
ما هو علم التفسير
۱۰ أبريل ۲۰۲٦كيف نَقرأُ الشِّعرَ العِبريَّ؟
عَرَّف الشاعرُ الإنجليزيُّ صموئيل تايلور كوليردچ الشِّعرَ بأنَّه: "أفضلُ كلماتِ في أفضلِ ترتيبٍ." وفي زمنٍ يَسخَرُ فيه كثيرونَ من الشِّعرِ ويُهمِلونَه، نحتاجُ نحنُ المسيحيِّينَ إلى استعادةِ المَحبَّةِ له، لا سيَّما وأنَّ ثُلثَ العهدِ القديمِ قد كُتِبَ بصيغة شعريّة.
لكنَّ قراءةَ الشِّعرِ تكونُ أحياناً صعبةً؛ فالشِّعرُ يوسِّعُ حدودَ اللغةِ، ويَفترِضُ من القارئِ جهدًا كبيرًا لِمَلء الفراغاتِ. ولكن، إنْ كانَ اللهُ قد رَأى أنَّ الأفضلَ أن يُعلِنَ هذا القَدرَ الكبيرَ من كلمتِه في صورةِ شِعرٍ، فلابُدَّ أن نتعلَّمَ كيف نُجيدُ قراءتَه. إليكَ أربعَ نصائحَ تساعدكَ على قراءةِ شِعرِ العهدِ القديمِ قراءةً نافعةً.
- احتضن دِقَّةَ التَّوازِي
غالبًا ما يستخدمُ الشِّعرُ الإنجليزيُّ القافيةَ والوزن، أي تَناسُقَ الأصواتِ في أواخرِ الأبياتِ. لكنَّ الشِّعرَ العبريَّ يربطُ الأبياتِ معًا من خلالِ التَّوازِي. وأكثرُ أنواعِ التَّوازِي شيوعًا هما: التَّوازِي التَّرادُفِي، حيث يُقدِّمُ الشطرانِ معنًى متقاربًا؛ والتَّوازِي المتضاد، حيث يُقارِنُ الشطرانِ بين موقفين متعاكسين (مثل مزمور ١: ٦، وأمثال كثيرة، كما جاء في أمثال ١٠: ١).
يظنُّ البعضُ أنَّ التوازيَ التَّرادُفِيَّ مجرَّدُ تَكرارٍ للمعنى، لكنَّ الواقعَ أنَّ الشَّطرَ الثاني دائمًا يُضيفُ بُعدًا جديدًا. مثلًا:"فَٱلآنَ يَا أَيُّهَا ٱلْمُلُوكُ، تَعَقَّلُوا تَأَدَّبُوا يَا قُضَاةَ ٱلْأَرْضِ" (مزمور ٢: ١٠).
ففي الشطرِ الثاني، يُوسِّعُ الشاعرُ خطابَه إلى ما هو أبعد من الملوك ليشملَ جميعَ قادة الأرض، ويُوضِّحُ أنَّ التَّعقُّلَ يعني الخضوعَ لتحذيرِ اللهِ، حيث أنه نصَّبَ ابنَهُ مَلِكًا عظيمًا (مزمور ٢: ٥–٩).
توقَّعْ أنواعًا متعدِّدةً من التَّوازي. فبعضُ الأشطارِ تُقدِّمُ مقارنةً (مزمور ١٠٣: ١١)، وبعضُها يُشكِّلُ قصَّةً من جزأينِ (مزمور ٣: ٤)، وبعضُها يُكمِّلُ ببساطةٍ الجملةَ الَّتي بدأها الشطرُ الأوَّلُ (مزمور ١١١: ٦). والسُّؤالُ دائمًا: كيفَ يُكمِّلُ الشطرُ الثَّاني ما بدأه الأوَّلُ؟
- استمتع بالاستِعارات
الاستعارةُ هي شريان حياة الشِّعرِ (لاحظِ الاستعارة!). فهي تُقدِّمُ رؤًى قويَّةً لواقعِنا. تأمَّلْ مثلًا إرميا ٢: ١٣.
"لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ:
تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ ٱلْمِيَاهِ ٱلْحَيَّةِ،
لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لَا تَضْبُطُ مَاءً."
