التكليف العظيم
۱ يونيو ۲۰۲۰
السماوات تُحدِّث
۸ يونيو ۲۰۲۰

معضلة الغفران

يعد الغفران معضلة لدى كثيرين بسبب سوء فهمهم لما ينطوي عليه الغفران وحيرتهم مما يعنيه حقًّا. كما أن جزء من هذه المعضلة هو أننا كثيرًا لا نستطيع التمييز بين الغفران والشعور بالمغفرة. كثيرًا ما يختل التزامن بين شعورنا بالغفران وحقيقته.

ذات مرة، أتى إليَّ شخص ليحدِّثني عن شعوره بالضيق شديد بسبب خطيته. قال إنه ارتكب خطية ما، وقد صلَّى كثيرًا من أجل هذه الخطية، لكنه لم يتلقَّ أي تعزية. كان يريد أن يعرف ما كان عليه أن يفعل ليختبر غفران الله. لكن بما أنه اعترف بخطيته وتتضرَّع إلى الله أن يغفر له، فقد أخبرته أنه بحاجة إلى أن يطلب غفران الله لخطية أخرى، ألا وهي خطية التكبُّر. يقول الله: "إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1 يوحنا 1: 9). حين لا نؤمن أن الله قد غفر حقًّا لنا بمجرد أن اعترفنا بخطيتنا، فإننا نُشكِّك في أمانته. كما لو أننا نقول لا يمكن الوثوق في وعد الله. ويعد هذا قمة الكبرياء، لذا علينا أن نطلب غفران الله لرفضنا الإيمان بوعده.

تنطوي معضلة الغفران على أكثر من ذلك. فحين نقع في الخطية، من أصعب الأمور علينا هو قبول الغفران المجَّاني بالنعمة والرحمة. نحن كائنات متكبِّرة. نظن أن غفران الله رائع للآخرين، لكن حين نرتكب نحن الخطأ، نريد إصلاح الأمر بأنفسنا. مع ذلك، يستحيل على أي إنسان فعل هذا. يطالبنا الله بقداسة كاملة. وبمجرد أن نفقد الكمال، لا نستطيع استرجاعه. فنحن مديونون بدين لا يمكننا سداده. يصعب علينا قبول هذا الأمر لأننا نريد أن نكون قادرين على سداد ديننا على طريقتنا الخاصة. بسبب كبرياءنا وغرورنا، ثمرتا إثمنا، نرفض قبول غفران الله.

نعود إلى التمييز بين الغفران والشعور به: الغفران أمر واقعي، أما الشعور به أمر شخصي. بمعنى أنه يمكنني الشعور بالغفران في حين لم يُغفَر لي حقًّا لأنني لم أقدِّم التوبة. يمكنني التماس العذر لنفسي، في حين أن الله لم يعذرني، وهذا الشعور الزائف بالغفران قد يقودني إلى الزيغان والضلال. لكن يمكنني أيضًا عدم الشعور بالغفران حتى بعد نيلي الغفران في الحقيقة. إذا أعلن الله أن إنسان ما قد غُفِر له، فهذا الإنسان قد غُفِر له في الحقيقة. إن عدم شعورنا بالغفران لا ينفي حقيقة ما فعله الله.

ما له السلطان على حياتنا؟ مشاعرنا التي هي شخصيَّة وذاتيَّة، أم كلمة الله التي هي حق واقعي موضوعي؟ ينبغي على المسيحي أن يحيا عمليًّا كل يوم مستندًا إلى كلمة الله لا إلى مشاعره. فمعضلة الغفران ليست ما إذا كنَّا نشعر به، بل ما إذا كنَّا قد تُبنا. إن اعترفنا بخطايانا وطلبنا غفران الله من خلال المسيح، يمكننا أن نتيقَّن أنه يغفر لنا.

في بعض الأحيان لا نغفر لأنفسنا على الرغم من أن الله قد غفر لنا. لكن من نحن لنرفض أن نغفر لمَنْ غفر له الله؟ ما الذي يجعلنا بهذا الشر لدرجة أن نرى غفران الله غير كافٍ لستر خطايانا؟ في الواقع، نحن نقر بأننا أشرار لدرجة أن نعمة الله لا تستطيع معونتنا. لا، بل نحن متكبِّرون لدرجة أننا نرفض نعمة الله.

