
عقيدة الخلاص الكاثوليكيّة المرتبطة بالأسرار الكنسيّة
۱٤ أغسطس ۲۰۲٦إصلاح عقيدة الخلاص في القرن السادس عشر
لم تحدث إعادة اكتشاف عقيدة الخلاص الكتابيّة في القرن السادس عشر دفعةً واحدةً. ففي البداية، أعاد المُصلِحون الأوائل اكتشاف المعنى الكتابيّ للكلمة "تبرير." فقد أدركوا أنّها تعني "إعلان الإنسان بارًّا،" وليس "جعل الإنسان بارًّا." وقد قادهم هذا إلى إدراك أنّ وسيلة الحصول على التبرير ليست المعمودية، بل الإيمان وحده. وبكلماتٍ أخرى، أوّل أمرٍ أعاد المُصلِحون اكتشافه هو أنّ الكنيسة في القرون الوسطى المتأخّرة شوّهت فَهْمَ حلّ مشكلة الإنسان العظيمة.
وعبر الزمن، درس المُصلِحون نصّ الكتاب المُقدَّس، وقابلوا بين تعليمه وتعليم الكنيسة الكاثوليكيّة، واستطاعوا أن يكتشفوا أنّه كان لدى الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فهمٌ خاطئ ومنحرف للمشكلة. وقد صِيغت عقيدة الخلاص الكاثوليكيّة (الحلّ) بما فيها من محتوى بفعل ما كان لدى الكنيسة الكاثوليكيّة من فهمٍ لنتيجة خطيّة آدم (المشكلة). وكما رأينا في المقال السابق، فقد علَّمت الكنيسة الكاثوليكيّة أنّه حين سقط آدم في الخطيّة، فقد هبة نعمة التقديس/ التبرير المُضافة. وبحسب هذا الفهم، كان آدم وذريته في احتياج إلى استعادة تلك النعمة من أجل أن يُرفَعوا ثانيةً إلى الوضع فوق الطبيعيّ للوجود. وبحسب منظورهم، لا يتحقَّق هذا إلا بأسرار الكنيسة الكاثوليكيّة.
بدراسة المُصلِحين للكتاب المُقدَّس، أدركوا أنّ عقيدة الكنيسة الكاثوليكيّة لسقوط الإنسان لم تكن مُنصِفة لنصّ الكتاب المُقدَّس. وقد أدركوا أنّ سقوط الإنسان لم يقتصر على فقدانه هبة النعمة المُضافة مع شيءٍ من الضرَر أو لا ضرر في طبيعة الإنسان. وقد عبَّر إقرار إيمان وستمِنستر عمّا حدث في السقوط، فقال إنّ في سقوط آدم وحواء:
سقطا من برّهما الأصليّ، ومن شركتهما مع الله، فصارا ميّتين بالخطيّة، ونجسَين كلّيًّا في جميع أجزاء وملَكات النفس والجسد. (إقرار إيمان وستمنستر 6: 2)
ضروريّ أن نلاحظ ثانيةً أنّ ما يعتقد الشخص أنّه المشكلة هو ما يحدِّد طريقة فهمه للحلّ (عقيدة الخلاص). فعقيدة الخلاص البيلاچيّة مبنيّة على الفهم البيلاچيّ للمشكلة. وعقيدة الخلاص الكاثوليكيّة مبنيّة على فهمها للمشكلة. فخلاص إنسان ميت أمرٌ يتطلَّب وسيلة مختلفة تمامًا عمّا يتطلّبه خلاص إنسان مجروح.
شرحَتْ الكنائس المُصلَحة حلّ الله لمشكلة الإنسان في إطار العهد الذي صنعه الله مع الإنسان. ويُقدِّم إقرار إيمان وستمِنستر أوضح بيان لعقيدة الخلاص الكتابيّة هذه. وما يرِد تاليًا مأخوذٌ في معظمة من إقرار الإيمان هذا. ونشجِّع القرّاء على أن يجدوا نسخةً لهذا الإقرار تحتوي على شواهد النصوص الكتابيّة، ويدرسوه بحرص مع تفحُّص كلّ شاهدٍ كتابي.
كما يوضِّح إقرار إيمان وستمنستر، فإنّ الله صنع مع آدم عهدًا قبل السقوط، وبحسبه "وُعِدت الحياة لآدم، ولذريّته فيه، بناءً على شرط الطاعة الكاملة والشخصيّة" (إقرار إيمان وستمنستر 7: 2). والأمر اللافت للنظر، أنّه بخلاف ما نادت به الكنيسة الكاثوليكيّة، كان لدى آدم القوة والقدرة على أن يطيع الشريعة قبل السقوط (إقرار إيمان وستمنستر 4: 2؛ 19: 1). وعلاوةً على ذلك، كانت البرُّ الأصليّ جزءًا من طبيعته، إذْ خُلِق على صورة الله (إقرار إيمان وستمنستر 4: 2؛ 6: 2). ولم يكن هذا هبةً أُضيفت إلى طبيعته، كما علَّمت الكنيسة الكاثوليكيّة.