لِفَهمِ الاستعاراتِ، نحتاجُ إلى التملي في الصور. فالينبوعُ هو نبعٌ يَتفجَّرُ منه الماءُ طبيعيًّا من باطنِ الأرضِ—ماءٌ صافٍ عذبٌ، مجّانيٌّ ومتدفِّقٌ دائمًا. فهكذا هو صلاحُ اللهِ الفيَّاضُ. على النقيض من ذلك، فالبئرُ هو عبارة عن حفرةٌ ضيِّقةُ الفتحةِ، تُنحَتُ في الصَّخرِ، وتحتاجُ ِ للطلاءِ لتجنّب التسرب — أي تحتاجُ إلى جهدٍ شاقٍّ. وحتَّى حين تَحتفِظُ الخزَّاناتُ بالماءِ، فإنَّه يَرْكُدُ ويتعفَّنُ. والأصنامُ هي كآبارٍ مُشَقَّقةٍ: لا تَحتفِظُ حتَّى بالماءِ، بل لا يبقى فيها إلَّا الوَحلُ النَّتِنُ. ومأساةُ الخطيَّةِ أنَّنا نستبدلُ نبعَ ماءِ الحياةِ بآبارٍ مُشَقَّقةٍ. ويمكنُ أن يُساعِدَنا قاموسٌ كتابيٌّ جيِّدٌ، أو كتابُ دراسةٍ كتابيَّةٍ، في فَهمِ الصُّوَرِ المُستخدَمةِ في ثقافةِ الشَّرقِ الأدنَى القديمِ بشكلٍ أفضل.
أعطانا اللهُ الشِّعرَ لكي َ نستمتع بكلمتِه إلى أقصى حدّ.
أمرٌ آخرُ ينبغي ملاحظتُه، وهو أنَّ الاستعاراتِ تأتي في كثير من الأحيان كمجموعاتٍ مترابطة. ففي مزمور ١: ٣ نقرأ:
"فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي ٱلْمِيَاهِ،
ٱلَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ،
وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ.
وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ."
في هذهِ الاستعارةِ، يُشبَّهُ الشخص الإسرائيليُّ التقيُّ بالشَّجرةِ. لكنَّ استعاراتٍ أُخرى هي حاضرةٌ أيضًا: فالرَّبُّ هو الزَّارعُ الَّذي غَرَسَ الشَّجرةَ في موضِعٍ خِصبٍ، وثَمَرُة الشَّجرةِ هي أعمالُ القديس الصالحة. فما أروعَ أن نَرى الرَّبَّ بصفتِهِ الزَّارعَ الَّذي يَعتني بنا! وعندما تواجه استعارةً في النَّصِّ، دَعْها تتغلغل في ذهنك، وتأمَّلْها مليًّا. واسألْ نفسَكَ، ما الاستعاراتُ الأُخرى الَّتي تتضمَّنُها الاستعارةُ الأساسيَّةُ؟
- يجب تمييز المتكلِّم
أحيانًا نَرتبكُ من شِعرِ العهدِ القديمِ لأنَّنا نُهمِلُ سؤالًا مهمًّا: مَنِ هو المُتكلِّمُ؟ فكثيرًا ما يُجسِّدُ شعراءُ العهدِ القديمِ حوارًا دراميًّا بين الرَّبِّ وشعبِهِ، وأحيانًا يحدث تغيير المُتكلِّمُ دونَ إعلانٍ صريحٍ عنه. ومثالٌ بارز نجده في إرميا ٨: ١٨–٢٠، حيث يحدث تغيير المُتكلِّمُ ثلاثَ مرَّاتٍ. إليكَ النَّصَّ مع تحديدِ المُتكلِّمين:
]إرميا]
مَنْ مُفَرِّجٌ عَنِّي ٱلْحُزْنَ؟
قَلْبِي فِيَّ سَقِيمٌ.
هُوَذَا صَوْتُ ٱسْتِغَاثَةِ بِنْتِ شَعْبِي مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ:
]الشعب]
أَلَعَلَّ ٱلرَّبَّ لَيْسَ فِي صِهْيَوْنَ،
أَوْ مَلِكَهَا لَيْسَ فِيهَا؟
]الرّبّ]
لِمَاذَا أَغَاظُونِي بِمَنْحُوتَاتِهِمْ، بِأَبَاطِيلَ غَرِيبَةٍ؟
]الشعب]
مَضَى ٱلْحَصَادُ، ٱنْتَهَى ٱلصَّيْفُ، وَنَحْنُ لَمْ نَخْلُصْ!
ففي كلِّ حالةٍ، يُمكنُنا تَمييزُ المتكلِّمِ بالاستنادِ إلى السِّياقِ والدَّلالاتِ الواردةِ في الكلامِ نفسِه. والتعلم على طرحِ السؤال: “مَن هو المتكلِّم؟” يُساعِدُ على حل النصوص المربكة.
- استمتع بكلماتِ الله المصوغة ببراعةٍ
لم يُعطِنا اللهُ هذا الكمَّ من كلمته في قالبٍ شعريّ لقصد ارباكنا، بل لكي نستمتع بكلمتِه إلى أقصى حدٍّ. أَحِطْ نفسكَ بمؤمنينَ آخرينَ لكي يساعدونك على تذوُّقِ شِعرِ الكتابِ المقدَّسِ. واقرأ شِعرًا جيّدًا في لغتك. وسرعانَ ما ستجدُ نفسكَ تستمتعُ أكثر فأكثرَ بشِعرِ الكتابِ المقدَّسِ.
هذه المقالة واحدةٌ من سلسلة مقالاتٍ في علم التفسير.
تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

