تابوت العهد
۳۱ أغسطس ۲۰۲۰
النعمة في فكر بولس
۲ سبتمبر ۲۰۲۰

سر الإثم

لقد أُطلق عليه "كعب أخيل الإيمان المسيحي". بالطبع، أُشير إلى المشكلة الكلاسيكيَّة لوجود الشر. قال فلاسفة مثل جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) بإن وجود الشر يُظهر أن الله إمَّا ليس كلي القدرة أو ليس صالحًا ومُحبًّا —والسبب هو أنه إذا كان الشر موجودًا بالرغم عن قوة الله ذات السيادة، فعندئذٍ بالمنطق الذي لا يُدحض، لا يمكن اعتبار الله كلي القدرة. من ناحية أخرى، إذا كان لدى الله القدرة على منع الشر ولكنه فشل في القيام بهذا، فإن هذا ينعكس على شخصيته، مما يشير إلى أنه ليس صالحًا أو مُحبًّا. بسبب استمرار هذه المشكلة، شهدت الكنيسة محاولات لا حصر لها لما يُسمَّى "تبرئة الله" (theodicy) يتضمَّن مصطلح تبرئة الله الجمع بين كلمتين يونانيَّتين: كلمة "الله" (theos)، وكلمة "تبرئة" (dikaios). ومن ثمَّ، فإن (theodicy) هي محاولة لتبرئة الله من وجود الشر (كما نرى، على سبيل المثال، في ملحمة "الفردوس المفقود" (Paradise Lost) لجون ملتون). لقد شملت مثل هذه النظريات عن تبرئة الله التحدي بين التفسير البسيط بأن الشر يأتي كنتيجة مباشرة للإرادة الحرَّة للإنسان والمحاولات الفلسفيَّة الأكثر تعقيدًا مثل تلك التي قدمها الفيلسوف لايبنيز (Leibniz). في محاولة لايبنيز لتبرئة الله، الأمر الذي تم السخرية منه في رواية "كانديد" (Candide) من أعمال فولتير (Voltaire)، فرَّق لايبنيز بين ثلاثة أنواع من الشر: الشر الطبيعي، والشر الميتافيزيقي، والشر الأخلاقي. في هذا المُخطَّط الثلاثي، قال لايبنيز إن الشر الأخلاقي هو نتيجة حتمية وضروريَّة للمحدوديَّة، أي الافتقار الميتافيزيقي لكائن كامل. لأن كل مخلوق ناقص لكونه غير محدود، فسيؤدِّي هذا النقص بالضرورة إلى عيوب مثل التي نراها في الشر الأخلاقي. المشكلة في هذه المحاولة لتبرئة الله هي أنها لا تأخذ في الحسبان المفهوم الكتابي للشر. إذا كان الشر ضرورة ميتافيزيقيَّة للمخلوقات، فمن الواضح أنه كان لابد أن يكون آدم وحواء شريرين قبل السقوط وسيظلان شريرين حتى بعد التمجيد في السماء.

حتى يومنا هذا، لم أجد تفسيرًا مرضيًّا لما يُسميه اللاهوتيُّون سر الإثم. أعتقد أن الكثير من البشر لا يقدِّرون حقًا الثقل الخطير لعبء التفسير الذي يركِّز على بعض أبعاد الإرادة البشريَّة الحرة. إن مجرد وجود الإرادة الحرة لا يكفي لشرح أصل الشر، حيث أنه ما زال يتعيَّن علينا أن نسأل كيف يمكن للكائن الصالح أن يميل بحرية لاختيار الشر. فإن ميل الإرادة إلى التصرُّف بطريقة غير أخلاقيَّة هو بالفعل إشارة لوجود الخطية.

