ما هو تأكيدُ الغفران؟

۲۸ أغسطس ۲۰۲٦

ما هو تأكيدُ الغفران؟

۲۸ أغسطس ۲۰۲٦

ما هو الاعتراف بالخطيّة؟

حين تحضر خدمة عبادة في كنيسةٍ مُصلَحة، قد يقودك الخادم في اعترافٍ بالخطيّة. قد يقرأ من شريعة الله قبلًا ويصلِّي، أو يصرِّح بحقيقة الغفران بدم المسيح يسوع. ما معنى هذا الاعتراف بالخطيّة؟ ما هو أصل هذه الممارسة؟ كيف يمكنك أن تشارك في هذا الاعتراف بأمانةٍ أكثر؟ 

معنى الاعترافِ بالخطيّة 

تقول رسالة يوحنا الأولى 1: 9: "إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ." الكلمة اليونانيّة التي يستخدمها الرسول يوحنا هنا وتُترجَم إلى "اعترف" تعني "أن يقول الأمر ذاته الذي يقوله آخر." معنى أن نعترف بخطايانا هو أن نتّفق مع وصف الربّ لخطيّتنا كما يبيّنها في الكتاب المُقدَّس. 

في العبادة الجماعيّة، يُعَدُّ الاعتراف بالخطيّة وقتًا مُحدَّدًا في الخدمة يقود فيه الخادمُ جسدَ المسيح في الإقرار بخطاياهم. وبعد ذلك يصلّي بأنّ ينالوا رحمة الربّ الممنوحة في المسيح يسوع. 

أصل ممارسة الاعتراف بالخطيّة 

في خدمتَي خيمة الاجتماع والهيكل، أمرَ الربُّ أنْ يكون باب دار الهيكل مواجهًا الشرق (خروج 27: 13). وقد اختير هذا الاتّجاه لأن آدم وحوّاء طُرِدا إلى الشرق من الجنّة بعد سقوطهما في الخطيّة (تكوين 3: 24). وقد كان هذا الباب دعوةَ نعمةٍ لشعب إسرائيل بأن يعود إلى الله. 

كان أوّل شيءٍ يراه العابدون حين يدخلون إلى دار خيمة الاجتماع أو الهيكل هو المذبح. فعند الدخول، كان العابدون يتوقَّفون، ويضعون أيديهم على حيوان الذبيحة، ويعترفون بخطاياهم، ثم يقدِّم الكاهن الذبيحة لله القدّوس. كانت هذه الممارسة تذكِّرهم بأنّه "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عبرانيّين 9: 22؛ انظر أيضًا لاويّين 17: 11).

وتُشير رسالة العبرانيّين 9: 10-22 إلى هذه القرابين والذبائح لإظهار أنّه لم تكن للحيوانات أيّة قوّة حقيقيّة أو تأثير حقيقيّ في التطهير. وبالمقابل، نقرأ ما يقوله كاتب العبرانيّين: "فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَال مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ" (عبرانيّين 9: 14). 

ولإظهار هذا الاحتياج إلى دم المسيح في المجيء إلى الله، تتضمن الكثير من الليتورچيّات المُصلَحة الاعترافَ بالخطية في بدايات العبادة الجماعيّة. فكان چون كالڤن يوجّه الكنائس السويسريّة في جينيڤا وستراسبورج إلى أن تبدأ العبادة بالتضرُّع التالي: 

عَوْنُنَا بِاسْمِ الرَّبِّ، 

الصَّانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. آمين. (مزمور 124: 8)

وكان هذا يُتبَع باعترافٍ علنيّ بالخطيّة. كما قال كالڤن:

في الحقيقة، في الكنائس ذات التنظيم الجيّد، وحفظًا لعادةٍ مفيدةٍ ونافعة، يصوغ الخادم، في كلّ واحدٍ من أيّام الربّ، صيغة اعتراف باسمه واسم الشعب يقدِّم فيه اعترافًا مشتركًا بالإثم، ويتضرّع طالبًا الغفران من الربّ. (أسس الدين المسيحيّ 3: 4: 11)

وقد انتشرت هذه الممارسة من خلال تأثير كالڤن وآخرين. ولذا، يقول "مُرشِد وستمِنستر في العبادة العامّة" (Westminster Directory of Public Worship) إنَّه ينبغي أن تبدأ الخدمة بـ"إقرار [العابدين] بعظمة وجلال الربّ، اللذين يسموان عن الفهم (الذي في محضره يظهران بطريقة خاصّة)، وبشرّهم وعدم استحقاقهم في أن يأتوا إليه." ثم يصف "المُرشِد" بصورة محدَّدة الطرقَ الكثيرة التي ينبغي بها أن يُعترَف بالخطيّة. وقد وصلتنا هذه المُمارَسة المُصلحة لكوننا الورثة الروحيّين لهذا الاتّجاه الروحيّ. 