بسبب السقوط لم يعُد الإنسان قادرًا على أن يطيع الشريعة بصورة تامّة، وبالتالي لم يعد قادرً على أن يفي بشروط العهد الأوّل. ولهذا:
سُرَّ الربُّ أن يعمل عهدًا ثانيًا، يُسمَّى عادةً عهد النعمة؛ حيث أنّه يهب الحياة والخلاص بواسطة يسوع المسيح مجّانًا للخطاة؛ طالبًا منهم الإيمان به، لكي يخلصوا، وواعدًا أن يمنح روحه القدّوس لجميع المُعيَّنين للحياة الأبديّة، ليجعلهم مستعدّين وقادرين أن يؤمنوا. (إقرار إيمان وستمنستر 7: 3)
عُيِّن الابن الوحيد، يسوع المسيح، من الأزل وسيطًا بين الله والبشر (إقرار إيمان وستمنستر 8: 1). فقد عُيِّن ليخلِّص شعبه، الذين اختارهم الله، بنعمته الحرّة ومحبّته السخيّة، "قبلما وُضِع أساس العالم، بمقتضى قصده الأزليّ والثابت، والمشورة السرّيّة والمسرّة الصالحة لإرادته" (إقرار إيمان وستمنستر 3: 5).
والربُّ يسوع المسيح، بطاعته الكاملة وذبيحة نفسه التي قدّمها، بالروح القدس، مرّةً واحدةً لله، وفّى بمطالب عدالة أبيه السماوي، واقتنى لا المصالَحة فقط، بل أيضًا ميراثًا أبديًّا في ملكوت السماوات لكلّ الذين أعطاهم الآب له. (إقرار إيمان وستمنستر 8: 5).
والمسيح يطبِّق الفداء لكلّ المختارين عبر التاريخ (إقرار إيمان وستمنستر 8: 8).
ولأنّ الإنسان الساقط ليس مجروحًا أو مريضًا فقط، بل هو في حالة الخطيّة والموت، فهو عاجز عن القيام بأيّ شيء ليحصل بنفسه على الفداء الذي صنعه المسيح. ولذا، يدعو الله المختارين من الموت دعوةً فعّالة، مثلما دعا يسوع المسيح لعازر من القبر. فيجدِّدهم (يلدهم ولادةً ثانيةً)، ويهبهم حياةً أبديّة، ويجذبهم إلى يسوع المسيح (إقرار إيمان وستمنستر 10: 1). والذين يدعوهم الله يبرِّرهم مجّانًا. إنّهم مُبرَّرون، أي يُعلَنون أبرارًا، لا بسبب أيّة أعمالٍ عملوها، بل بسبب برّه المحسوب لهم، الذي ينالونه بالإيمان فقط (إقرار إيمان وستمنستر 11: 1؛ 14: 2). والذين دُعوا دعوةً فاعلةً وبُرِّروا يُقدَّسون أيضًا طوال حياتهم.
دُمِّرتْ سيادة كلّ جسد الخطيّة، ولذا فإنّ الشهوات العديدة الموجودة تضعف وتُمات شيئًا فشيئًا، وتُحيا وتُقوَّى أكثر فأكثر بكلّ النِّعَم الخلاصيّة، من أجل عيش القداسة الحقيقيّة، التي من دونها لن يرى أحدٌ الربّ. (إقرار إيمان وستمنستر 13: 1؛ وانظر أيضًا 16: 1-17).
وبخلاف الكنيسة الكاثوليكيّة، علَّمت الكنائس المُصلَحة وتعلِّم أنّ:
الذين قبلهم الله في محبوبه، ودعاهم بشكلٍ فعّال، وقدّسهم بروحه، لا يمكن أن يسقطوا كليًّا أو نهائيًّا من حالة النعمة، لكنّهم يثابرون يقينًا فيها حتّى النهاية، ويخلصون إلى الأبد. (إقرار إيمان وستمنستر 17: 1)
وسننظر في مقالنا التالي إلى الطريقة التي بها صار بعض اللاهوتيّين المُصلَحين في هولندا غير راضين عن اللاهوت المُصلَح المُعبَّر عنه في إقرارات الإيمان، وعن بدء تحرُّكم رجوعًا باتّجاه الكنيسة الكاثوليكيّة. وسننظر أيضًا إلى ردّ الكنيسة المُصلَحة على هذا التحرُّك في سنودس دورت.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

