كيف يمكنني التَّعامُلُ مع اليأس؟

۲۵ سبتمبر ۲۰۲٦

تعزيةُ الله عند فقدانِ ابنٍ

۹ أكتوبر ۲۰۲٦

كيف يمكنني التَّعامُلُ مع اليأس؟

۲۵ سبتمبر ۲۰۲٦

تعزيةُ الله عند فقدانِ ابنٍ

۹ أكتوبر ۲۰۲٦

كيف أتعامل مع الاحتراق في الخدمة

صار الاحتراق في الخدمة في هذه الأيّام أكثر شيوعًا في خدمة بشارة الإنجيل الأمينة. وهناك أسباب كثيرة لاحتراق كثيرين من الرعاة والمُعلِّمين الأتقياء المنخرطين في الخدمة. ويمكن لعداوة العالم المتنامية أن تتسبَّب بفقدان العزيمة واليأس. بل إن استعداد بعض مَن يدّعون الانتماء إلى الحركة الإنجيليّة لأن تكون الثقافة السائدة حولهم هي ما تشكّلهم بدلَ أن يكون الكتاب المُقدَّس هو ما يشكِّلهم أمرٌ مثبِط للعزيمة بصورة عميقة. ويُضاف إلى هذه المعارك وجود بعض الرجال والنساء الصالحين الحسّاسين الذين يرون أيّة معارضة أو خلاف، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، أمرًا ثقيلًا ولا يمكن احتماله. 

وأرغب في هذا المقال القصير أن أوجِّه الانتباه إلى الحزن والإنهاك اللذين أثَّرا في ناسوت ربّنا يسوع المسيح القدّوس. لا أقصد هنا أنّ يسوع اختبر الاحتراق في خدمته. ولكنّ الكتاب المُقدَّس يقدِّم لنا يسوعَ باعتباره نموذجَ الإيمان ومثالَه، وعبدَ الربِّ الذي ينبغي لكلّ خادمٍ للإنجيل أن يتمثَّل به. وإذْ نحتفظ بهذه الحقيقة في أذهاننا، أريد أن أقومَ بأمرين: الأوَّل، أن أؤكِّد حقيقةً كثيرًا ما نتجاهلها، وهي حقيقة تعرُّض يسوع لمِحَنٍ صعبةٍ وثقيلةٍ جدًّا وتكاد تكون ساحقة في الخدمة؛ والثاني، أن أُسِلّط الضوء على تركيز يسوع المسيح الثابت بينما كانت يتعرَّض لهذه الصعوبات ويختبرها. 

1. الرب يسوع يتذكَّر ويعرف. 

أوّلًا، فكِّر وتأمَّل بالكلمات الرائعة التالية: 

وَقَالَ لِي: "أَنْتَ عَبْدِي 

إِسْرَائِيلُ الَّذِي بِهِ أَتَمَجَّدُ". 

أَمَّا أَنَا فَقُلْتُ: "عَبَثًا تَعِبْتُ. 

بَاطِلاً وَفَارِغًا أَفْنَيْتُ قُدْرَتِي. لكِنَّ حَقِّي عِنْدَ الرَّبِّ، وَعَمَلِي عِنْدَ إِلهِي." (إشعياء 49: 3-4) 

حين أعلِّم، كثيرًا ما أسأل طلّابي: "مَن قال هذه الكلمات؟" ولم يحدث أن سمعتُ الجواب الصحيح. فهذه الكلمات قالها عبد يهوه الأمين الخالي من الخطيّة، الذي به سوف "يتمجَّد" يهوه. صدرت هذه الكلمات من شفتَي الربّ يسوع المسيح. 

الكلمتان "باطل" و"فارغ" تستثيران العقل بعمق وتوجِّهانه إلى مقاطع أخرى في الكتاب المُقدَّس. فالكلمة "باطل" ترجمة للكلمة العبرية "توهو،" وهي كلمة ترد في تكوين 1: 2: "وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً (توهو)." أمّا الكلمة "فارغ" فهي ترجمة للكلمة العبرية "هيبِل،" وهي كلمة كثيرة الورود في سفر الجامعة: "باطل الأباطيل." فقُرب الصلْب، حين نظر يسوع إلى كلّ خدمته ورسالته السابقة، كان يسوع في فترة خدمته قد اختبر ألمًا ومعاناة شخصيّين شديدين، ولكن من دون خطيّة. وقد تعرَّض لمقاومة هائلة مستمرّة، وكان تلاميذه فاترين وغليظي العقل، حتى شعر بكامل ثِقَل حُزن كاتب المزمور حين قال إنّ الظلمة هي صديقه الوحيد (انظر مزمور 88: 18). 

ينبغي لكلّ مؤمن أن يعرف، ويجب على كلّ خادمٍ للإنجيل أن يعرف، أنّ لدينا مخلِّصًا يعرف حزن وإنهاك خدّامه لأنّه اختبرهما. فالأمانة في خدمة الإنجيل مكلفة. تأمَّل بالكلمات التي يصرخ بها كاتب المزمور: 

لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ 

وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ (مزمور 42: 5)

هو في الأعماق لا لأنّه كان عاصيًا، بل لأنّه لأنه يستشرف اختبار عبدِ الربّ، يسوع المسيح. 

