سر الإثم
۱ سبتمبر ۲۰۲۰
العبد المتألم والملك المنتصر
۳ سبتمبر ۲۰۲۰

النعمة في فكر بولس

تُرَكِّز رسائل بولس على مجد الله في شخص يسوع المسيح. كانت رسالة الإنجيل التي أعلنها بولس في الأساس عن ابن الله، الرب يسوع المسيح (رومية 1: 2-4). بالنسبة لبولس، رسالة الإنجيل لها الأهمية الأولى قبل أي شيء (1 كورنثوس 15: 3)، وبما أن الإنجيل يتعلَّق بالمسيح، فإن هذا يعني أن المسيح له الأهميَّة الأولى. لخِّص بولس الإنجيل كرسالة مفادها أن المسيح مات وقام من أجل خطايانا وفقًا لما تنبأ به العهد القديم (1 كورنثوس 15: 3-4). نادى الإنجيل بحسب بولس بأن يسوع هو ربٌ (رومية 10: 9)، مُشدِّدًا على أن الخطاة يجب أن يؤمنوا بيسوع باعتباره الرب والمصلوب والمُقَام من الأموات من أجل خلاصهم (4: 25).

نظرًا لمركزيَّة الإنجيل عند بولس، لا نتفاجأ عندما نجد أن الخلاص الذي تمَّمه المسيح موصوف بطرقٍ متعدِّدة الأوجه. لا يمكن لأي مصطلح أو استعارة واحدة أن تصف بالكامل غنى ما فعله الله من أجلنا في المسيح. لذلك، يُوصَف عمل الله الخلاصي في المسيح بكونه التبرير، والخلاص، والمُصالحة، والتبنِّي، والفداء، والكفَّارة، والانتصار على قوى الشر، والتقديس، والتجديد، والاختيار، بالإضافة لموضوعات أخرى. تتطلَّب كل هذه الكلمات المزيد من الدراسة، لأنها تُلِّون لنا قصة الخلاص. فهي ليست مجرد كلمات لاهوتيَّة مُجرَّدة، لأن الله الديَّان قد حكم بتبريرنا، ونلنا الخلاص من الخطيَّة، وتصالحنا مع الله، وأصبحنا من أهل بيته، وتحرَّرنا من سلطان الخطيَّة، ورأينا أنه بموت المسيح تم إرضاء غضب الله، وانتصرنا على الشيطان والأرواح الشريرة، ووُضِعنَا في مكانة القديسين، ووُلِدنَا ثانيةً، واختارنا الله قبل تأسيس العالم. إن معرفة الوصف مُتعدِّد الأوجه للخلاص هو حقيقة أن الخلاص يرجع إلى نعمة الله. لم ينل المؤمنون الخلاص على أساس طاعتهم أو برِّهم الذاتي. فالخلاص هو عطية من الله تُمنَح للذين يؤمنون بالمسيح (أفسس 2: 8-9).

لماذا يوجد احتياج للخلاص؟

تبعث رسائل بولس جوًّا من التسبيح والشكر بسبب معجزة الخلاص التي أُعطيت للمؤمنين. يدرك المؤمنون بعمقٍ أن كل ما يتمتَّعون به قد أُعطي لهم (1 كورنثوس 4: 7). كما أن تسبيحهم مُؤسَّس على حقيقة إدراكهم العميق للخطيَّة والتي تجعلهم غير مُستحقِّين لنعمة الله. إن الخطيَّة هي في الأساس رفض شكر وتمجيد الله (رومية 1: 21). إن الأشخاص غير المُجدَّدون لا يهبون حياتهم لله، بل يقدِّمون عبادتهم وولائهم للمخلوق دون الخالق (الآية 25). بدلًا من أن يكونوا متمركزين حول الله، فإنهم متمركزون حول الذات، وبالتالي يبتعدون عن سيادة الله على حياتهم. بعبارةٍ أخرى، يمكن وصف الخطيَّة بأنها عبادة الأوثان.

