
كيف أتعامل مع الاحتراق في الخدمة
۲ أكتوبر ۲۰۲٦تعزيةُ الله عند فقدانِ ابنٍ
لا يُعطَى المؤمنون وعدًا بالصحّةِ والثروةِ والسعادةِ في هذه الحياة. والحقيقةُ المُحزِنةُ للحياةِ في عالمٍ ساقطٍ هي أننا جميعًا نمرّ بأشكالٍ مختلفةٍ من الفقدان: فقدانِ الصِّحّة، أو العمل، أو علاقةٍ ما، أو – وهو الأشدُّ إيلامًا – فقدانِ شخصٍ عزيزٍ علينا. وحين نختبر هذه الأمور، قد يصعُب علينا أن نرى شيئًا خارج هذا الفقدان وهذه الخسارة. وقد يستولي علينا الحزنُ إلى درجةٍ يبتلع فيها كلَّ شيءٍ آخر، بما في ذلك حقائقُ الكتابِ المُقدَّسِ المانحةُ حياةً.
اختبرتُ هذا الأمر حين وُلدت ابنتي ليلى ميتةً قبل أسبوع واحد من موعد ولادتها المتوقع. بدأتْ حياتي تتمحور تمامًا حول رعب خسارتي: طفلتي التي تقتُ إليها طويلًا قد ماتت؛ لن يكون عليّ أن أُطِعمها أو أُلبِسها أو أعتني بها؛ سيبقى ابني بِن وحيدًا دون إخوة؛ قد أعودُ ثانيةً إلى حالة العقم؛ دُفِنت طفلتي في قبرٍ؛ وغير هذه من الأفكار، وهكذا كانت نفسي تفكِّر بالحقائقِ المُريعة واحدةً بعد الأخرى. ولكنْ في النظر إلى خسارتي وجوانبها ومستوياتها المختلفة، لم أعُد أنظر إلى الوحيد القادر أن يأتي بالتعزية إلى حزني وبالنور إلى ظلمتي. عرفت كاتبة الترانيم هيلين ليميل (Helen Lemmel) الطريق للخروج من هذا اليأس، إذْ كتبتْ:
حول عينيك الى يسوع،
وتفرس في شخصه،
فسيفقد العالم بريقه،
في حضرة مجد الإله.
وهكذا، حين حوّلتُ عينيّ إلى يسوع، حتى فقدان طفلتي بدأ يفقد نوره بصورة عجيبة إذْ أضاء نور الرب يسوع ظلمتي. لم يخدِّر النظرُ إليه ألمي، ولكنّه أتى إليّ بتعزيةٍ عظيمة وسط الألم.
المُخلِّص الذي يهتمّ
وإذْ تحوَّلتُ في حالة فقداني طفلتي إلى يسوع، وجدتُ مُخلِّصًا ممتلئًا بالرأفة والرحمة. ترينا الأناجيل حقيقة أنّ قلب يسوع كان يمتلئ بالحنان والرحمة تجاه المتألّمين الذين تعرَّضوا لأشكالٍ وأنواعٍ مختلفة من الخسارة. وأحد أجمل الأمثلة على هذا الأبرص الذي توسَّل إلى يسوع بأن يطهِّره. يكتب لنا مرقس في إنجيله عمّا حدث: "فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ: ’أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!‘" (مرقس 1: 41). بحسب الشرائع اللاويّة، كان هذا الرجل نجسًا (لاويّين 13)، ولذا كان يُعامَل باعتباره منبوذًا، ولذا ينبغي الإبقاء على مسافةٍ جسديّة تفصله عن الآخرين. ولكنْ إذْ كان يسوع ممتلئًا بالحنان، مدّ يده عبر فراغ المسافة الفاصلة، ولمسه. كم يا تُرى مضى من الوقت قبل أن يشعر هذا الرجل بلمسةِ إنسانٍ آخر؟
تعطينا الأناجيل أمثلةً كثيرة على لَمْس يسوع لحياة أناسٍ مثقلين بعبء عالمٍ ساقطٍ ومكسورٍ: فقد تحنّن على أمٍّ فقدت ابنها الوحيد (لوقا 7: 11-15)، وعلى المرضى (متّى 14: 14)، والجياع (متّى 15: 32)، والعمي (متّى 20: 30-34)، والمنزعجين والمنطرحين (متّى 9: 35-36). وحين ننظر إلى هذه الروايات، لا نرى مُخلِّصًا يخلو من المشاعر تجاه ناسٍ متألّمين، بل مُخلِّصًا "يمدّ يده" نحونا بكلّ حنان.
