
كيف تقرأ الأنبياء
۲۰ مارس ۲۰۲٦
ما هو علم التفسير الاستقصائيّ
۳ أبريل ۲۰۲٦تذكُّر الكتاب المُقدَّس ومخالطتُه
يشبِه علم الكتاب المُقدَّس بعلم اللغة. وأفضل طريقة للعلم بهذين الأمرين هو الانغماس فيهما. فحين يتعلَّم أولادنا الكلام والقراءة والكتابة، فإنّهم يتقنون اللغة العربيّة بالتكرار والممارسة والاستخدام. وهذا ينطبق على كلمة الله، إذ أفضل الطرق لتذكُّر الكتاب المُقدّس هو بقراءته بصورة منتظمة، والصلاة بكلماته في قلوبنا، ونسجه في حياتنا العائليّة، وسماعه في العظات والتعليم. وبكلماتٍ أخرى، كلّما دمجنا الكتاب المُقدَّس في حياتنا وممارساتنا اليوميّة ازداد تذكُّرُنا له ومخالطتُه وحفظنا وتقديرنا الثمين لمحتوياته.
1. قراءة كامل الكتاب المُقدَّس بصورة منتظمة.
أوّلًا، يجب أن نقرأ الكتاب المُقدَّس بكامله وبصورة منتظمة. والأمور الأولى التي نحتاج إلى أن نتعلّمها في اللغة هي المُفردات والقواعد والمحتوى. أن المزمور الأول لا يحضّ المؤمنين على أن يتأمّلوا بناموس الله نهاراً وليلًا، إذْ يفترض أنّنا نمارس ذلك (مزمور 1: 2). ومع هذا، فإنّ مؤمنين كثيرين يجهلون التأمّل بالكتاب المُقدَّس. فأين ينبغي أن يبدأوا؟ الخطوة الأولى الواضحة هي قراءته.
يبدو أنّ مؤمنين كثيرين لا يقرأون الكتاب المُقدَّس بكامله. فإنْ افتكرنا بمقدار قراءتنا للكتاب المُقدَّس، فهل نجد أنّنا منجذبون إلى نصوصٍ نفضّلها، مثل الأناجيل أو رومية 8؟ ولكن ينبغي أن نثمِّن كلَّ جزءٍ من كلمة الله، باعتبارها على الأقلّ أنها كلمة الله. يعبِّر المزمور 119 عن محبّة تستحوذ على كامل النفس لناموس الربّ لأنّ كاتب المزمور كان يستهدف المحبّة القلبيّة الكاملة لربّ الناموس. نحتاج إلى معرفة كامل الكتاب المُقدَّس من أجل اكتساب صورة كاملة عن الله وطبيعته وصفاته وأعماله. وأفضل طريقة لممارسة ذلك هي أن يكون لدينا خطّة.
مع أنّ هناك خططًا كثيرة لقراءة الكتاب المُقدَّس، فإنّ قراءة ثلاثة أصحاحات أو أربعة في اليوم ستمكّنك من إتمام قراءة الكتاب المُقدَّس في سنةٍ تقريبًا. وكلّما تكرَّرت قراءتنا لكلّ أجزاء الكتاب المُقدَّس، ساعدتْ هذه الأجزاءُ المختلفة في فهمنا أجزاءً أخرى أيضًا، وذلك مع ازداد فهمنا للمفردات الكتابيّة وقواعده اللغوية وأنماطه الفكريّة. وإنْ كُنّا لا نخصِّص وقتًا للعبادة الخاصّة يوميًّا، لنعمل بثباتٍ كالفلّاح في كلمة الله، وبهذا سنشابه أبلوس، الذي يُوصَف بأنّه "رَجُلٌ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي الْكُتُبِ" (أعمال 18: 24).
2. الصلاة بما نقرأه في الكتاب المُقدَّس
ينبغي ألّا تكون قراءة الكتاب المُقدَّس مجرّد تعبير عن "الالتزام" الشخصيّ فقط. فهي ممارسة عبادة الله بالصلاة حيث من خلالها نطلب وجهه. ويتوجب أن لا نحصر صلاتنا في أن يفتح الرب عيوننا لمعاينة الأمور المدهشة في شريعته (مزمور 119: 18)، بل ينبغي أيضًا أن نجعل نصوص الكتاب المُقدَّس جزء من صلواتنا التي نرفعها. وعندما نطرح السؤال: "ماذا يعلن لي هذا النصّ الكتابي عن الله؟" عندها تصير المقاطع السهلة وأيضا الصعبة مثمرةً.
