تذكُّر الكتاب المُقدَّس ومخالطتُه
۲۷ مارس ۲۰۲٦
ما هو علم التفسير
۱۰ أبريل ۲۰۲٦
تذكُّر الكتاب المُقدَّس ومخالطتُه
۲۷ مارس ۲۰۲٦
ما هو علم التفسير
۱۰ أبريل ۲۰۲٦

ما هو علم التفسير الاستقصائيّ

كثيرًا ما نسمع في أيّامنا بأنّه ينبغي عدم تفضيل رأيٍ على آخر، وأنّه ليس من إنسان يمتلك كلّ الحقّ، وأنّ كلّ شيءٍ في النهاية مسألة رأيٍ شخصيٍّ. بل إنّ البعض يطبِّقون هذا المبدأ على الكتاب المُقدَّس، لدرجة أنّهم يعتقدون أنّ معنى الكتاب المُقدَّس أمرٌ يتحدَّد بانطباعات القرّاء أو يمكن  تناوله بدرجةٍ غير محدودة. رَفَض التقليدُ المُصلَح بثبات هذا الرأيَ، وذلك لسبب بسيط هو أنّ الكتاب المُقدَّس كلمة الله، وأن الله يهتمّ بالطريقة التي بها تُقرأ كلمته وتُفهَم. وفي النهاية، ينبغي قراءة الكتاب المُقدَّس بحسب توجيه الله. 

تفسير النصوص الكتابيّة وفهمها أمرٌ يقع ضمن  إطار علم التفسير الاستقصائي. علم التفسير الاستقصائي ( Exegesis) مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بعلم التفسير، أو فلسفة التفسير ( Hermeneutics)، الذي يتضمّن المبدأ  الذي به يتمّ مقاربة  الكتاب المُقدَّس  وتفسيره. وبهذا، فإنّه مبدأ تطبيق علم التفسير على مقطع مُعيَّن. وفي ما يلي بعض مبادئ تفسير الكتاب المُقدَّس بحسب التقليد المُصلَح. 

ينبغي أن نفسِّر الكتاب المُقدَّس بتواضع.

ليس الكتاب المُقدَّس كتابًا عاديًّا. إنّه كتاب فريد. إنّه كلمة الله  بذاتها. إنّه القاعدة الوحيدة المعصومة من الخطأ للإيمان والحياة والممارسات، ولذا حين نقرأها فإنّنا نحاول أن نميّز بين ما يريد الله الحيّ أن يقوله لنا، وبين كلُّ السلطات الأخرى، حتّى التي تدّعي الحقّ بأن تُخبِرنا بكيفيّة  تفسير الكتاب المُقدَّس، فهي أقلّ أهمّيّة من الكتاب المُقدَّس، وينبغي أن تخضع له. وهكذا، بينما نسعى إلى فهم المعنى الذي يقصده الكتّاب البشريّون، نحنُ نسعى في النهاية إلى أن نعرف وندرك المعنى الذي يقصده الكاتبُ الإلهيُّ. 

هذا يعني أنّه ينبغي علينا أن نضع أنفسنا تحتَ سلطة الكتاب المُقدَّس لا فوقها.  فعلى سبيل المثال، حين نأتي إلى مقطعٍ ما ونجد أن معناه الظاهر غير مستساغ، يجب أن لا نحاول أن نتجاهله أو نعطي تفسيرًا يتعارض مع ما يقوله. فمثلًا، يتكلّم يسوع في يوحنا 6 عن أولويّة اختيار نعمة الله في  زرع الإيمان في الذين يثقون به. يجد كثيرون أن هذا التعليم صعبَ القبول، فيبتعدون (يوحنّا 6: 66). ويظهر هذا الموقف نفسه في كثيرين اليوم، إذ يرفضون تعليم الكتاب المُقدَّس عن الاختيار محاوِلين إعطاء تفسيرٍ لا يتّفق مع ما يقوله الكتاب المُقدَّس. لكنْ علينا أن نجتهد في أن نفهم تعليم الكتاب المُقدَّس ونخضع له كما هو، وليس كما نحبُّ ونرغب. 

ينبغي أن نفسِّر الكتاب المُقدَّس بأمانة. 

