
تحدّيات معاصرة تواجه عقيدة الخلاص المسيحيّة
۷ أغسطس ۲۰۲٦
إصلاح عقيدة الخلاص في القرن السادس عشر
۲۱ أغسطس ۲۰۲٦عقيدة الخلاص الكاثوليكيّة المرتبطة بالأسرار الكنسيّة
حُلَّت مسألة الجدل البيلاچيّ بصورة رسميّة لصالح أغسطينوس في عدّة مجامع كنسيّة في القرنين الخامس والسادس. وقد أُعلِن بوضوح أن خطيّة آدم أثّرتْ على كلّ نسله، وأنّ الخلاص هو بنعمة الله وحدها. أُدينت البيلاچيّة وشبه البيلاچيّة. وللأسف، كانت هناك تيّارات فكريّة في الكنيسة دفعت الكنيسة في النهاية في الاتجاه شبه البيلاچيّ، على الرغم من الإعلانات الرسميّة الذي أصدرتْها الكنيسة.
فمثلًا، نظرت الأفلاطونيّة الجديدة إلى الخلاص البشريّ بمعنى صعود النفس إلى الله من خلال ممارسات زاهديّة مختلفة. وقد انتشرت وانغرست هذه الأفكار وسط الجماعات الرهبانيّة المسيحيّة، التي كان لها تأثير لاهوتيّ عظيم وعميق على تطوُّر العقيدة. وقد وُجِدت هذه الأفكار أيضًا في كتابات لاهوتيّين ذوي تأثير عظيم وهائل، مثل أغسطينوس وكتابات ديونيسيوس المنحولة.
و بحلول عصر الإصلاح، كانت مكاسبُ كثيرةٌ تحقَّقت في محاربة البيلاچيّة قد فُقِدت. فقد صارَ نظامٌ دينيٌّ يتألَّفُ من الأسرار الكنسيّة، اعتمد على الاستحقاقات الفرديّة أكثر من اعتماده على نعمة الله، هو النظامَ الفكريَّ السائدَ بشأن عقيدةِ الخلاص.
وفَهْمُ عقيدة الخلاص الكاثوليكيّة أمرٌ مهمّ. ولا يمكن فهم عقيدة الخلاص المُصلَحة من دون فهم النظام اللاهوتيّ الذي خرجت منه وتردّ عليه.
من أجل فهم عقيدة الخلاص الكاثوليكيّة، ضروريّ أن نسافر في الزمن رجوعًا إلى آدم. بحسب اللاهوت الكاثوليكيّ، خُلِق آدم صالحًا، وكان يملك إمكانيّة الوصول إلى الأهداف الطبيعيّة التي عُيِّنت له، ولكنّ آدم لم يكن قادرًا بطبيعته أن يصل إلى هدفه الأخرويّ النهائيّ والأسمى، الذي هو الرؤيّة السعيدة لله. ومن أجل الوصول إلى ذلك الهدف، كان ينبغي أن يُرفَع آدم من النظام الطبيعيّ للوجود إلى النظام فوق الطبيعي للوجود. كان ينبغي أن يُعطى القدرة على أن يستخدم عقله ليسيطر على رغباته الأثيمة. وقد عُمِل هذا بأنْ أعطى الله آدمَ هبة النعمة المُقدِّسة التي تسمو على طبيعته البشريّة وتتجاوزها. وهي بهذا هبةٌ "مُضافة إلى ما مُنِح" (donum superadditum؛ أي أنّها هبةٌ من الله أُضيفت إلى ما كان لدى آدم من هبات من الله في خلقه). رفعت هذه القدرة طبيعة آدم البشريّة، ووحّدته بالله، وجعلته قادرًا على أن يستحقّ هدفه الأخرويّ الأسمى.
وعندما أخطأ آدم، سقط من الحالة فوق الطبيعيّة في الوجود. وقد نتج عن السقوط فقدان هبة النعمة المُضافة، ولكنّ هذا لم يؤدِّ إلى تدمير طبيعته الإنسانية. وخلال فترة القرون الوسطى، كان هناك اختلاف في الآراء حول مدى الضرر الذي حدث لطبيعة آدم البشريّة، خاصّة مَلَكَتَي العقل والإرادة. قال البعض إنّ طبيعة آدم البشريّة لم تتضرر على الإطلاق، وأن آدم ببساطة عادَ إلى الحالة التي خُلِق عليها قبل أن تُعطى لها هبة النعمة. وحاجّ آخرون بأنَّ طبيعته جُرِحت. وفي الحالتين، يُولَد نسل آدم في هذه الحالة الساقطة.