تتجلَّى الخطية أيضًا بشكل ملموس في حياة البشر بحيث أنا ليست مُجرَّد أمر نظري (رومية 1: 24-32). تتسم حياة الإنسان بالخلاعة، والزنا، والغيرة، والغضب، والقتل، والخصام، والتحزُّب، والخداع، والكذب، والسرقة، والغرور، والكبرياء، والطمع، وعدم طاعة الوالدين. بعبارة أخرى، فشل البشر في حفظ شريعة الله: "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ" (3: 23). يطلب الله الطاعة الكاملة، لكن لم يحفظ أحد كل ما أوصت به شريعته (غلاطية 3: 10؛ 5: 3). وفقًا لمعيار الناموس، أي وفقًا لأعمال الناموس، لا يتبرَّر أحد أمام الله (رومية 3: 20). لا يستطيع الناموس أن يُخلِّص، لأنه يكشف خطيَّة البشر. اللافت للنظر أن البشر يميلون إلى الافتخار بطاعتهم للناموس على الرغم من أنهم خطاة (رومية 3: 28؛ 4: 1-5؛ 10: 1-8؛ فيلبي 3: 2-9؛ غلاطية 6: 12-13؛ أفسس 2: 8-9). يكشف هذا التوجُّه عن مدى ضلالنا وغرورنا نحن البشر. وحده الإيمان يُخلِّص، لأن الإيمان يُمجِّد الله لأنه يعترف بأن القوة والقدرة تأتي منه وحده (رومية 4: 20-21). "كُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ" (14: 23)، لأن عدم الثقة بالله يدل على الاعتماد على الجسد والقدرة البشريَّة، بحيث يذهب المجد للإنسان بدلًا من الله.

نجد شرح خطيَّة البشر في أفسس 2: 1-3. قبل الخلاص، يقع البشر تحت سلطان العالم والجسد والشيطان. يمكننا القول إن الخطيَّة اجتماعيَّة، ونفسيَّة، وروحيَّة. من الناحية الاجتماعيَّة، يدفع ضغط وتأثير العالم البشرَ نحو الخطيَّة. من الناحية النفسيَّة، الشهوات في نفوس غير المؤمنين جسديَّة وأنانيَّة. ومن الناحية الروحيَّة، يقع غير المؤمنين تحت سلطان إبليس وجنوده (6: 10-19). لذا ليس من المُفاجئ أن نعلم أن الخطاة مُستعبدون للخطيَّة (رومية 6: 6). وليس لديهم القدرة على الخضوع لله وحفظ ناموسه (8: 7-8). إن البشر ليسوا مُجرَّد مرضى روحيِّين أو ضعفاء، بل إنهم "أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا" (أفسس 2: 1). حقًا، يدخل البشر إلى العالم كأبناء وبنات لآدم. وبسبب خطيَّة آدم الواحدة، ندخل إلى العالم أموات روحيًّا ومُذنبين أمام الله (رومية 5: 12-19). إن الحياة البشريَّة ليست فرديَّة في الأساس. فكلنا أبناء آدم رأس جنسنا البشرى في العهد، وبالتالي نأتي إلى هذه الحياة مذنبين أمام الله وبلا حياة.

شخص المسيح والروح القدس:

إن ما يقوله بولس عن الخطيَّة يجعلنا نندهش بمقدار عظمة ومجد الخلاص الذي تمَّمه المسيح لأولئك الذين هم له. من المؤكَّد أن الفداء المذهل هو عمل شخص مذهل، وقد كشف بولس بالتفصيل لقرَّائه عن هويَّة يسوع المسيح. إنه ابن داود، المسيَّا الموعود به في العهد القديم (رومية 1: 3؛ 2 تيموثاوس 2: 8) الذي يحقِّق الوعود التي قُطعَت بشأن بيت داود (2 صموئيل 7؛ مزمور 89؛ 132).

وهو آدم الثاني، الذي انتصر على خطيَّة آدم الأول وكسى شعبه ببرِّه (رومية 5: 12-19؛ 1 كورنثوس 15: 21-22).  كما إنه الرب العظيم الذي تمجَّد وتعظَّم بعد أن ذاق الموت من أجل شعبه (فيلبي 2: 6-11). هو ابن الله الذي يشارك الله في طبيعته (رومية 1: 3-4)، وبالتالي يشترك في ذات هويَّة الله نفسه (رومية 9: 5؛ تيطس 2: 13). يسوع المسيح هو "صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ" (كولوسي 1: 15) وهو خالق جميع الأشياء (كولوسي 1: 16؛ 1 كورنثوس 8: 6). ويحلُّ كل ملء اللاهوت في المسيح (كولوسي 1: 19؛ 2: 9)، وبالتالي فهو مُتقدِّمًا في كل شيء (كولوسي 1: 18).