هذه هي فكرتي الرئيسيّة ببساطة: حين يجد عبيدُ الربِّ الأمناء أنفسهم في الأعماق، وأمواج مياه الحياة والخدمة تتلاطم فوق عقولهم أذهانهم وقلوبهم (انظر مزمور 69: 1-2)، لديهم مُخلِّص أمين سار في طريق أعماق التعب والإنهاك والحزن. إنّه يعرف تكوينك وظروفك، ويتذكَّر، ويعرف أنّك تراب (مزمور 103: 14). 

2. وجَّه إيمانُ الرب يسوعَ أعمالَه. 

ثانيًا، فكِّر الآن بالكلمات التالية التي تليها كلماته الأولى: 

لكِنَّ حَقِّي عِنْدَ الرَّبِّ، 

وَعَمَلِي (أجرتي) عِنْدَ إِلهِي. (إشعياء 49: 4)

حين كان الربُّ يسوع المسيح، ابنُ الله الخالي من الخطيّة، وعبدُ الله الأمين، يختبر أعماق الضيقات والمِحَن المرتبطة بخدمته، ثبّت قلبه وذهنه المُضطربَين في أمانة يهوه. فحافظ على ثقةٍ ثابتة بصلاح الله والوعد بمكافأةٍ ومجازاةٍ لآلامهِ حين تعرّض لهجومٍ من الشعور بالحزن والأسى. والإيمان بصلاح ومحبّة الآب السماويّ سيمكّناننا أيضًا من أن اجتياز العاصفة، ومن الثبات حين يتداعى كلُّ ما حولَ نفوسِنا. 

وبعض أفضل عبيد الربّ مدعوّون إلى أن يسيروا في الظلمة، قد تكون ظلمةً لا يبدو فيها أيُّ نور. فكِّر بهذه الكلمات المفاجئة والمُدهِشة الواردة في إشعياء 50: 10: 

مَنْ مِنْكُمْ خَائِفُ الرَّبِّ، 

سَامِعٌ لِصَوْتِ عَبْدِهِ؟ 

مَنِ الَّذِي يَسْلُكُ فِي الظُّلُمَاتِ 

وَلاَ نُورَ لَهُ؟ 

فَلْيَتَّكِلْ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ 

وَيَسْتَنِدْ إِلَى إِلهِهِ.

يريد الربّ بنبيّه إشعياء أن يؤكِّد لنا أن تذكُّر حقيقة مَن هو الله هو أفضل دعمٍ لنا حين يهدِّدنا الاحتراق في الخدمة بأن يفكِّك ويدمِّر حياتنا ويجعلنا غير نافعين لخدمة الرب وكنيسته. 

كان هذا هو أسمى ما اختبره مُخلِّصنا. فإيمانه بالله هو ما حماه من الاستسلام والرجوع إلى الوراء حين لم يعد هناك أيّ نورٍ وهو مُعلَّق ومتروك وحدَه على صليب الجلجثة. ففي حزنه الشديد، ثبت في إيمانه بالله: "إِلَهِي إِلَهِي ..." (مزمور 22: 1؛ متّى 27: 46؛ مرقس 15: 34). فمع أنّ الظلمة كانت تحيط به، أشرق إيمانُه بصورةٍ مجيدة في تلك الظلمة. 

خاتمة

هناك أسباب كثيرة للاحتراق في الخدمة: الصراعات الشخصيّة، الخلافات العائليّة، التوتُّرات في الكنيسة، الاضطراب في البلد، الأزمات الدوليّة. لكنْ مهما كانت الأسباب، يقول يسوع لكلّ إنسانٍ اشتراه بدمه وهو جزءٌ من شعبه المحبوب جدًّا: آمن بالله الآب، الذي يحبّك محبّةً أبديّةً، وبالابن الذي بذل نفسه لأجلك ويحيا إلى الأبد ليتشفَّع لأجلك، وبالروح القدس الذي يسكن فيك ليعينَك (إرميا 31: 3؛ رومية 8: 26؛ عبرانيّين 7: 25). آمن بالله، وتمسَّك به، مثلما فعل مُخلِّصُك.


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

إيان هاملتون

إيان هاملتون

الدكتور إيان هاميلتون (Ian Hamilton) رئيس "كلّيّة وستمنستر المشيخيّة للاهوت" (Westminster Presbyterian Theological Seminary) في مدينة نيوكاسل بإنجلترا، وهو مدرِّس مُشارك في "كلّيّة غرينڤيل المشيخيّة للاهوت" (Greenville Presbyterian Theological Seminary) في مدينة غرينڤيل بولاية ساوث كارولاينا، وعضوٌ في مجلس أمناء دار "راية الحق" (Banner of Truth Trust) للنشر. ألَّف العديد من الكتب، ومنها "كلمات من الصليب" (Words from the Cross)، و"راعينا السّماويّ" (Our Heavenly Shepherd)، وتفسيرًا لرسالة أفسس ضمن سلسلة Lectio Continua Expository Commentary الخاصّة بالعهد الجديد.