في اللاهوت، ما يراه الدارس المشكلةَ هو ما يحدِّد طبيعة الحلّ. ولذا، فإنّ فهم الإنسان لعقيدة الخلاص يعتمد بدرجةٍ كبيرة على فهمه لعقيدة الخلق والخطيّة ونتائج السقوط. وإذا رأى الكاثوليك في القرون الوسطى أنّ مشكلة الإنسان هي فقدانه هبة النعمة المُقدِّسة، فقد رأوا أنَّ الخلاص هو استعادة هذه الهبة. ولذا، فإنّ الخلاص في النظام اللاهوتيّ الكاثوليكيّ يشمل إعادة رفع البشر الساقطين إلى النظام فوق الطبيعيّ للوجود. وكيف يتحقَّق هذا الأمر؟ إنّه يحدث من خلال أسرار الكنيسة الكاثوليكيّة. وبكلماتٍ أخرى، العقيدة الكاثوليكيّة في الكنيسة والأسرار هي العقيدة الكاثوليكيّة في الخلاص. ولذا، كان ينبغي أن أُشير إليها بنظام الخلاص المرتبط بالأسرار الكنسيّة (ممارسة الأسرار هي التي تُعيد الإنسان إلى حالة النعمة التي فُقِدت في السقوط).
في النظام الكاثوليكيّ، المعموديّة هي السرّ الذي يرفع ابنَ آدم إلى الوضع فوق الطبيعيّ للوجود، وهو الوضع الذي سقط آدم منه. إنّها توحِّد ذلك الإنسان بالله، وتطهِّره من كلّ خطيّة. فبالمعموديّة تُزرَع هبة النعمة المُقدِّسة في النفس، ويُصيَّر المتعمِّد بارًّا. تُعرَف هذه النعمة المُقدِّسة أيضًا باسم النعمة "المبرِّرة." ولهذا السبب، تُفهَم المعموديّة بأنّها وسيلة التبرير في نظام الخلاص في الكنيسة الكاثوليكيّة.
وبعد المعموديّة، يُمنَح المؤمن الجديد سرّ التثبيت، الذي يزيد ويعزِّز النعمة المُقدِّسة. ويزيد المؤمن نعمتَه المُقدِّسة ويعزِّزها بالاشتراك في سرّ الإفخارستيا. وطالما كان المؤمن في حالة التقديس أو التبرير المرتفعة هذه، فإنّه يستطيع أن يقوم بالأعمال الصالحة الضروريّة ليستحقّ الخلاص في النهاية. وإن مات المؤمن في حالة النعمة هذه، فإنّ أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن يقضي بعض الوقت في المَطهَر قبل أن ينتقل إلى السماء.
ولكن إنْ حدث أن ارتكب المؤمن خطيّة مميتة (وهي الخطيّة التي تُعتبَر تعديًّا بشعًا جدًّا)، فإنّ ذلك المؤمن يسقط من حالة النعمة. وإن مات إنسان خارج حالة النعمة، فإنّه لا يذهب إلى المطهر، بل إلى جهنَّم. فينبغي أن يُعاد الإنسان إلى حالة الارتفاع في النعمة من أجل أن يكون لديه أملٌ بالخلاص. فهل ينبغي تعميد هذا الإنسان ثانيةً؟ كلّا، فلا يجوز أن يتعمّد الإنسان إلا مرّة واحدة. فهل لا رجاء للخاطئ؟ كلّا، بل هناك رجاء، لأنّ لدى الكنيسة سرًّا آخر وُجِد لأجل هذا الهدف. فعلى الخاطئ الذي سقط من حالة النعمة أن يذهب إلى الكنيسة ويُمنَح سرّ التوبة والاعتراف. وبفعل هذا السرّ يُرفَع الخاطئ إلى حالة التبرير، التي يمكنه فيها أن يمارس الأعمال الضروريّة ليستحقّ الخلاص الأخرويّ.
بحلول عصر الإصلاح، كان هذا النظام لعقيدة الخلاص المرتبط بالأسرار الكنسيّة هو الذي يسود الكنيسة الغربيّة. فقد أُجبِر المسيحيّون على أن يعيشوا في حالةٍ من عدم اليقين الروحيّ، غير قادرين على أن ينعموا بأيّ يقين أو تأكيد بأنّهم في حالة النعمة. ولأنّ المرء يستطيع أن يذهب إلى السماء إن مات في حالة النعمة فقط، فقد كان الحِمل الموضوع على كاهل حياة الناس الروحيّة عظيمًا. وسننظر في مقالنا التالي إلى اكتشاف المُصلِحين العظيم الذي مكّنهم ثانيةً من أن يأتوا بالخبر السارّ إلى شعوب أوروبا.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

