المسألة الجدليّة الأولى: أغسطينوس في مواجهة بيلاچيوس

۳۱ يوليو ۲۰۲٦

المسألة الجدليّة الأولى: أغسطينوس في مواجهة بيلاچيوس

۳۱ يوليو ۲۰۲٦

تحدّيات معاصرة تواجه عقيدة الخلاص المسيحيّة

وصل سنودس دورت إلى قرارات رسميّة بشأن الجدل الأرمينيّ داخل الكنائس المُصلَحة الهولندية، ولكنّ الأرمينيّة نفسها لم تختفِ من الوجود، ولا توقَّفتْ عن إثارة تحدّيّاتٍ لعقيدة الخلاص المسيحيّة، وهي مستمرة في ذلك إلى يومنا هذا. ولكنّ الأرمينيّة ليست التحدّيّ المعاصر البارز الوحيد. وفي هذا المقال، سننظر باختصار إلى خمسة تحدّيّات أخرى معاصرة تواجه عقيدة الخلاص المسيحيّة. 

1. تعديلات في عقيدة التبرير 

من بين التحدّيّات الأبرز التي تواجهها عقيدة الخلاص المسيحيّة هي التعديلات في عقيدة التبرير. فمثلًا، بناءً على فهمٍ مُراجَع ومُعدَّل ليهوديّة القرن الميلاديّ الأول، توصَّل المنادون بالمنظور الجديد إلى بولس (New Perspective on Paul)، كما يُشير اسمهم، إلى فهمٍ جديد لتعليم بولس عن الخلاص. فيفهم إن. تي. رايت (N. T. Wright)، مثلًا، كلمة "تبرير" بمعنى إعلان الله بأنّ شخصًا ما هو جزءٌ من شعب الله. ولكنْ هناك عملًا حاضرًا وعملًا مستقبليًّا في التبرير. وتبريرنا المستقبلي مبنيٌّ على أمانتنا للعهد.

كما مثَّل المنادون بـ"الرؤية الفيدراليّة" (Federal Vision) تحديًّا لعقيدة الخلاص المسيحيّة من خلال التعديلات التي أدخلوها على عقيدة التبرير. يمكن تتبُّع الكثير من تعليمهم إلى نورمان شيبرد (Norman Shepherd)، الذي كان أستاذًا في "كلّيّة وستمِنستر للّاهوت" (Westminster Theological Seminary)، وقد عرَّف الإيمان بأنّه الأمانة. وبهذا، أدخل قدرًا من أعمالنا ضمن أساس التبرير. وقد أدمج المنادون بالرؤية الفيدراليّة، كلّ واحدٍ بطريقته، عناصر من تعليم شيبرد مع عناصر من "المنظور الجديد إلى بولس،" فنتج عن هذا تقويض بشارة الإنجيل الكتابيّة. ولكنْ نشكر الله أنّ كلّ الطوائف المُصلَحة رفضت بصورة رسميّة كلّ هذه العقائد الزائفة. 

2. تعديلات في عقيدة الله 

قد لا تظهر تأثيرات التعديلات والمُراجَعات في عقيدة الله فورًا على عقيدة الخلاص بالوضوح الذي تظهر فيها تأثيرات التعديلات في عقيدة التبرير، ولكنّها مهمّة بالقدر ذاته. فلأنّ كلَّ عقيدة كتابية مرتبطة بعقيدة الله، فإنّه حين تخضع عقيدة الله للمراجعة والتعديل تتأثّر كلّ العقائد الأخرى. لم تعد هذه المراجَعات والتعديلات تحدث وسط اللاهوتيّين الليبراليّين فقط، إذ ثمّة لاهوتيّون، يُعلِنون أنّهم إنجيليّون ومُصلَحون، منخرطون في مراجعة عقيدة الله. يصف بعض هؤلاء الله بكونه شريكًا في مسار الزمن، ومتفاعلًا ومتكيِّفًا مع الأحداث أثناء حدوثها، فيغيِّر إرادته ومشاعره ومقاصده من لحظةٍ إلى أخرى. وبحسب هذا الرأي، لا يُصوَّر الله باعتباره مستجيبًا لفهمنا فقط، بل هو أيضًا وفي الحقيقة معرَّض لتغيير حقيقيّ. 

وباختصار، يرى هؤلاء أنَّ الله قابل للتغيُّر مثل خلائقه. التحدّي الذي تخلقه هذه المراجَعة أمام عقيدة الخلاص المسيحيّة واضحٌ. فإنْ كان الله قابلًا للتغيُّر، فإنّ إرادته بشأن خلاصنا قابلةٌ للتغيُّر. وبهذا لا يعود هناك أساسٌ ثابتٌ ومستقرٌّ حقًا نبني عليه رجاءنا. فقد وعد الله بأنّ يخلِّص كلَّ الذين يثقون بيسوع المسيح، لكنْ إن كان الله يغيِّر رأيَه، فكيف لنا أن نتأكّد من أنّه لن يغيِّر رأيه بشأن هذا الوعد؟ كيف لنا أن نتأكّد من أنّ محبّته لنا لن تتغيَّر؟ 

3. تعديلات في عقيدة المسيح 

كما هو الحال في تعديلات عقيدة الله، فإنّ التعديلات في عقيدة المسيح تنطوي على تحدٍّ جادٍّ وخطير بالنسبة إلى عقيدة الخلاص المسيحيّة. ينبغي أن يكون تأثير هذه التعديلات واضحًا، لأنّ شخص يسوع المسيح وعمله هما مركز بشارة الإنجيل (انظر 1كورنثوس 15: 3-8). فإنْ غيَّرنا فهمنا بشأن مَن هو يسوع المسيح، فإن فهمنا لما عمله حتمًا سيتغيَّر أيضًا. 

