الخلاص في الكتاب المُقدَّس

۱۷ يوليو ۲۰۲٦

الخلاص في الكتاب المُقدَّس

۱۷ يوليو ۲۰۲٦

ما سبب أهمّيّة علم الخلاص في الفكر المُصلَح

كما رأينا في هذه السلسلة القصيرة من المقالات، فإنّ الحفاظ على أمانة علم الخلاص لتعليم الكتاب المُقدَّس ليس أمرًا سهلًا ومُسلَّمًا به. فقد أخطأ كثيرون من بني إسرائيل في العهد القديم في فهم طبيعة العهد الموسوي، وتبنَّوا فهمًا استحقاقيًا للخلاص. وفي المقابل، وقع آخرون في فخّ الوثنيّة الفاضحة. وقد عبَّر الرسول بولس، أثناء خدمته، عن دهشته بشأن التحوُّل السريع عند الذين كان قد علّمهم إلى إنجيل آخر (غلاطية 1: 6).

وفي الكنيسة الأولى، صارت البيلاچيّة وشبه البيلاچيّة مشكلةً لم تختفِ قطّ بالمعنى الحقيقيّ. فمع أنّ هذين التيّارَين أُدينا في البداية، فإنّنا حين نصل إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر، كانت شبه البيلاچيّة هي الرأي السائد في الكنيسة، وكان البعض يغازل البيلاچيّة الكاملة. وتحتَ تأثير عدّة أفكار وثنيّة، صار الخلاص يُفهَم بمعنى ارتقاء الطبيعة البشريّة، وهو أمرٌ يُنجَز بفعل المشاركة في الأسرار التي يقوم بها كهنة الكنيسة الكاثوليكيّة المرسومون. وخلال قرون العصور الوسط، حلّ النظام الخلاصيّ المرتبط بالأسرار الكنسيّة ودور الكنيسة محلَّ علم الخلاص الكتابيّ بصورة تامّة. واليوم، ما تزال عقيدة التبرير الكتابيّة تتعرَّض للهجوم، فإمّا تُرفَض أو تخضع للمراجعة وشيءٍ من التغيير. 

1. علم الخلاص في الفكر المُصلَح مهمّ لأنّه يحافظ على الأمانة للتعليم الكتابيّ. 

يشدِّد هذا التعليم ويؤكِّد على الفروق بين الخلاص بالأعمال والخلاص بالنعمة. وهو يتمسّك بالرفض الأغسيطينيّ للأفكار البيلاچيّة وشبه البيلاچيّة. وقد رفض أيضًا المفهوم الأنطولوچيّ للتبرير، أي الاعتقاد بأنّ التبرير يُغيّر طبيعة الإنسان أو وجوده الداخلي بشكل جوهري، والذي تسرَّب إلى الكنيسة الكاثوليكيّة، وعاد إلى الفهم العهديّ الكتابيّ لنعمة الله المُفتديّة. 

2. علم الخلاص في الفكر المُصلَح مهمّ لأنّ جذوره تمتدّ عميقًا في عقودٍ من جهود الدراسة الاستقصائيّة الشاملة والمكثَّفة في الكتاب المُقدَّس التي قام بها مئاتٌ من اللاهوتيّين والخدّام المُصلَحين. 

لم يكن علم الخلاص في الفكر المُصلَح أمرًا اقترحه "مؤثِّر" عشوائيّ من دون التفكير العميق به. فقد أسفرت عقودٌ من جهود الدراسة الاستقصائيّة الحريصة عن لاهوتٍ عهديّ شاملٍ أوضح الفرق بين حالة ما قبل السقوط وحالة ما بعد السقوط بصورة دقيقة وكاملة الوضوح. فرض هذا اللاهوت على الكنيسة أن تتذكَّر الفرق الكتابيّ بين الأعمال والنعمة، وبين الناموس والإنجيل. 

علم الخلاص في الفكر المُصلَح مهمّ لأنّه يدفعنا إلى أن نحافظ على رسالة الإنجيل الكتابيّة، ويساعدنا في أن نتجنَّب الكثير من الفخاخ التي كانت بمثابة تجارب واجهت الكنيسة عبر القرون. 

3. علم الخلاص في الفكر المُصلَح مهمّ أيضاً لأنّه مرتبط بصورة وثيقة بكلّ موضوعٍ لاهوتيٍّ أو مسألةٍ لاهوتيّة. 

يحافظ علم الخلاص في الفكر المُصلَح على الارتباطات الكتابيّة بين عقيدة الثالوث، والقضاء الإلهيّ، والخلق، والعناية الإلهيّة، وعقيدة الإنسان والسقوط، وشخص المسيح وعمله، وتطبيق الخلاص في "ترتيب الخلاص" (ordo salutis)، والكنيسة وأسرارها، والأيّام الأخيرة. وبخلاف علم الخلاص في الفكر الأرمينيّ، مثلًا، فإنّ علم الخلاص في الفكر المُصلَح لا يقدِّم تناقضات وعدم اتّساق ضمن نظامه اللاهوتيّ. فلا يعلِّم بأنَّ الآب ينوي أن يعمل أمرًا بشأن الخلاص يختلف تمامًا عما ينوي الابن أنْ يعمله. 

4. في النهاية علم الخلاص في الفكر المُصلَح مهمّ لأنّ بشارة الإنجيل مهمّة. 

وُلِد كلّ أولاد وبنات آدم وحوّاء أمواتًا في الخطيّة، وفي حالة عداوة مع الله، وهم بلا رجاء ما لم يفعل الله شيئًا. ولكنَّ الشكرَ لله على أنّه فعل شيئًا في شخصِ يسوع المسيح وعمله، ونحنُ الآن مدعوّون إلى أن نعلِن هذا الخبر السارّ. يلخِّص الرسول بولس الخبر السارّ في رسالة كورنثوس الأولى. إنّها رسالة: 

أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ. (1 كورنثوس 15: 3-7)

يسوع هو الطريق الواحد والوحيد لخلاص البشريّة الضالّة الهالكة. لا يأتي إلى الآب أحدٌ إلّا بيسوع المسيح (يوحنا 14: 5). 

تشرح إقرارات سنودس دورت الأمر بالكلمات التالية: 

... وعدُ بشارة الإنجيل هو أنّ مَن يؤمن بالمسيح مصلوبًا لن يهلك، بل تكون له الحياة الأبديّة. ينبغي لهذا الوعد والأمر بالتوبة والإيمان أن يكونا ما يُعلَنان ويُذاعان لكلّ الأمم والبشر، الذين يُرسِل الله إليهم، بمسرّته الصالحة، بشارةَ الإنجيل. (القسم الرئيسيّ الثاني من العقيدة، البند 5)

علم الخلاص في الفكر المُصلَح مهمٌّ لأنّه يفرض علينا أن نحافظ على بشارة الإنجيل الكتابيّة ويساعدنا في أن نتجنَّب الكثير من الفخاخ التي كانت بمثابة تجارب واجهت الكنيسة عبر القرون. لله وحده المجد!


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

كيث ماثيسون

كيث ماثيسون

الدكتور كيث ماثيسون هو أستاذ علم اللاهوت النظامي في كليَّة الإصلاح للكتاب المقدس (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وهو مُؤلِّف للعديد من الكتب، بما في ذلك "العشاء الرباني: إجابات على الأسئلة الشائعة" (The Lord’s Supper: Answers to Common Questions).