معنى تفسير الكتاب المُقدَّس بأمانة هو قراءة نصّ معيَّن وفهمه كما قُصِد له أن يُقرَأ ويُفهَم. القراءة بهذه الطريقة توجِّه الانتباه إلى أشياء تتعلَّق بالنصّ،  كنوع النصّ والصِّيَغ المجازيّة، وتضع في اعتبارها السياق التاريخيّ والأدبي للنصّ قيد الدراسة، مع ملاحظة كيف فُهِمت الكلمات المُستخدَمة في وقت كتابة النصّ. عادةً ما تُدعى هذه المنهجيّة بـ"التفسير الاستقصائي التاريخيّ القواعديّ" ( Historical-grammatical Exegesis)، وهدفها هو الكشف عما قصد الكاتب أن يقوله وينقله بالتشديد على الكلمات التي استخدمَها وعلى معناها ضمن السياق الذي ترِد فيه.

تبدأ قراءة الكتاب المُقدَّس بالتزامٍ وأمانة بطرح بعض الأسئلة المهمّة عن النصّ، ومنها: مَن هو الكاتب؟ ماذا كان السياق الذي كتب فيه؟ ماذا كان قصده ممّا كتبه؟ ما هو النوع الأدبي المُستخدَم في النصّ؟ ويمكن الوصول إلى إجابات هذه الأسئلة في النصّ نفسه، ولكنْ في بعض الأحيان يمكن لمصادر خارجيّة، مثل التفاسير وقواميس الكتاب المُقدَّس، أن تكون معينةً وذات فائدة. 

عادةً ما يكون للكلمات أكثر من معنى أو دلالة، ويساعدنا السياق في تحديد المعنى المقصود للكلمة من بين معانٍ متعدّدة ممكنة، أي ضمن طيف معانيها ودلالاتها (انظر، مثلًا، الطرق المختلفة التي بها تُستخدَم كلمة "العالم" في العهد الجديد: متّى 4: 8؛ 13: 22؛ 25: 34؛ مرقس 4: 19؛ لوقا 2: 1؛ يوحنا 1: 29؛ 3: 16؛ أعمال 17: 6؛ رومية 3: 6؛ غلاطِيّة 6: 14؛ أفسس 2: 2). والكلمات "لذلك، لكنْ، هكذا،" وغيرها، كلمات مهمّة تُشير إلى مسار فكر الكاتب، وقد تُشير القواعد اللغويّة المُتّبعة في مقطع ما إلى مسألةٍ يُشدَّد عليها (مثل لوقا 12: 5). 

كما أنه يمكن لتحديد النوع الأدبيّ أن يساعدنا في فهم ما يقصده الكاتب. فيحتوي الكتاب المُقدَّس على  أجزاء من الأدب الشعريّ، والأدب النبويّ، والأدب الأبوكاليبتيّ أي الرؤيويّ، والأدب التعليميّ، وغيرها من الأنواع. ومن شأن سمات كلّ واحدٍ من هذه الأنواع والأساليب الأدبيّة أن يؤثِّر بالطريقة التي ينبغي فهم النصّ بها. فمثلًا، إن كان النصّ شعرًا، فمن المحتمل أن يحتوي صِيَغًا وصُوَرًا مجازيّةً تُشير إلى معنى يتجاوز اللغة الظاهرة. وهذا ينطبق على الأسلوب الأبوكاليبتي الرؤيوي. وإن كان النصّ روايةً تاريخيّة، فإنّ القصد منها ببساطة أن تروي سلسلةً من الأحداث، ولكنّ يمكن أن تُشير هذه الأحداث إلى أحداثٍ لاحقة أو أن تتّخذ مغزى أعظم مع تقدُّم  تاريخ الفداء. 

ويمكن لاستكشاف هذه النواحي في النصّ أن يُخبِرنا  بالمعنى حين كُتِبت ولمن كُتِب لهم. ومن هنا، يمكننا أن نحاول فهم ما يعنيه النصّ لنا جميعًا الآن. تتضمّن هذه العملية تحديد معنى النصّ في ضوء مجيء المسيح.  فعلى ضوء مجيء المسيح، نتساءل كيف ينبغي أن نفهم وصيّةً ما أو قصّةً مُعيَّنة؟ هل ينبغي لنا، نحنُ أعضاءَ كنيسة العهد الجديد، أن نرى وعدًا ينبغي أن نؤمن به، أو وصيّةً ينبغي أن نطيعها، أو تحذيرًا ينبغي أن نصغي إليه، أو حقًّا ينبغي أن نفهمه، أو دواءً ينبغي أن نتناوله ونستخدمه؟ [الفكرة غامضة هنا أو غير كاملة] 

ينبغي لنا أن نفسِّر الكتاب المُقدَّس بحسِّ المسؤوليّة.

