
إيجاد الرجاء وسط المرض الشديد
۱۸ سبتمبر ۲۰۲٦كيف يمكنني التَّعامُلُ مع اليأس؟
إن كان الرَّجاءُ هو التَّوقُ إلى الحياة، فإنّ اليأس هو التَّوقُ إلى النِّهاية. وكما كان إيليا تحتَ الأثلة (1 ملوك 19: 1-10)، أو كما كان أيُّوب ينوح حزنًا على يوم ولادته (أيوب 3)، أو كما أيس بولس من الحياة بسبب ثِقَل الضيق الذي كان يعانيه (2 كورنثوس 1: 8)، قد يشعرُ المؤمنون المولودون لرجاءٍ حيٍّ أنهم مَحصورون في أزمنةِ الضِّيق.
صرخ كاتب المزمور قائلًا:
كُلُّ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ
طَمَتْ عَلَيَّ. (مزمور 42: 7)
وعبَّر أيوب عن حزنه قائلًا: "رُوحِي تَلِفَتْ. أَيَّامِي انْطَفَأَتْ" (أيوب 17: 1). ليستْ هذه عواطفَ شعريّةً، بل هي كلماتٌ تعكس واقعًا حيثُ يمكن للألم أن يتجاوز ما نحنُ مُهيَّؤون لاحتماله.
لا يأتي اليأس إلى الذين قد نظنّ أنّهم مُرشَّحون محتملون لذلك فقط: السوداويّين، أو غير القنوعين، أو أصحاب الفهم الضعيف للحقائق. كلّا، إذْ حتّى القدّيسون النشطاء، مثل تشارلز سبرچن ومارتن للويد چونز وچون بنيان مرّوا بفتراتٍ من الألم والحزن والوجع العميقة. لا يميِّز اليأس مَن يأتي عليهم بناءً على طبيعة مزاجهم النفسيّ أو نضجهم الروحيّ.
الإنسان اليائس يريد شيئًا واحدًا: أن يتحرَّر من يأسه. فطبيعة صراعه مع اليأس إشارة قويّة على الهزيمة وفقدان المعنى من دون أن يكون هناك حلّ أو مخرج للنجاة. وقد وصف كاتب المزمور هذا بالكلمات التالية:
دَخَلْتُ إِلَى أَعْمَاقِ الْمِيَاهِ،
وَالسَّيْلُ غَمَرَنِي. (مزمور 69: 2)
يشبه الأمرُ السباحة في بحر هائج، إذ قد تشعر أنّك تغرق على مرأى من الآخرين، دون أن تكون هناك إمكانيّة لإنقاذك.
وسواء سار بك اليأس نحو الأسفل ببطء أو دفع ذهنك ونفسك إلى الحافّة فجأةً، فإنّه يشوِّه حقيقة رجاء المؤمن، ويقلِّل من قدرة الجسد والذهن والنفس. ولذا، فإنّ الشفاء يشمل استعادة الفهم والقدرة باعتمادنا على المسيح في ضعفنا وممارستنا الإيمان في خطوات "صغيرة" من الطاعة والصبر والرجاء تخترق زخم اليأس.
مقاطعة التفكير المُرهِق
في كتاب "سياحة المسيحي" لچون بنيان، حين تباطأ المسيحي في قلعة "العملاق يأس،" لم تكن الظلمة وهمًا، بل كانت حقيقةً محسوسةً وخانقة. وهذا ينطبق علينا أيضًا، إذ قد نكون في وسط ظروفٍ كئيبةٍ ومظلمةٍ، ولكنّ اليأس يجعلنا ندور في هذه الظروف بلا توقُّف بينما يهاجم ويشوِّش رجاءنا في المسيح. وقد أتى إنقاذ المسيحيّ لا لأنّ الظلمة انتهت، بل لأنّه تذكَّر أنْ يستخدم مفتاح الوعد الذي كان في جيبه.
ينبغي لكلمة الله أن تقاطع أفكارنا وتعيد تشكيلها، وذلك بصورة متكرِّرة. فحين يظهر الشعور بالترك فينا، تذكَّر أنّه وعد بأنّه لن يهملنا ولن يتركنا أبدًا. وحين تبدو الأعماق أبعد من أن يصل الله إليها، تذكَّر أنّه نزل إلى شيؤول نفسها. وحين لا تعرف كيف تصلّي وماذا تقول، اعرف أنّ الروح القدس يئنّ فيك ولأجلك.