المُخلِّص الذي يبكي
ربما ليس من مكان نرى فيه قلب يسوع الرقيق بصورة أوضح ممّا نراه في أقصر آية في الكتاب المُقدَّس: "بَكَى يَسُوعُ" (يوحنا 11: 35). فحين وصل إلى بيت النوح، حيث كانوا يُعزّون بموت صديقه لعازر، لم يذرف يسوع أيّة دمعة يتظاهر بها بالحزن، بل بكى. ومع أنّه كان يعرف أنّه سينادي لعازر من الموت إلى الحياة ثانيةً، فإنه مع ذلك اختبر عمق مشاعر الحزن والغضب.
بعد أن وُلدت ليلى ميتةً، بكيتُ أكثر من أيّة مرّةٍ سابقة، ولكنّني تعزّيتُ بحقيقة أنّ مُخلِّصي أيضًا بكى في مواجهة الموت. يكتب چون كالڤن في تفسيره لهذه الآية قائلًا: "تحرّكه أمراضنا كما لو كانَ هو من يتألّم بها." فلا يتمتّع الربُّ يسوع في خسارتك وخسارتي بحزننا. فهو الكلمة الذي صار جسدًا، وشعر بالحزن في صدره وكانت الدموع تُذرَف على خدَّيه.
المُخلِّص الذي يغلب
معرفتي لحقيقة أنَّ يسوع يهتم ويبكي حقيقةٌ تعزّيني في أوقات الخسارة والفقدان، ولكنّ هذا في ذاته غيرُ كافٍ. فما الفائدة من أن يأتي يسوع ليكون معنا في ألمنا وحزننا إن كان في النهاية لا يستطيع الانتصار على هذه الأمور لأجلنا؟ إن لم يكن يسوع منتصرًا، فإنّه في النهاية ليس مُعزّيًا. فنحنُ في ألمنا لا نحتاج إلى متعاطفٍ معنا فقط، بل إلى مُخلِّص.
لم يأتِ ليغطّي ألمنا بضمادة جروح، بل ذهب إلى أصل كلّ ألمنا، خطيّتنا. فيسوع "... حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ" ليستطيع أن يُبطِل لعنة السقوط (1 بطرس 2: 24). قبل أن تلطِّخ الخطيّة وتشوِّه كلَّ شيء، لم تكن هناك خسارة أو فقدان. لم يكن هناك بكاء، أو إحباط، أو انكسار، أو موت. وحين دعا يسوع لعازر من الموت إلى الحياة، كان يُرينا ما أتى ليعمله: " فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ" (عبرانيّين 2: 14). فلأن المسيح غلب الموت وأُقيم إلى الحياة في اليوم الثالث، أعطانا رجاءً جديدًا بعالمٍ آتٍ يهرب فيه كلُّ حزنٍ وتنهُّد، ولا يعود الموت والخسارة موجودين فيه.
المُخلِّص الذي يعزّي
حين عرفتُ أن لِيلى ماتت في رحمي، غرقتُ في حزنٍ هدّد بأن يبتلعني. ولكن حين نظرتُ إلى يسوع، المّخلِّص الذي يهتمّ ويبكي وينتصر في عالم الخطيّة والألم والحزن، وجدتُ التعزية – تعزيتي الوحيدة في الحياة والموت. وحين وجّهتُ عينيّ نحوه، فقد "العالم بريقه في حضرة مجد الإله."
آه يا نفسي، هل أنتِ منزعجةٌ ومنهكة،
ولا نورَ ترينه في الظلمة؟
في النظر إلى المخلِّص نورٌ،
وفيه الحياةُ وافرةٌ ومجانيّة.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

