ما سبب أهمّيّة علم الخلاص في الفكر المُصلَح

۲٤ يوليو ۲۰۲٦

ما سبب أهمّيّة علم الخلاص في الفكر المُصلَح

۲٤ يوليو ۲۰۲٦

المسألة الجدليّة الأولى: أغسطينوس في مواجهة بيلاچيوس

كان أبرزُ جدلٍ في الكنيسة الأولى يتعلّق بعقيدةِ الخلاص هو الجدلُ البيلاچيّ. وقد شكَّلتْ نتيجةُ هذا النزاع الذي حدث في القرن الخامس كلَّ مجادَلةٍ لاحقةٍ بشأن هذا الموضوع حتّى القرن السادس عشر، حين اندلعت الجدالاتُ اللاهوتيّة المتعلّقة بعلم الخلاص في حركة الإصلاح. فعلى أحدِ جانبَي الجدل البيلاچيّ نجدُ أشخاصًا مثل بيلاچيوس وكايليستيوس (Caelestius) وچوليان الإكلانوميّ (Julian of Eclanum)، وعلى الجانبِ المقابلِ نجد أشخاصًا مثل أغسطينوس وچيروم. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ في هذا الجدل اتّخذ چون كاسيان موقفًا عُرِف منذ ذلك الحين باسم شبه البيلاچيّة؛ غيرَ أنّنا، لأغراضِ دراستنا، سنركّز على أهمّ التعاليم التي نادتْ بها الشخصيّاتُ الرئيسيّةُ الأصليّة. 

مَن هو بيلاچيوس؟

كان بيلاچيوس راهبًا بريطانيًّا، وفهم بعض الشيءِ عن حركة الرهبنة ضروريّ لفهم سياق الجدل البيلاچيّ. في القرن الثالث الميلاديّ، بدأت حركةُ الزهد المسيحيّ التي تجلّت في تطوير الرهبنة. فقد تبنّى الرهبان، سواء بصورة فرديّة أو جماعيّة، أساليب حياةٍ زاهديّة صارمة كانت تهدف إلى مساعدتهم في تحقيق الخلاص. كانت حركة الزهد هذه تتضمّن كلَّ أنماط الممارَسات التي كان القصد منها مساعدة الراهب على تهذيب نفسه وضبطها في مواجهة الرغبات الجسديّة من أجل أن يصل إلى الاتّحاد بالله. 

لم يرفض أغسطينوس الممارسات الرهبانيّة رفضًا تامًّا، ولكنْ في الكتاب 10 من كتابه الشهير "الاعترافات"، كتب صلاته الشهيرة: "أعطِ ما تأمر به، ومُرْ بما تشاء." وكان هذا طلبًا من أغسطينوس بأن يمنحه الله القدرة على أن تنفيذ وصاياه. أما بيلاچيوس، فكان يرى أنّ مثل هذه الصلاة تقوِّض كامل أسلوب الحياة الرهبانيّة الذي يتسم بالانضباط الذاتي الشديد، لأنها تعطي الرهبان الكسالى عذرًا لعدم إطاعتهم وصايا الله، فيقولون: "إنها غلطة الله. فهو لم يمنحني النعمة لتمكِّنني مِن أن أطيعه." ولذلك، رفض بيلاچيوس رأي أغسطينوس. 

رفض بيلاچيوس لعقيدةَ الخطيّة الأصليّة 

من أجل فهم أصل مسألة الجدل، ضروريٌّ أن تفهم بعض التعاليم الأساسيّة لبيلاچيوس (وكايليستيوس). النقطة الأولى، والأهمّ، هنا هي أن بيلاچيوس رفض أيَّ مفهومٍ للخطيّة الأصليّة. فقد خاض في جدلٍ طويل مع المانويّين، الذين كانوا ينادون بأنّ البشر أشرارٌ في طبيعتهم، لأنّ لهم أجسادًا مادّيّةً. وردًّا عليهم، قال بيلاچيوس إنّ البشر صالحون بطبيعتهم لأنّ الله خلقهم. 

وحين سمع بيلاچيوس معلِّمين، مثل أغسطينوس، يقولون إنّ البشر خُلِقوا صالحين، ولكنهم فسدوا نتيجة سقوط آدم، ظنّ أنّ هذا شديد الشبه بما علّمه المانويّون. وردًّا على هذا التعليم، قال بيلاچيوس إنّ خطيّة آدم أثَّرتْ بآدم وحده. فحاجَّ بأنّنا نخطئ من خلال محاكاة آدم، ولكنّنا لا نخطئ لأنَّ طبيعتنا فاسدة. فإذْ نحنُ أولاد آدم، فإنّنا نكتسب عادة صنع الخطية عن طريق المحاكاة، مثلما يكتسب الأولاد العادات وأنماط الكلام من والدِيهم. ومع مرور الزمن، تصير عادةُ الخطيّة راسخةً ومتأصّلةً فينا، مثل اللّهجة التي نتكلّم بها. 

