لا يقول شيئًا على الإطلاق عن القدرة البشريَّة على الإيمان بيسوع المسيح. ولا يخبِرنا بشيءٍ عمَّن سيؤمن. وقد قال يسوع: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يوحنا 6: 44). لدينا هنا نَفْيٌ شامل يَصِف القدرة. فليس من إنسان يملك القدرة على أن يأتي إلى يسوع إلَّا إن أُوفي بشرطٍ واحد من جانب الله. ومع هذا، يُنسَى هذا الأمر في ضوء يوحنا 3: 16، الذي لا يتكلَّم بشيءٍ عن متطلَّب سابق للإيمان. وهكذا، فإنَّ يوحنا 3: 16، وهو أحد أشهر نصوص الكتاب المُقدَّس، يتعرَّض للذبح بصورة روتينيَّة بالاستنتاجات الخاطئة.
فلماذا تحدث هذه الاستنباطات غير المشروعة؟ يتحدَّث اللَّاهوت المسيحيِّ الكلاسيكيِّ، خاصَّةً اللاهوت المُصلَح، عن التأثيرات الذهنيَّة الإدراكيَّة للخطيَّة. النتائج الذهنيَّة للخطية هي عواقب سقوط الإنسان من الناحية الفكريَّة عند البشر. فقد تعرَّض كامل كيان الإنسان، بما في ذلك كلُّ قدراتنا ومَلَكاتنا، للتلف بسبب فساد الطبيعة البشريَّة. تموت أجسادنا بسبب الخطيَّة. والإرادة البشرية في حالة عبوديَّة أخلاقيَّة، أسيرةً للرغبات الشرِّيرة ونزعاتِ القلب. وأذهاننا أيضًا ساقطة، إذ ضعُفت قدرتنا على التفكير بشدَّة بفعل السقوط. وأخمِّن أنَّ معدل ذكاء آدم قبل السقوط كان يفوق كلَّ المعايير التي لدينا. ولا أظنُّ أنَّه كان يصل إلى استنتاجات غير مشروعة في الوقت الذي كان فيه يهتمُّ بالجنَّة. فقد كان عقله صاحيًا وحادَّ الذكاء. ولكنَّه فَقَدَ ذلك حين سقط، وفقدناه نحن معه.
ولكنَّ حقيقة أنَّنا ساقطون لا تعني أنَّنا لم نَعُد نملك القدرة على التفكير. نميل جميعًا إلى الخطإِ ، ولكنَّنا نستطيع أن نتعلَّم التفكير بأسلوب مُنظَّم ومنطقي ومُقنِع. وأنا أرغب في أن أرى المسيحيِّين الحقيقيِّين يفكِّرون بكلِّ وضوحٍ وحُجَّةٍ مُقنِعة. ولذا فإنَّنا ننتفع كثيرًا إن درسنا بانتظام وانضباط مبادئ التفكير المنطقي وأتقنَّاها حتَّى نتمكَّن بمعونة الله الروح القدس من التغلُّبِ على شيءٍ مِمَّا تسبَّبت به الخطيَّة من خرابٍ لتفكيرنا.
لا أظنُّ، ولا للحظة، أنَّ أيَّ واحدٍ مِنَّا، طالما الخطيَّة فينا، سيصير كاملًا في تفكيره. فطالما نحنُ أحياء، تضع الخطيَّة فينا ميلًا يخالف شريعة الله، وعلينا أن نحارب هذه التحريفات الأساسيَّة لحقِّ الله لكي نتغلَّب عليها. ولكنْ إنْ كُنَّا نُحِبُّ الله، لا بقلوبنا ونفوسنا وقوَّتنا فقط، بل وبأذهاننا أيضًا (مرقس 12: 30)، فسنكون حازمين في محاولاتنا بأن ندرَّب أذهاننا.
أجل، كان لدى آدم عقلٌ حادُّ الذكاء قبل السقوط. ولكنَّني أومن أنَّ العالم لم يشهد قط تفكيرًا سليمًا مثل ذاك الذي تجلَّى في عقل المسيح. أظنُّ أنَّ جزءًا من إنسانيَّةِ ربِّنا الكاملة هو أنَّه لم يحدث أن وصل إلى استنباط غير مشروع. فلم يقفز إلى استنتاج لم يكن نابعًا من مُقدِّماتِه المنطقية. فقد كان واضح الذهن ومُتَّسِقًا في تفكيره. ونحنُ مدعوُّون إلى أن نتمثَّل بالرب في كلِّ شيءٍ، بما في ذلك تفكيره. ولذا، اجعل شغلك الشاغل في الحياة بكل جدِّيَّة أن تُحبَّه بكلِّ فكرك.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

