هل الله يهتمّ حقًّا؟

۱۱ سبتمبر ۲۰۲٦

هل الله يهتمّ حقًّا؟

۱۱ سبتمبر ۲۰۲٦

ما هو غضب الله؟

غضبُ الله هو استجابةُ إلهنا القدّوس والبارّ تجاه الخطيّة والخطاة اللذين لم يتغطَّوا بكفارة المسيح. ومع أنّ كثيرين لا يحبّون التفكير بأنّ الله يغضب، فإنّ الكتاب المُقدَّس يُشير بصورةٍ متكرِّرة إلى غضب الله على الشرّ وإظهاره هذا الغضب. يشهد العهدان القديم والجديد لحقيقة أنّ الله يُظهِر ويسكُب غضبه على الإثم (انظر تثنية 9: 8؛  2 ملوك 23: 26؛ مزمور 21: 9؛ 90: 11؛ إشعياء 13: 9؛ ميخا 5: 15؛ صفنيا 1: 18؛ يوحنا 3: 36؛ رومية 1: 18؛ أفسس 5: 6؛ رؤيا 16: 1). 

الغضب الإلهيّ وصفات الله 

يُظهِر الله غضبه ويسكبه على الإثم بسبب طبيعته هو. فالكتاب المُقدَّس يشهد بأنَّ الله بارّ وعادل (تثنية 32: 4؛ دانيال 9: 14؛ رومية 1: 17؛ رؤيا 15: 3). فلا يمكن أن يكون بارًّا وعادلًا إن لم يعاقب الشرّ وفاعليه. وهكذا، فإنَّ سكبَهُ غضبه على الخطيّة أمرٌ يتوافق بصورة تامّة مع طبيعته البارّة. ينبغي للخطاة أن يُحاسَبوا على جرائمهم، ولا يمكن أن يعفو الله عن مُذنبٍ من دون أن ينفِّذ عدالته ويسكب غضبه، وإلّا فإنّه يكون غير بارٍّ وغير عادل (خروج 34: 6-9). الله محبّة (1 يوحنا 4: 7-8)، وأحد الأمور التي يحبِّها هو البرّ (مزمور 33: 5). ولأنّ الله كامل، لا بدّ أنّ محبّته للبرّ كاملة؛ وهكذا، لا بدّ أنّه يُبغِض "طَرِيقَ الشِّرِّيرِ" (أمثال 15: 9؛ انظر أيضًا تثنية 32: 4). 

لا يستطيع الله أن يظهِر غضبه إلّا حين تكون هناك خطيّة، ولا يمكن أن تكون هناك خطيّة من دون وجود مخلوقاتٍ تخطئ. ولذا، لا يمكن أن يظهر الغضب الإلهي من دون خليقة وسقوط هذه الخليقة في الخطيّة. ولذا، صنَّف لاهوتيّون كثيرون الغضب على أنّه "صفةٌ إلهيّةٌ نسبيّةٌ" وليس "صفةً إلهيّةً مُطلَقةً." فالصفة الإلهيّة المُطلَقة صفةٌ لله واضحةٌ أو تُعاش حتّى لو لم يخلق الله أيَّ شيء. وتشمل الصفات الإلهيّة المُطلَقة صفاتٍ مثل السرمديّة والعلم الكلّيّ. فسواء خلق الله الكون أم لم يخلقه، فإنّه يكون سرمديًّا وكلّيَّ العلم. 

أمّا الصفات الإلهيّة النسبيّةُ فلا تظهر إلّا بوجود شيءٍ خارج الله ليكون الله في علاقةٍ معه. وكما أشرنا سابقًا، فإنّ الغضب صفة نسبيّة، لأنّه لو لم يُوجَد خطاةٌ لما كان هناك إظهارٌ للغضب الإلهيّ. ولكنّ هذا لا يعني أنَّ الغضب (أو أيّة صفة إلهيّة نسبيّة) شيءٌ يكتسبه الله بفعل عمل الخلق. فالله يستجيب للخطيّة بغضب بحُكم مَن هو في جوهره – صالح وبارّ. فيظهر الغضب الإلهيّ لأنّ الخليقة تغيَّرت، إذْ صارت خاطئة، وليس لأنّ اللهَ نفسَه تغيَّر. ويواجه الخطاة الغضب لأنّهم يقفون أمام الإله البارّ في جوهره وطبيعته، وليس لأنّ الربَّ اتّخذ صفّةً جديدةً في السقوط، إذْ لا يمكن أنَّ الله يتغيَّر (ملاخي 3: 6). 