يظهر أحد أبرز التعديلات والمراجَعات المعاصرة في عقيدة المسيح في العقيدة التي يُشار إليها بصورة شائعة باسم "الخضوع الأزلي للابن." بحسب هذا الرأي، الابن خاضع لسلطة الآب أزليًا، فلم يخضع له في مرحلة تجسُّده فقط، بل في طبيعته الإلهيّة السرمديّة. يمثِّل هذا التعليم تحديًّا مباشرًا للعقيدة السليمة عن المسيح وعقيدة الثالوث الكتابيّة. فمع أنّ المنادين بهذا التعليم يدّعون أنّهم متمسّكون بقانون الإيمان النيقاويّ وتعليم أشخاصٍ مثل أثناسيوس، فإن القراءة المباشرة للجدالات اللاهوتيّة عن الثالوث في القرن الرابع تُظهِر أنَّ هذه الأفكار لم تكن موجودة في كتابات اللاهوتيّين المتمسّكين بعقيدة الثالوث النيقاويّة، بل في حجج الآريوسيّين وشبه الآريوسيّين، وهي مجموعات رفضتْ قانون الإيمان والموقف الأرثوذكسيّ السليم الذي قدّمه. 

4. التعدُّديّة الدينيّة 

يمكن فهم التعدديّة الدينيّة إمّا فهمًا وصفيًّا وإمّا فهمًا معياريًّا. فمن الناحية الوصفيّة، يصحّ القول إنّ ثمّة عددًا كبيرًا من الأديان المختلفة، التي تتبنّى آراء مختلفة ومتنازعة حول الله والخلاص. ولكنْ البعض ينتقل من هذا الوصف إلى القول إنّ كلّ الأديان وكلّ الادّعاءات الدينية مشروعة وصحيحة بالقدر نفسه، ويحثُّون على تبنّي هذا الموقف. وهذه الرؤية المعياريّة تمثّل تحدّيًا لعقيدة الخلاص المسيحيّة، لأنها تتناقض بصورة مباشرة مع حقيقة حصريّة الادّعاء المسيحيّ بأنّ يسوع المسيح هو الطريق الوحيد للخلاص. 

ومنذ السقوط ظهرت أديانٌ كاذبة ومنحرفة كثيرة. وتواجه المسيحيّة هذه الأديان الكاذبة والمنحرفة بأقوال يسوع التي تحصر الخلاص فيه. وينبغي ألا يخون المؤمنون ربّهم بقولهم إنّ كلّ هذه الأديان الكاذبة والمنحرفة ليست سوى طرق مختلفة تقود إلى الإله نفسه. 

5. إحياء الشموليّة الخلاصيّة

تنادي الشموليّة فكرةٌ بأنّ جميع البشر (ويُضيف البعض كلّ الكائنات الملائكيّة أيضًا) سيخلصون. ظهرت الشموليّة الخلاصيّة بأشكالٍ متعدِّدة عبر تاريخ الكنيسة، لكنها شهدت في الآونة الأخيرة تجدّدًا ملحوظًا في رواجها وزيادة في شعبيّتها. ويكمن التحدّي الذي تقدِّمه الشموليّة لعقيدة الخلاص المسيحيّة التقليديّة في أنّه إذا كان الجميع سيُخلَّصون في النهاية على أيّ حال، فإنّ الدافع إلى الكرازة بالإنجيل يَضعف إلى حدٍّ كبير. يقدِّم الكتاب المُقدَّس تعليمًا كثيرًا عن حقيقة جهنّم وكون يسوع المسيح هو الطريق الوحيد والحصريّ للخلاص، ولذا بالاستناد إلى الكتاب المُقدَّس، لا يمكن قبول "إنجيل" الشموليّين. ومن ثمّ، يرى كثيرون أنّ هذه الرؤية لا تعدو كونها رجاءً متمنّى أكثر من كونها تعليمًا كتابيًّا راسخًا.


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

كيث ماثيسون

كيث ماثيسون

الدكتور كيث ماثيسون هو أستاذ علم اللاهوت النظامي في كليَّة الإصلاح للكتاب المقدس (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وهو مُؤلِّف للعديد من الكتب، بما في ذلك "العشاء الرباني: إجابات على الأسئلة الشائعة" (The Lord’s Supper: Answers to Common Questions).