ممارسة الاعتراف بالخطيّة

في ما يلي ثلاثةُ تطبيقاتٍ في ممارستنا اعترافنا بالخطيّة بأمانةٍ وإخلاصٍ أكثر: 

1. الإقرارُ بعِظَمِ خطيّتِنا. 

غالبًا ما نُفكِّرُ في فعلِ الخطيّةِ ذاته، لكنَّ الأمرَ الأهمَّ هو ضدَّ مَن أخطأنا. لو رسمتَ شاربًا مُضحكًا على لوحةٍ رسمتُها، فستكون الإساءة بسيطةً. لماذا؟ لأنّني فنّان سيّئ. ولكنْ إن ذهبتَ إلى متحف اللوڤر وتمكّنتَ بطريقةٍ ما من أن ترسم الشارب نفسه على لوحة الموناليزا لداڤنشي، فستقع في مشكلةٍ كبيرة. وهكذا، فإنّ عاقبة العمل نفسه أكثر خطورة، لأنّك ستكون قد شوّهتَ تحفةً فنّيّةً. 

وهذا ينطبق على ارتكاب الخطيّة. فارتكاب خطيّة بحقّ سيّد كل الخليقة أمرٌ جللٌ وأكثر خطورةٍ. ولذا حين اعترف داود بخطيّته بالزنى مع بثشبع وبقتله زوجها، وهما شخصان خُلِقا على صورة الله، قال: "إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ" (مزمور 51: 4). 

2. الحزنُ على الطبيعةِ الجماعيّةِ لخطايانا. 

في الصلاة الربّانيّة نصلّي قائلين: "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا" (متّى 6: 12). فنحنُ متّحدون بروح المسيح مع الآخرين في الكنيسة، وخطايانا تؤثِّر في الكنيسة، وينبغي أن نعترف بخطايانا معًا. 

قال الرسول بولس: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟" (1 كورنثوس 3: 16). كما ترى، فإنّ صيغة المُخاطَب هي للجمع. فالخطايا في جسد المسيح ذات طبيعة مُسيئة ومزعجة، لأنّ الله القدّوس يسكن في جسد المسيح. تشبه الكنيسة متحفًا فنّيًّا، و"الرسم" الذي يجمِّلنا هو دم المسيح (عبرانيّين 10: 28-31). فكما يقول توماس واتسون (Thomas Watson): "خطايا الأشرار تُغضِب الله،، أمّا خطايا شعبه فتُحزِنُه." 

3. إظهارُ ندامةٍ حقيقيّةٍ على خطايانا.

يدوِّن لنا الكتاب المُقدَّس أمثلةً كثيرة على اعتراف شعب إسرائيل بخطاياهم، مثلما حدث حين أرسل الربّ حيّات مُحرِقة بعد تذمُّرهم في البرّيّة (سفر العدد 21: 7)، أو حين عاد الشعب من السبي لإعادة بناء أسوار أورشليم (نحميا 9: 1-3). فحين تقرأ هذه الروايات تسمع ندم شعب الله. 

مع أنّ من المحتمَل ألّا تكون كنيستك في هذا الوضع المتدنّي روحيًّا، فإنّ أيّة خطيّة مرتكبة بحقّ الربّ ينبغي أن تأتي بحزنٍ حقيقيّ. والعديد من المزامير كثيرًا ما تُقرَأ أو تُرنَّم في اعترافٍ بالخطيّة، إذ تكون تعبيرًا قلبيًّا عن الحزن على خطايانا. ينبغي أن تكون لغة الاعتراف أمرًا اعتياديًّا، وممارَسة متوقَّعة عند الكنيسة. وكما قال مارتن لوثر: "ولذا، حين أحثُّكم على الاعتراف، فإنّني أحثُّكم على أن تكونوا مسيحيّين حقيقيّين."


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

باري ج. يورك

باري ج. يورك

الدكتور باري ج. يورك هو رئيس وبروفيسور علم اللاهوت الرعويّ في معهد اللاهوت الإصلاحيّ المشيخيّ في بيتسبرغ. هو مؤلّف كتاب "إصابة الأهداف" (Hitting the Marks)