اختبار غضب الله 

يوضِّح الكتاب المُقدَّس أنّ غضب الله مُرعِب. فكثيرًا ما يتكلَّم الكتاب المُقدَّس عن اشتعال غضب الله (خروج 32: 11؛ مراثي 4: 11)، بل إنّه يصف مكان غضب الله الأبديّ على الخطاة الذين لا يتركون خطاياهم ويتحوَّلوا إلى الله بأنّه "بحيرة النار" (رؤيا 20: 10). ويستعير يسوع من حديث إشعياء 66: 24 وينطلق منه في قوله إنّه في جهنّم "دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ" (مرقس 9: 42-49). وباستخدام هذا الوصف يصوِّر مُخلِّصنا دينونة الله باعتبارها اشتعال الخاطئ اشتعالًا تدميريًّا لا ينتهي أبدًا. ويتكلَّم الأنبياء والرسل عن الدمار العظيم في "يوم الربّ،" وهو تعبير يمكن أن يُشير إلى انسكاب دينونة الله في أوقاتٍ مُعيَّنة في التاريخ، وأيضًا إلى دينونته الأخيرة في نهاية الزمن (إشعياء 13: 6؛ حزقيال 30: 3؛ يوئيل 1: 15؛ 2 بطرس 3: 10). 

قد تكون الأوصاف المذكورة سابقًا هي التي تجعل كثيرين يفكِّرون بأنَّ غضب الله يتألَّف من إظهاراتِ دينونةٍ ناريّة هائلة. ولكنّ المهمّ هو أنّ إظهارات الدينونة هذه هي في الحقيقة ذروة الغضب الذي سُكِب قبل ذلك بمدّة طويلة. وتُشير نصوص كتابيّة، مثل روميّة 1: 18-32، إلى أنّ الله لا يسكب غضبه أو يُظهِره بصورة فوريّة، بل قد يستغرق هذا زمنًا. ويُخبِرنا الرسول بولس هنا إنّ غضب الله يتضمّن أنْ يسلِّم الناس لخطيّتهم وأن يسمح بأنْ يُمسَكوا بها عميقًا كما لو كانت شبكة صيد. وكثيرًا ما يسمح الله للخطاة بأن يمارسوا الخطيّة التي يرغبون بها قبل أن يسحقَ هذه الخطيّة في دينونة ناريّة شديدة. فالله سيسلِّم في غضبِهِ غيرَ التائبِين لخطاياهم. 

رجاء لمَن هم تحتَ غضب الله 

هناك يومُ غضبٍ أخير آتٍ على الخطاة. ونحنُ شاكرون وممتنّون لله لأنّه رحيم، وقد أعطانا ابنه يسوع المسيح ليخلِّصنا من الغضب الآتي (1 تسالونيكي 1: 10). يسوع المسيح هو الله الابن، الذي تجسَّد ليحمل عقاب إلهنا العادل للخطيّة. في يسوع المسيح يسكب الله غضبه، حاملًا إياه في جسده. وبذلك، يُظهِر الله أنّه عادل، لأنّ الخطيّة عُوقِبت في المسيح، وهو ممتلئ بالرحمة، لأنّ كفّارة المسيح تعني أنّه يستطيع الآن أن يكون صفوحًا أو مُحسِنًا للخطاة الذين يتركون خطاياهم ويثقون بيسوع المسيح (رومية 3: 21-31). يُسَرُّ الله بأن يُظهِر المحبّة والرحمة (ميخا 7: 18)، ولذا فإنَّ كلَّ الذين يثقون بيسوع المسيح وحده لأجل خلاصهم سيُخلصون إلى التمام من غضب الله الأبديّ (عبرانيّين 7: 25). 


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

روبرت روثويل

روبرت روثويل

روبرت روثويل هو محرِّر مساعد في مجلة تيبولتوك، وأستاذ زائر بكليَّة الإصلاح للكتاب المُقدَّس، وهو خريج كليَّة اللاهوت المُصلَحة في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا.