شهادة متى - خدمات ليجونير
الإنجيل غير المتغيِّر
۹ نوفمبر ۲۰۲۲
شهادة مرقس
۱۵ نوفمبر ۲۰۲۲

شهادة متى

ملاحظة المُحرِّر: المقالة 2 من سلسلة "الأناجيل"، بمجلة تيبولتوك.

في تاريخ الدراسات الكتابية، شهدنا في القرنين الماضيين ظهور تيار يُسمَّى "النقد الأعلى". يتغذَّى جزء كبير من النقد الأعلى على الفكر الشكوكي بشأن موثوقية النصوص الكتابية. وإذ يعارض المسيحيون من ذوي الإيمان القويم الكثير من حُجج أتباع النقد الأعلى، يغفلون في بعض الأحيان عن أفكار ثمينة يمكن اكتسابها بالتحليل النقدي للنص. فإن البعض من هذه التحليلات يمكن أن تفيدنا كثيرًا في سعينا للوصول إلى فهم دقيق للكتاب المقدس.

ومن بين عناصر علم النقد الذي يمكن أن يفيدنا بالفعل هو ذلك البُعد المعروف باسم "نقد المصادر". ومثلما يوحي الاسم، يحاول هذا النوع من النقد اكتشاف واستعادة الكيفية التي كُتبت بها الأناجيل الإزائية (متى، ومرقس، ولوقا).

ثمة افتراض عام بين نقاد المصادر، وهو أن إنجيل مرقس هو أول إنجيل كُتب. يُرى ذلك بعمل تحليل لإنجيل متى وإنجيل لوقا، اللذين لدى كلٍّ منهما محتويات مشتركة مع إنجيل مرقس. وفي الوقت نفسه، ثمة محتويات مشتركة بين إنجيل لوقا وإنجيل متى ليست موجودة في إنجيل مرقس. حاول العلماء بعد ذلك تعليل هذه المعلومات المشتركة بين هذين الإنجيلين، والغائبة عن إنجيل مرقس. والفرضية العملية التي طرحوها هي أنه على جانب استخدام إنجيل متى وإنجيل لوقا لإنجيل مرقس مصدرًا لمعلوماتهما، كان لديهما مصدر ثان مستقل لم يستخدمه مرقس. وهذا المصدر الثاني المستقل يُدعَى ببساطة "المصدر Q".

يُستخدَم الحرف Q ببساطة لأنه الحرف الأول من الكلمة الألمانية Quelle، ومعناها الصريح هو "المصدر". يعني ذلك أن المصدر Q هو مصدر غير معروف لنا، لكنه كان معروفًا لمتى ولوقا، كاتبي الإنجيلين. إن قدرًا كبيرًا من هذا التحليل تكهُّني وافتراضي. ويختلف العلماء معًا حول ما إذا كان المصدر Q المزعوم كان مصدرًا مكتوبًا تشارك فيه متى ولوقا معًا، أم إنه كان مجرد تقليد شفهي كان في متناول يد كليهما. وبغض النظر عمَّا نتوصل إليه من استنتاجات بشأن الطريقة التي قام بها كُتّاب الأناجيل بجمع نصوصهم، يمدُّنا التحليل أعلاه بفائدة واحدة واضحة: فبفصل المحتويات الموجودة فقط في إنجيل متى، أو المحتويات الموجودة فقط في إنجيل لوقا، أو المحتويات الموجودة فقط في إنجيل مرقس، يتسنى لنا الحصول على أدلة تتعلق بالمستمعين الذين كان الكاتب يوجِّه إليهم معلوماته، وكذلك بالموضوعات الرئيسية لإنجيله.

على سبيل المثال، عند النظر إلى إنجيل متى، نجد اقتباسات وإشارات إلى نصوصٍ من العهد القديم تفوق ما جاء في أي إنجيل آخر. وهذه الحقيقة وحدها تضفي مصداقية على فكرة أن متى كان يوجِّه إنجيله في المقام الأول إلى مستمعين من اليهود، ليبيِّن لهم كيف تمَّم يسوع، المسيا الذي طال انتظاره، نبوات العهد القديم.

كذلك، نرى في إنجيل متى إدانة صارمة لرجال الدين من اليهود في تلك الفترة من التاريخ، الذين تمثلت مسئوليتهم في محاولة القضاء على يسوع. فقد كان الكتبة والفريسيون يشغلون حيزًا كبيرًا من الإنجيل، حيث سجل متى دينونة الويلات التي نُطِق بها عليهم بسبب ريائهم. وبالارتباط بذلك إلى حدٍّ ما، نجد في إنجيل متى أيضًا معلومات مختصة بتعاليم يسوع عن الجحيم أكثر مما نجده في أي موضع آخر في الأناجيل الأربعة.

لكن، إذا أردنا العثور على موضوع واحد فحسب يبدو أنه هو الموضوع المحوري والأهم لإنجيل متى بأكمله، فهو سيكون موضوع مجيء الملكوت. فأولًا، نرى أن اللفظ "إنجيل" يشير إلى إنجيل الملكوت - أي الخبر السار المتعلِّق بإعلان ظهور ملكوت الله. وفي إنجيل متى، استخدم متى تعبير "ملكوت السماوات" بدلًا من مصطلح "ملكوت الله"، ليس لأنه كان يتبنَّى وجهة نظر مختلفة عن معنى ملكوت الله أو محتواه، لكنه بدافع مراعاته لقرائه من اليهود، استخدم الأسلوب الشائع الذي يسمَّى "التورية"، وهو نوع من الإطناب الهدف منه هو تجنب ذكر الاسم المقدَّس لله. وبالتالي، فبالنسبة لمتى، كان ملكوت السماوات هو الملكوت عينه الذي تحدث عنه باقي الكُتّاب، ووصفوه بأنه ملكوت الله.

تحدَّث متى في الإنجيل عن اختراق الملكوت لهذا العالم، ومجيء يسوع في تجسده. فقد أُعلِن مجيء الملكوت في بداية خدمة يسوع العلنية، وفي ختام إنجيل متى أيضًا، في حديث جبل الزيتون، أشير إلى الاكتمال النهائي لمجيء ذلك الملكوت. وبالتالي، فمنذ الصفحة الأولى لإنجيل متى وحتى الصفحة الأخيرة، نرى أن الموضوع الذي يوحِّد الإنجيل هو مجيء ملكوت الله بظهور الملك نفسه، الذي هو مسيا إسرائيل، وتحقيق الملكوت المعطى ليهوذا.

كذلك، يذخر إنجيل متى بالمعلومات التفصيلية عن تعاليم يسوع، ولا سيما تلك التعاليم التي قُدِّمت في أمثاله، والتي لم تكن مدرَجة دائمًا في الأناجيل الأخرى. ومجددًا، كان محور تركيز أمثال يسوع هو الملكوت، حيث استهل يسوع الأمثال بقوله: "يُشبه ملكوت السماوات ...". وإذا أردنا أن نفهم أهمية ظهور يسوع في ملء الزمان لافتتاح الملكوت، والمعنى الكامل لتاريخ الفداء، فإننا سنرى محور التركيز هذا ظاهرًا جليًّا في الإنجيل بحسب القديس متى.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدُّكْتُور أَرْ. سِي. سْبْرُول هُوَ مُؤَسِّسُ هَيْئَةِ خِدْمَاتِ لِيجُونِير، وَكانَ أَحَدَ رُعاةِ كَنِيسَةِ الْقِدِّيسِ أَنْدْرُو (St. Andrews Chapel) فِي مَدِينَةِ سَانْفُورْد بِوِلايَةِ فْلُورِيدَا، كَمَا كانَ أَوَّلَ رَئِيسٍ لِكُلِّيَّةِ الْكِتابِ الْمُقَدَّسِ لِلإِصْلاحِ (Reformation Bible College). وَهْوَ مُؤَلِّفُ أَكْثَرِ مِنْ مائَةِ كِتابٍ، بِمَا فِي ذَلِكَ "كلُّنا لاهوتِيُّونَ" و"أدهَشَني الألم".