الاهتمام بالجسد
حين شعر إيليا بأنّ المهمّة الملقاة على كاهله تفوق قدرته، أعطاه الله طعامًا وراحةً وحضوره. فنحنُ مخلوقون بقدراتٍ محدودة تحتاج لأن تُرَدّ وتُعزَّز كلّما شعرنا أنّنا بلا قدرة. ولذا فإنّ التواضع يعني أنّنا في احتياجٍ للتمرُّن يوميًا، والحصول على ما يكفي من النوم، وتغذية أجسادنا، والتعرُّض لأشعة الشمس، والسعي إلى الحصول على العناية الطبّيّة، والسماح لأنفسنا بأن نحصل على الراحة بدل دفع أنفسنا إلى تتميم مسؤوليّاتنا ونحنُ مُنهَكون. قد نشعر أنّ اهتمامنا باحتياجاتنا الجسديّة أمرٌ لا فائدة منه ولا أهمّيّة له، ولكنّه من الناحية الفعليّة عملُ طاعةٍ بالغ الأهمّيّة والقوّة به نكرِم محدوديّة حقيقة كوننا مخلوقين ونثق بعطاء الله وتدبيره.
الانفتاحُ على الآخرين
يشبه اليأسُ غريزة حبّ البقاء، إذ يلتهم كلّ جزءٍ في المتألّم، ساعيًا إلى التركيز على الذات والانعزال. يمكن لهذا الانحراف القويّ للاستبطان المُشوَّه أن يضعف بما نعطيه ونقضيه من وقت وعناية ووجودٍ مع الآخرين. فجيّدٌ أن نسمح للآخرين بأن يدخلوا إلى حياتنا، لا لنتلقّى منهم المحبة فقط، بل لنعطيها أيضًا من خلال الحوار والاهتمام. وأعمال الاهتمام البسيطة تعطي الآخرين أولويّة، وتكون بمثابة إجراءات مُضادة للميل إلى التركيز على الذات. صلِّ لأجل الذين حولك، وأُرسِل إليهم رسائل تشجيع، وادخل في نقاشٍ مركَّز معهم، إذ كلّ هذه طرقٌ تحرِّرك لتستعيد نظرك إلى الخارج نحو الله والقريب.
إنقاذ الروتين
عندما يُجرّدنا اليأس من أبسط مقومات الحياة، فلنتمسك بهذه المقومات كجزء من عملية إنقاذنا. فالممارسات الروتينيّة اليوميّة، مهما كانت صغيرة وبسيطة، تأتي بالنظام. والمهمّات الصغيرة، مثل الاستيقاظ كلّ صباح أو غسل الثياب أو جزّ عشب الحديقة، تُصبح شريان حياة يُعيد إلينا الشعور بالاستقرار والمعنى. وحتى لو كُنّا نشعر أن جهودنا آليّةً، فإن قبول الشيءٍ التالي هو عملُ رجاء. الأمانة في الأشياء البسيطة (لوقا 16: 10) تُعيد بناء قدرتنا، وتؤكِّد معنى حياتنا وهدفها، محوِّلةً ما هو أرضيٌّ دنيويّ إلى وسيلةِ إنقاذ.
تعزية الخليقة
حين يبدو الخوف عظيمًا، يأتي تذكُّر حقيقة كوننا صغارًا في ضوء جلال الله وسيادته بشعورٍ بالراحة والأمان. فالله يحفظُ الخليقة، التي نحنُ جزءٌ منها. تحوَّل يأسُ أيّوب إلى عبادةٍ حين أظهر الله صفاتِه وسيادتَه في حفظه كلّ شيءٍ، من حزام أبراج الأفلاك في السماء إلى بوّابات المحيط. ومن شأن السير في الطبيعة، والاستلقاء تحتَ النجوم، وزراعة الزهور، والاهتمام بالحيوانات، وكلّ ما في الخليقة من جمال أن تعزّينا وتريحنا وتعيد توجيه منظورنا، فنرى بهذا عمل الله فينا من خلال العالم الطبيعيّ.
المثابرة بالصبر
حين تستمرّ الظلمة ولا تأتي الراحة، تذكَّر أنّ الانتقال من الألم إلى الرجاء يتطلَّب احتمالًا وثباتًا. وهذا يشمل الزمن والثقة. ليس العيش في حالة التوتُّر أمرً سهلًا، ولكنّ الضعف والحاجة متطلَّبان مسبَقان لتعلُّم الاعتماد الكلّي على المسيح. فلم يدعُنا المسيح إلى أن نشترك في انتصار وقوّة قيامته فقط، بل إلى الشركة معه في آلامه أيضًا (فيلبّي 3: 10). ثابر واثبت في خطوات الإيمان المتعثِّرة المتثاقلة تلك، فهذا هو العمل الصالح الذي أعدّه لتعمله في هذا الوقت من حياتك.
لا تخف من الظلال. فمع أنّك قد تشعر أنّها لا تنتهي، فإنَّ الحقيقة هي أنّ ذلك سيدوم فترةً قصيرة، لنرى بعدَ تلك الحقيقة: "إِلهُ كُلِّ نِعْمَةٍ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ الأَبَدِيِّ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا (فترة قصيرة)، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ" (1 بطرس 5: 10). قد تزداد الظلال عمقًا، ولكنّها لا تستطيع أبدًا أن تبتلع أولئك الذين أُنقِذوا من سلطان الظلمة ونُقِلوا إلى ملكوت الابن (كولوسي 1: 13).
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