 حيث أن الله هو الكاتب الأسمى للكتاب المُقدَّس، فإنّه الوحيد الذي يعطي تفسيرًا قاطعًا ونهائيًّا. هذا يعني أنّ الكتاب المُقدَّس يفسِّر الكتاب المُقدَّس. يصرِّح إقرار إيمان وستمنستر: "إنّ القانون المعصوم لتفسير الكتاب المُقدَّس هو الكتاب المُقدَّس نفسه؛ وبالتالي، عندما يكون هناك سؤال حول المعنى الصحيح والكامل لأيّ نصٍّ كتابيّ (المعنى الذي هو ليس متعدِّدًا بل واحدٌ)، لا بدّ من البحث عنه ومعرفته من خلال مواضع أخرى تتكلَّم بوضوح أكثر" (إقرار إيمان وستمنستر 1: 9).  فيجب علينا أن ننظر في مواقع أخرى من الكتاب المُقدَّس من أجل تسليط الضوء على مقاطع صعبة. فالتفسير النهائيّ والقاطع للكتاب المُقدَّس موجود ضمن الكتاب المُقدَّس، وليس باللجوء إلى مرجعيّات سلطة أخرى، مثل التقليد أو قادة الكنيسة أو الآراء الشخصيّة. 

ويقول إقرار إيمان وستمنستر أيضًا إنّه يمكن الكشف عن رسالة الكتاب المُقدَّس "بالاستخدام المناسب للوسائط العاديّة" (إقرار إيمان وستمنستر 1: 7). تنبغي قراءة الكتاب المُقدَّس بطريقةٍ عاديّة، مثل أيّ كتابٍ آخر، باستخدام قواعد اللغة الاعتياديّة وغيرها،  وتجنّب اتّخاذ نصّ الكتاب المُقدَّس مجرَّد نقطة انطلاق للتخمين والتفسير المجازيّ وشطحات الخيال. كما ينبغي قراءته بجدّيّة "بالاستخدام المناسب للوسائط العاديّة." فلا يمكن أن يعامل الإنسان الكتاب المُقدَّس بعبثيّة وعدم جدّيّة، ومن ثمّ يُعلِن أنّه غير قابل للفهم. 

وفي النهاية، نحنُ نريد أن نعرف ما يقوله لنا الكتاب المُقدَّس  عن طبيعة  الله  وعمله لأجلنا في المسيح. يمتلئ كلّ مقطعٍ كتابيّ بالمعنى الذي يمكن تطبيقه على حياتنا، ومع هذا من المهمّ أن نرى كيف تنبع هذه التطبيقات وتتدفَّق من اتّحادنا بالمسيح من خلال الإيمان. فليست لدينا وعود غير مشروطة بحياةٍ ناجحة. فمثلًا، في إرميا 29: 11 أعلن الله رجاء البركة لبني إسرائيل المسبيّين في بابل، ولكنّ المسيحَ، ابنَ الله الطائع طاعةً كاملةً وإسرائيلَ الحقيقيَّ، ورث كلَّ وعود الله واستحقَّ كلَّ مكافآته. وبفضل اتّحادنا به ننال بركاتٍ لا حصر لها (أفسس 1: 3-11). هذا هو الخبر السارّ، وهو يُكشَف ويُعلَن في كلِّ واحدةٍ من صفحات الكتاب المُقدَّس. 

هذه المقالة واحدةٌ من سلسلة مقالاتٍ في علم التفسير. 


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

كيفن جاردنر
كيفن جاردنر
كيڤن د. جاردنر هو محرر مشارك في مجلة Tabletalk، وأستاذ مساعد مقيم في كلية الكتاب المقدس للإصلاح Reformation Bible College في سانفورد بولاية فلوريدا، وشيخ معلم في الكنيسة المشيخية في أمريكا PCA .