نظرة بيلاچيوس الفريدة إلى النعمة 

ينكر بيلاچيوس أنّ نظرته تلغي أي مكان لنعمة الله في الخلاص، ولكنّ نظرته إلى النعمة صعبة الفهم، لأنّها تختلف عن أيّة عقيدة للنعمة نادى بها أحدٌ، سواء كان كاثوليكيًّا أو بروتستانتيًّا. 

فأوّلًا، بحسب بيلاچيوس، هبة الإعلان الوارد في الكتاب المُقدَّس إنّما هي هبة من نعمة الله. فلم يكن الله مُضطرًا لأن يعطينا شريعته. ثانيًا، هبة يسوع هبةٌ من نعمة الله. ففي يسوع لدينا آدم جديد لنقتدي به. فإن اقتدينا بيسوع فإنّنا سننمّي بصورة تدريجيّة عادةً جديدة هي عادة الطاعة. ولأنّ يسوع المسيح كان بلا خطيّة، فنحنُ أيضًا يمكننا، إذا اخترنا الصواب، أن نبلغ حالة اللاخطيّة. ثالثًا، والأهمّ مما سبق، طبيعتنا البشرية نفسها هي هبة من نعمة الله، فنحنُ لم نطلب أن نُخلَق. وجزءٌ من طبيعتنا هو قدرتنا على أن نختار إمّا الخير أو الشرّ. وهذه القدرة هي هبةٌ من الله لم نكتسبها أو نستحقّها. وبكلمات أخرى، أعطانا الله بنعمته الإرادة الحرّة التي بها نستطيع اختيار أن نقتدي بيسوع المسيح بدل أن نقتدي بآدم. ولذا، حتّى بيلاچيوس كان يستطيع أن يدّعي أنّه يؤمن بأنّ الخلاص هو بالنّعمة. 

ردّ أغسطينوس 

ردَّ أغسطينوس بالإشارة إلى أنّ بيلاچيوس فشل تمامًا في فهم طبيعة مشكلة البشر، ونتيجة لذلك، فشل تمامًا في فهم الحلّ. فبِرفض بيلاچيوس الخطيّة الأصليّة وفساد الطبيعة البشريّة، اللذين نتجا عن سقوط آدم، ابتكر عقيدةً في النعمة ليستْ نعمةً على الإطلاق. وأكّد أغسطينوس أنّ هناك فرقًا هائلًا بين الطبيعة البشريّة قبل سقوط آدم والطبيعة البشريّة بعد سقوطه. كما أصرّ على أنَّ طبيعة آدم الفاسدة انتقلت وتنتقل إلى نسله. وبالنسبة إلى أغسطينوس، النعمة هبةٌ تُمنَح للخطاة الذين لا يستحقّونها. 

وضروريٌّ أيضًا أن نفهم أنَّ أغسطينوس قد بدأ في تطوير عقيدة النعمة بطرقٍ ساهمت لاحقًا في تطوير نظام الأسرار الكنسيّة في العصور الوسطى، والذي كان جزءًا من عقيدة الخلاص، وهو ما تتّصف به الكنيسة الكاثوليكيّة اليوم. ولكنْ لأجل مقاصدنا في هذا المقال، نركِّز على الجدل البيلاچيّ، الذي كانت نقطته الأساسيّة التأكيد على الحقّ الكتابيّ الذي يعلّم عقيدة الخطيّة الأصليّة. وقد عُبِّر عن هذا الحقّ بوضوح وتفصيل في بنود "مجمع أورانچ" (عام 529). فإنْ لم تُشخَّص المشكلة بدقّة، فلا تكون هناك إمكانيّة لتقديم فهمٍ صحيح للحلّ (عقيدة الخلاص).  

وسننظر في المقال التالي إلى خطأ كنيسة روما في صياغتها لعقيدة الخلاص، حتى مع قبولها لعقيدة الخطيّة الأصليّة، وذلك نتيجة إساءة فهمها لناحيةٍ أخرى في مشكلة الإنسان.


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

كيث ماثيسون

كيث ماثيسون

الدكتور كيث ماثيسون هو أستاذ علم اللاهوت النظامي في كليَّة الإصلاح للكتاب المقدس (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وهو مُؤلِّف للعديد من الكتب، بما في ذلك "العشاء الرباني: إجابات على الأسئلة الشائعة" (The Lord’s Supper: Answers to Common Questions).