إذًا فإن الحياة المسيحيَّة تتمحور بشكل جوهري حول الله والمسيح. كل ما يفعله المؤمنون، حتى الشرب والأكل، يجب أن يُفعل لمجد الله (1 كورنثوس 10: 31). ولكن هناك طريقة أخرى للتعبير عن هذه الحقيقة وهي أن كل ما يفعله المؤمنون يعملوه باسم يسوع "شَاكِرِينَ اللهَ وَالآبَ بِهِ" (كولوسي 3: 17). كيف يحيا المؤمنون بطريقة ترضي الله؟ وفقًا لبولس، تُعاش هذه الحياة بقوَّة الروح القدس. يجب أن يمتلئ المؤمنون بالروح القدس ليعيشوا بفرحٍ وبحسب لمشيئة الله (أفسس 5: 18). وإذ يسلك المؤمنون بالروح القدس، ويخضعون للروح القدس، ويسيرون خطوة بخطوة مع الروح القدس، ويزرعون للروح القدس، فإنهم ينتصرون على شهوات الجسد (غلاطية 5: 16، 18، 25؛ 6: 8).  فإن روح الرب يعطي الحريَّة (2 كورنثوس 3: 17)، حتى يعمل الذين يسلكون بالروح القدس مشيئةَ الرب (رومية 8: 4). إذن، اللاهوت البوليسي في جوهره ثالوثي —أي أن الخلاص العظيم الذي هو لنا هو عمل الآب، والابن، والروح القدس.

الكنيسة:

لا يخلص المؤمنون في عزلة. فقد كان قصد الله دائمًا أن يُخلِّص شعبًا لمجده — أي كنيسة يسوع المسيح. يؤكِّد بولس أن الكنيسة تمجِّد الله (أفسس 2: 7؛ 3: 10). تُوصَف الكنيسة بأنها جسد المسيح (1 كورنثوس 12: 27)، وبأنها هيكل الله (1 كورنثوس 3: 16). من المهم بشكلٍ خاص لبولس أن تتحد الكنيسة. لذلك فهو يحث المؤمنين على بناء بعضهم البعض عندما يجتمعون معًا (أفسس 4: 11-16؛ 1 كورنثوس 12-14). يهب الروح القدس مواهب للمؤمنين حتى يتمكَّنوا من بناء وتشديد المؤمنين الآخرين، وليس حتى يتمكَّنوا من الإعلان عن روحانيتهم ​​أو موهبتهم. يجب على المؤمنين الأقوياء والضعفاء أن يأخذوا بعين الاعتبار ما هو حسن وأن يمتنعوا عن العيش لإشباع شهواتهم وطموحاتهم (1 كورنثوس 8-10؛ رومية 14-15).

الأخرويَّات:

الأخرويَّات هي أحد السمات المركزيَّة في لاهوت بولس. يجب ألا تقتصر الأخرويَّات على "الأشياء الأخيرة"، لأنه وفقًا لبولس، بدأت الأيام الأخيرة بموت وقيامة يسوع المسيح. بدأت الأيام الأخيرة ولكن لم تُكتَمل بعد في يسوع المسيح. إذن، يعيش المؤمنون في الفترة الفاصلة بين ما هو بالفعل ولكن ليس بعد. لقد خلصوا بالفعل لكنهم ينتظرون اكتمال خلاصهم في اليوم الأخير (رومية 5: 9). هم الآن مفديُّون لكنهم ينتظرون فدائهم النهائي —أي قيامة الجسد (رومية 8: 23؛ أفسس 1: 7). لن يكون الكمال من نصيب المؤمنين الآن حيث لا يزال لديهم أجساد قابلة للموت، وينتظرون التقديس النهائي (فيلبي 3: 12-16؛ 1 تسالونيكي 5: 23-24). ولكن لدى المؤمنين رجاء مُحدَّد في الخلاص في المستقبل. سيأتي المسيح ثانيةً، والذين يؤمنون به سيُقامون من الأموات (1 تسالونيكي 4: 13-18). سيكون الموت أخر عدو يُهزَم (1 كورنثوس 15: 26)، وأولئك الذين يرفضون الإيمان بالمسيح سيواجهون الدينونة الأبديَّة (2 تسالونيكي 1: 5-10)، بينما أولئك الذين يؤمنون به سيختبرون الفرح الذي لا ينتهي.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

توماس شراينر
توماس شراينر
الدكتور توماس شراينر هو أستاذ تفسير العهد الجديد، وأستاذ اللاهوت الكتابي، والعميد المساعد لمدرسة اللاهوت بكلية اللاهوت المعمدانية الجنوبية في مدينة لويفيل، بولاية كنتاكي. وهو كاتب لعدد كبير من الكتب، منها "المواهب الروحية" (Spiritual Gifts).