تعليمٌ مسيحيٌّ عن القلب

۱۵ مايو ۲۰۲٦

تعليمٌ مسيحيٌّ عن القلب

۱۵ مايو ۲۰۲٦

المحبَّة المتأنِّيَة المترفِّقة

1 كورنثوس 13 أحد أشهر مقاطع الكتاب المُقدَّس كلِّه، لأن فيه يعطينا الرسول بولس شرحًا بديعًا لطبيعة المحبَّة الإلهيَّة. يبدأ الرسول بولس بإظهار أهمِّيَّة المحبَّة، فيقول إنَّه إن كان لنا كلُّ أنواع المواهب والقدرات والإنجازات، لكنَّنا نفتقر للمحبَّة، فإنَّنا لا شيء (الآيات 1-3). ثم يبدأ في الآية 4 في وصف ماهيَّة المحبَّة الإلهيَّة ، قائلًا: "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ" أو بترجمة أخرى: "المحبة تحتمل طويلًا ولطيفة". أجد نفسي مفتونًا بهذا الربط: التأنِّي والترفُّق. لماذا وضع الرسول بولس هاتين الصفتين في بدايةِ وصفه المحبَّة، ولماذا ربطهما معًا؟

يُخبِرنا الرسول بولس أنَّ المحبَّة تتأنَّى، أي أنَّها "تحتمل طويلًا". تُعجِبني هذه الترجمة لأنَّها تنقل لنا فكرة أنَّ محبَّة الآخرين يمكن أن تكون صعبة. معنى محبَّة الناس هو ألا تُلغيهم من حياتك عند أوَّل إساءة منهم إليك. نميل في علاقاتنا إلى أن نكون مع بعض الناس أكثر صبرًا ممَّا نكون مع آخرين. إنْ عمل صديقٌ قديم شيئًا يزعجني، عادةً ما أقول: "هذه طريقته في التعامل. هذه شخصيَّته. نحنُ بشر. ليس من إنسانٍ كامل". ألتَمِسُ له الأعذار. ولكن إن التقيتُ بشخصٍ آخر، ووجدتُ أنَّه يتصرَّف بالطريقة نفسها التي بها يتصرَّف صديقي، فلن أرغب بالتعامل معه. نحنُ نحتمل الأمور التي نجدها في أصدقائنا، لكنَّنا لا نحتملها حين تُوجَد في الغرباء.

لا تحتفظ المحبَّة المتأنِّية بسِجِلٍّ. في أوَّل مرَّة تُسيءُ إليَّ يُمكِنني أن أقول: "الضربة الأولى"، وبعد ذلك أسمح لك بضربتَيْن أُخريَيْن قبل أن تخرج من حياتي. ولكن إن كانت محبَّتي تحتمل وتصبر، فقد يوجد في سِجِلِّك سبعون سبع ضربات، ولكنَّني لا أفَرِّطُ فيك.

لماذا تتأنَّى المحبَّة المسيحيَّة طويلًا؟ السبب هو أنَّ المسيحيِّين الحقيقيِّين يتمثَّلون بيسوع المسيح، الذي يتمثَّل بالآب، والصبر سِمَة رئيسيَّة في الله. كثيرًا ما يُشير الكتاب المُقدَّس إلى أنَّ الله بطيء الغضب، وإلى أنَّه طويل الروح مع شعبه صُلْب الرقبة. فمثلًا، يصف الله نفسه بالكلمات التالية: "الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ" (خروج 34: 6). ويتكلَّم بولس الرسول أيضًا عن "غِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ" (رومية 2: 4).