واحدة من أهم المحاولات للتعامل مع مشكلة الشر هي تلك التي قدَّمها في الأصل أوغسطينوس ثم الأكويني لاحقًا، حيث قالوا إن الشر ليس له كيان مستقل. لا يمكن تعريف الشر على أنه شيء أو مادة أو نوع من الوجود. بدلًا من ذلك، يُعرَّف الشر دائمًا بأنه فعل، فعل لا يفي بمعيار الخير. في هذا الصدد، تم تعريف الشر من حيث أنه إما نقيض (negatio) الخير، أو غياب (privatio) الخير. في كلتا الحالتين، يعتمد تعريف الشر ذاته على الفهم المُسبَق للخير. في هذا الصدد، كما قال أوغسطينوس، الشر طُفَيْلي — أي أنه يعتمد على الخير في تعريفه. نحن ننظر إلى الخطية على أنها شيء غير صالح، يشمل معصية وفجور وما شابه ذلك. كل هذه التعريفات تعتمد على الجوهر الإيجابي للخير لتعريفها. قال أوغسطينوس إنه على الرغم من أن المؤمنين يواجهون صعوبة في تفسير وجود الشر في الكون، إلا أن غير المؤمنين لديهم مشكلة مضاعفة الصعوبة. فقبل أن يواجه أي شخص مشكلة الشر، يجب أن يكون لديه وجود سابق للخير. إن أولئك الذين يشتكون من مشكلة الشر يواجهون الآن مشكلة تعريف وجود الخير. بدون الله لا يوجد معيار مطلق للخير.

في الأيام المعاصرة، تم حل هذه المشكلة ببساطة عن طريق إنكار كل من الشر والخير. ومع ذلك، فإن مثل هذه المشكلة تواجه صعوبات كثيرة، خاصة عندما يعاني الشخص على يد من يُوقع به الشر. من السهل علينا أن ننكر وجود الشر إلى أن نكون نحن أنفسنا ضحايا لعمل شرير من شخص ما.

ومع ذلك، على الرغم من أننا ننهي سعينا للإجابة عن أصل الشر، هناك شيء واحد مُؤكَّد: بما أن الله كلي القدرة وصالح في نفس الوقت، فيجب أن نستنتج أنه في قوته المطلقة وصلاحه هناك مكان لوجود الشر. نحن نعلم أن الله نفسه لا يفعل الشر أبدًا. ومع ذلك، فهو يُعيِّن أيضًا حدوث كل شيء. على الرغم من أنه لا يفعل الشر ولا يخلق الشر، إلا أنه قد عيَّن وجود الشر. إن كان الشر موجودًا بالفعل، وإن كان الله صاحب السيادة، فمن الواضح أنه كان قادرًا على منع وجوده. وإن سمح للشر بالدخول إلى هذا الكون، فلن يكون ذلك إلا بقراره السيادي. وبما أن قراراته السياديَّة تتبع دائمًا كمال طبيعته، فيجب أن نستنتج أن قراره بالسماح للشر بالوجود هو قرار جيد.

مرة أخرى، يجب أن نكون حذرين هنا. يجب ألا نقول أبدًا أن الشر خير أو أن الخير شرير. لكن هذا ليس هو نفسه قول: "من الجيد أن هناك شر". مرة أخرى أكرِّر، من الجيد أن يكون هناك شر، وإلا فلا يمكن للشر أن يوجد. حتى هذه المحاولة لتبرئة الله لا تُفسِّر "كيف" دخل الشر إلى العالم. إنها تتناول فقط "سبب" حقيقة الشر. شيء واحد نعرفه على وجه اليقين هو أن الشر موجود بالفعل. إنه موجود، إن لم يكن في أي مكان آخر، فينا وفي سلوكنا.

نحن نعلم أن قوة الشر غير عاديَّة وتسبب ألمًا ومعاناةً شديدة في العالم. نحن نعلم أيضًا أن الله له السيادة عليها وبسلطانه لن يسمح للشر بأن يكون له الكلمة الأخيرة. يخدم الشر دائمًا وأبدًا المصلحة العُليا لله نفسه. إن الله بصلاحه وسلطانه هو من قضى بالغلبة النهائيَّة على الشر وتخليص الكون منه. في هذا الفداء نجد راحتنا وفرحنا — وإلى أن يأتي ذلك الوقت، نعيش في عالمٍ ساقط.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسِّس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو (St. Andrews Chapel) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكليَّة الكتاب المقدَّس للإصلاح (Reformation Bible College). وهو ألَّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك بما في ذلك "كلُّنا لاهوتيُّون" (Everyone’s A Theologian).