دعونا الآن نبحث في معنى الغفران. يعلِّمنا الكتاب المقدس أنه حين يغفر لنا الله ينسى خطايانا. هذا لا يعني أنه يمحيها من ذاكرته، بل يعني أنه لا يحفظها ضدنا فيما بعد.

كم من مرة أخبرك أحدهم أنه سامحك فيما اقترفته ضده، ثمَّ بمجرد أن يُثار شجار بينكما، يفضح ما اقترفته سابقًا؟ إلى حد ما، قد أبطل هذا الشخص غفرانه. لكن الله لا يفعل هذا. إذا غفر لي الله، فهذا أمر نافذ ولن يعود يذكر الأمر أبدًا. لقد رفع الله هذه الخطايا ولن يذكرها أبدًا. مع ذلك، كثيرًا ما نعيد خدش جروحنا القديمة. ندعها تُضعِف العلاقة. إن غفرتُ لأحدهم، لا ينبغي أن أذكر هذه الخطية أبدًا. الغفران يعني عدم ذكر الخطية مجدَّدًا.

هناك أمر آخر ينبغي النظر فيه، وهو واجبنا أن نغفر للآخرين الذين أساؤوا إلينا. إن اعترف هؤلاء بخطيتهم وتابوا عنها، فمن واجبنا الأخلاقي أن نغفر لهم. ومع ذلك، إن لم يتوبوا، فليس علينا أن نغفر لهم. قد نغفر لهم، مثلما غفر الرب يسوع لقاتليه (لوقا 23: 34). لكن مع فعله هذا، لم يأمرنا الرب يسوع بأن علينا دائمًا أن نغفر لمَنْ لم يتوبوا. يمكنك الذهاب لمَنْ أخطأوا إليك وإخبارهم أنهم أساؤوا إليك (انظر متى 18: 15). إن تابوا، فقد ربحتهم. لكنك لست مُطالبًا بالغفران إن لم يتوبوا. لا يحق لك أن تكون قاسيًا أو انتقاميًّا. بل ينبغي أن تتحلَّى بالمحبة، والرعاية، والاهتمام، والرأفة، ولكن ليس عليك أن تغفر لهم. ومن حقك التحدُّث في الأمر وطلب التبرئة علانيةً.

فيما يلي معضلة أخيرة تتعلَّق بالغفران نتعرَّض لها كثيرًا بصفتنا قسوس في كنيسة المسيح. وهي حين يقع أحد الزوجين في خطية الزنا، ثمَّ يتوب عنها بصدق، ويطلب الصفح من شريك الحياة. في مثل هذا الموقف، لا بد على الشريك المُساء إليه تقديم الغفران للتائب. ومع ذلك، فإن هذا الشريك غير ملزم بالبقاء متزوِّجًا من الشريك التائب. الكتاب المقدس ينص على فسخ الزواج بعلَّة الزنا. في هذه الحالة، يجب على الشخص معاملة التائب بصفته أخًا أو أختًا في المسيح وليس بصفته شريك الحياة.

مثال آخر لشخص ما يسرق من مكتبنا خمسين مرَّة ويتوب في كل مرَّة. لا بد أن نغفر له، لكن يمكننا أن نطالبه بالتعويض. كما أننا لسنا مضطرين الإبقاء عليه في وظيفته، لكن لا بد أن نستمر في معاملته كأخ في المسيح. يعد هذا الموقف تطبيقًا عمليًّا مهمًا لمفهوم الغفران. يمكننا الغفران واستعادة العلاقات، لكن هذا لا يعني بالضرورة عدم وجود عواقب مستديمة لخطايانا.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسِّس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو (St. Andrews Chapel) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكليَّة الكتاب المقدَّس للإصلاح (Reformation Bible College). وهو مؤلِّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك بما في ذلك "كلُّنا لاهوتيُّون" (Everyone’s A Theologian).