إن كنتَ مسيحيًّا حقيقيًّا، فكم احتمل الله عدم إيمانك قبل أن تُفتدَى؟ كم احتمل خطيَّتك التي ما زالت ساكنة فيك؟ لولا احتمال الله وطول أناتِه لهلكنا. ولو تعامل الله معنا بعدم الصبر الذي نعامل به الآخرين، لكان مصيرنا المعاناة والألم في الجحيم الآن. لكنَّه احتمل عصياننا وتجديفنا ولامبالاتنا وعدم إيماننا وخطيَّتنا، وما يزال يحبُّنا. هذه هي طبيعة الله، وهكذا يُظهِر محبَّته. إنَّه يُظهِر محبَّته بصبره، وهو صبر يحتمل ويتأنَّى.

لسنا مدعوِّين إلى أن نكون صبورين فقط، بل وإلى أن نحتمل طويلًا. ينبغي ألا يقتصر موقفنا على الصبر تجاه خطايا الناس ونقاط ضعفهم وتقصيراتهم طالما كانت هذه الأمور لا تسبِّب لنا الألم. فمعنى الاحتمال وطول الروح هو أنْ نحبَّ حينما نختبر الأذى والألم. معناه أن تكون "مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (1بطرس 4: 8). بهذه الطريقة نعكس محبة الله، الذي يحتمل ويتأنَّى طويلًا.

فلماذا يربط الرسول بولس بين الصبر/ الاحتمال واللُّطف/ الترفُّق؟ قد نتعرَّض للأذى أو العداوة فترةً طويلة بينما يكون لدينا موقف العداوة ونخطِّط للانتقام للردِّ على الإساءة. ولكنْ ليس هذا ما يعنيه الكتاب المُقدَّس بالاحتمال وطول الأناة. فالاحتمال يشمل الترفُّق، لأنَّنا ينبغي أن نكون لُطفاء مع مَن يُسبِّبُ لنا الألم. الناس اللُّطفاء لا يتَّسِمون بالوقاحة أو القسوة أو اللؤم، بل هم أصحاب قلوبٍ سَخِيَّة. إنَّهم حسَّاسون ورقيقون في التعامل مع الآخرين.

أعتقدُ أنَّ أبي كان مثالًا على هذه الصفة. فقد كان لطيفًا حقًّا، وقد أظهر لي لطفَ الله. لم أكُن أحبُّ ما يحدث حين كنتُ أعود من المدرسة إلى البيت، وأجد أنَّني أواجه مشكلة بسبب شيء عملته. كانت أمِّي تقول لي: "يريد أبوك أن يقضي معك بعض الوقت". كان عليَّ أن أذهب إلى مكتب أبي وأُغلِق الباب، فكان يقول: "حسنًا يا بُني، ينبغي أن نتحدَّث". ودون أن يرفع صوته البتةَ، ودون أن يُظهِر غضبَه، كان يفكِّكني، وبعد ذلك بطريقةٍ ما كان يستطيع بكلِّ لُطف أن يجمع أجزائي معًا مرة أخرى. وبعدئذٍ، كنتُ أغادر شاعرًا أنَّني خفيف كأنّني أسير على الهواء. فكنتُ أشعر بالفرح، لكنَّني كنتُ أعرف أنَّ عليَّ أن أتصرَّف بطريقةٍ أفضل في المرَّة القادمة. كان يُلهِمني لأنَّ أسلوبه في التعامل كان لطيفًا جدًّا.

أخشى أنَّه من النادرِ أن تجد شخصًا لطيفًا حقًّا. ولكنْ ينبغي أن يرتبط اللُّطف بالاحتمال والصبر باعتبارهما إظهارًا للمحبَّة. فببساطة، المحبَّة ليست غير صبورة ولا غير لطيفة. هذه صورة محبَّة الله، وهي المحبَّة نفسها التي ينمِّيها الروح القدس في شعب الله.


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

آر. سي. سبرول

آر. سي. سبرول

د. آر. سي. سبرول هو مؤسس خدمات ليجونير، وهو أول خادم وعظ وعلّم في كنيسة القديس أندرو في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا. وأول رئيس لكلية الكتاب المقدس للإصلاح. وهو مؤلف لأكثر من مئة كتاب، من ضمنها كتاب قداسة الله.