فمثلًا، يقول مزمور 90: 1-2 إنّ الله "ملجأنا" أو "مسكننا" في كلّ الأجيال والأزمنة، وأنّه الله "مُنْذُ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ." ألا يمكننا أن نصلّي: "يا ربّ، أشكرك لأنّي وأولادي نسكن معك وتسكن معنا ، ولأنّك سرمديّ فإنّك تستطيع أن تحفظ وعودك لعائلتنا إلى الأبد"؟ ويمكن لطلب مجد الله بالصلاة أن يجذبنا أيضًا إلى الله في العبادة، حتّى ونحنُ نقرأ تسعة أصحاحات تتألَّف معظمها من سلاسل الأنساب في 1أخبار 1-9، لأنّنا نرى أمانةَ الله لعهده مع شعبه لا مجرَّدَ قائمةٍ بأسماء.
3. نَسْج خيوط الكتاب المُقدَّس ضمن روتين عائلتنا
نعرف أن محبّة الربّ تتضمّن أن نكلّم أولادنا بكلمته حين نجلس وحين نقوم وحين نسير (تثنية 6: 6-7). وأوضح طريقة لعمل هذا هو أنْ لا نكتفي بالعبادة الفرديّة، بل ننظّم عبادتنا العائليّة، فنقرأ كلمة الله ونصلّيها ونرنّمها معًا. والمحافظة على فترة عبادة عائليّة قصيرة وبسيطة تجعل هذه الفترات مفيدةً وأفضلَ من عدم ممارستها.
قراءة الكتاب المُقدَّس والصلاة من خلاله بصورة فردية، ومع عائلاتنا أيضاً، يقودان بصورة طبيعيّة إلى الحديث والنقاش بشأن الكتاب المُقدَّس على مدى اليوم. وإذ يغمر الزوجان نفسيهما بكلمة الله، ويُشرِكان أولادهما في هذا، إن كان لديهما أولاد، فإنّهما ينمّيان عادات تساعدهما في معرفة الكتاب المُقدَّس وتذكُّره، وهو ما يؤثِّر بصورةٍ طبيعيّة بكلامهما اليوميّ. وكلّما ازداد ما نضعه في قلوبنا من كلمة الله ازداد تكلُّم الفم بما يخرج من القلب.
4. سماع الوعظ الكتابي بصورة متكرِّرة
في الوعظ الأمين لكلمة الله، نسمع صوت المسيح (رومية 10: 14-17؛ أفسس 2: 17). وتصاحب قوّة الروح القدس الوعّاظ الذين يعلِنون شهادة الله لابنه (1كورنثوس 2: 1-5). ومع أنّ سماع المحاضرات والعظات المبنيّة على الكتاب المُقدَّس عبر الإنترنت أمرٌ جيّد، فقد أعطانا الربّ سبتًا أسبوعيًّا لإعادة توجيه قلوبنا نحو السماء، حيث يُوجَد المسيح الذي قام وصعد إلى يمين الآب. تساعدنا العبادة الشخصيّة الفرديّة والعائليّة في أن نمتلئ بالكتاب المُقدَّس في كلّ الحياة. ولكن العبادة العامّة المشتركة تمثِّل حجر زاوية هذه العمليّة، إذ بها، بصورة خاصّة، يعمِّق الروح القدس كلمته فينا، فيمكِّننا من أن نمارس كلمة الله وأن نتذكَّرها بممارستها.
وقد أعطانا أغسطينوس نصيحةً وتوجيهًا في كتابه "العقيدة المسيحيّة" (On Christian Doctrine) في قوله إنّ أفضل طريقة لقراءة الكتاب المُقدَّس هي طلبة الله والتمتُع به من خلال الكتاب المُقدَّس. فالكلمات الواردة على صفحات الكتاب المُقدَّس هي "دلائل" تُشير وتوجِّه إلى الربّ، ولكنّ الله الثالوث هو "الأمر" الذي نريده فعلًا حين نقرأ كلمة الله ونسمعها. فتعلُّم الكتاب المُقدَّس هو عملٌ يتعلَّق بكامل الكيان. هل نصلّي أن يمجِّد الروحُ القدسُ الابنَ في دراستنا لكلمته؟ هل نهدف إلى تمجيد الله في أجسادنا ونفوسنا لكوننا أولاده الأحبّاء؟ هل نسعى إلى أن نتذكَّر الكتاب المُقدَّس باستخدام طرق ووسائل تساعدنا في قراءته كاملًا وبممارسته من خلال الصلاة؟
هذه المقالة واحدةٌ من سلسلة مقالاتٍ في علم التفسير.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

