كيف نَقرأُ الشِّعرَ العِبريَّ؟

۱۷ أبريل ۲۰۲٦

كيف نَقرأُ الشِّعرَ العِبريَّ؟

۱۷ أبريل ۲۰۲٦

كيف نقرأُ الشريعةَ الكتابيَّةَ؟

 إنَّ شريعةَ اللهِ، المعروفةَ أيضًا بأسفارِ موسى الخمسةِ، أو الناموسِ (التكوين، الخروج، اللاويِّين، العدد، والتثنية)، ليست دائمًا سهلةَ الفهمِ. والمنهجُ السليمُ لفهمِ الناموسِ يقتضي التأكيدَ   أنه من المستطاع أن نتعلَّمَ من جميعِ شرائعِ العهدِ القديمِ، بالرغم من عدم التزامنا ببعضِ هذه الشرائعِ اليومَ، لأنَّها قد أكملت في المسيحِ.  ونطرح فيما يلي عدد من المبادئَ التي تُساعِدُنا على فَهمِ هذا النَّوعِ الأدبيِّ الكتابيِّ.

  1.  هناك ثلاثة أقسام مهمة للقانون

 يحتوي النَّاموسُ عادةً على ثلاثةِ أقسامٍ رئيسيَّةٍ: النَّاموسُ الأدبيُّ (الأخلاقيُّ)، والنَّاموسُ الطقسيُّ، والنَّاموسُ المدنيُّ. يُلخَّصُ النَّاموسُ الأدبيُّ في الوصايا العشر، وهي عباراتٌ مُطلقةٌ وشاملةٌ، لا ترتبطُ بعقوباتٍ مُعيَّنةٍ، وقد كُتِبَت بإصبعِ اللهِ (خروج ٣١: ١٨). وتُعَدُّ هذه الوصايا أساسًا لبقيَّةِ الشَّرائعِ في العهدِ القديمِ، ويستشهدُ بها الرُّسُلُ على أنَّها لا تزالُ مُلزِمةً للمؤمنينَ اليومَ (رومية ١٣: ٨–١٠؛ أفسس ٦: ١).

أمّا النَّاموسُ الطَّقسيُّ، فيركِّزُ على عبادةِ شعبِ إسرائيلَ، وعلى أمور الطَّهارةِ والنَّجاسةِ، إذ لا يستطيعُ الإنسانُ النَّجِسُ أن يَعبُدَ في خيمةِ الاجتماعِ. ويشمَلُ هذا القسمُ شرائعَ الذَّبائحِ (لاويين ١–٧)، والطَّعامِ (لاويين ١١)، والأحكامَ المرتبطةَ بأوضاعِ النَّجاسةِ المختلفةِ (لاويين ١٢–١٥).

وأمّا النَّاموسُ المدنيُّ، فيختصُّ بتنظيمِ حياةِ شعبِ إسرائيلَ، ويتضمَّنُ أحكامًا تتعلَّقُ بالقُضاةِ الَّذينَ يُطبِّقونَ النَّاموسَ (تثنية ١٧: ٨–١٣)، وأوضاعًا اجتماعيَّةً كالعُبوديَّةِ والممارسات القسريّة (خروج ٢١: ١–١١؛ لاويين ٢٥: ٣٩–٥٥)، وغيرها من الحالات التي تستدعي تنظيمَ سلوكِ البشرِ (خروج ٢١: ١٢–٢٦؛ لاويين ٢٤: ١٧–٢٣؛ تثنية ١٩: ١–٢٢: ٨). وعلى الرَّغمِ من أنَّ التَّمييزَ بين النَّواميسِ الأدبيَّةِ (الأخلاقيَّةِ) والطَّقسيَّةِ والمدنيَّةِ ليسَ مطلقًا، فإنَّه يُعَدُّ أداةً تعليميَّةً نافعةً، ويجِدُ ما يُؤيِّدُه في العهدِ الجديدِ من طريقةِ استشهادِ الرُّسُلِ بنواميسِ العهدِ القديمِ.

  1. يوجد ثلاثة  استخداماتٍ أساسيَّةٌ للناموس

مِنَ الطُّرُقِ الشَّائِعَةِ لِتَفْسِيرِ كَيْفِيَّةِ ارْتِبَاطِ الشَّرِيعَةِ بِحَيَاةِ شَعْبِ اللهِ ما يُعْرَفُ بِـ”الاسْتِخْدَامَاتِ الثَّلَاثَةِ لِلنَّامُوسِ”. فَالشَّرِيعَةُ تَتَضَمَّنُ لَعَنَاتٍ تَنْطَبِقُ عَلَى شَعْبِ اللهِ عِنْدَمَا لا يَثِقُونَ بِهِ، وَيُصِرُّونَ عَلَى الْعِصْيَانِ. وَهَذَا هُوَ الاسْتِخْدَامُ الأَوَّلُ لِلنَّامُوسِ، أَيْ إِنَّ الشَّرِيعَةَ تَعْمَلُ كَمِرْآةٍ تُظْهِرُ لَنَا حَاجَتَنَا إِلَى الْفِدَاءِ. أمَّا الاستخدامُ الثَّاني، فيشيرُ إلى الوظيفةِ الرَّدعِيَّةِ للنَّاموسِ، إذ تُحذِّرُ الناسَ من النَّتائجِ المدنيَّةِ لِكَسرِها. ويُسلِّطُ الاستخدامُ الثَّالثُ الضَّوءَ على بركاتِ ناموسِ اللهِ. فالشَّريعةُ أُعطِيَتْ لشعبِ اللهِ في إطارِ الفِداءِ (خروج ٢٠: ٢)، ليعيشوا حياةً تُرضِي اللهَ. وبهذا المعنى، يعملُ النَّاموسُ على تقديسِنا، ويُساعِدُنا على النُّموِّ في علاقتِنا باللهِ.

 وكمثال على تفويض العهدِ الجديدِ على الاستخداماتِ الثَّلاثةِ للنَّاموسِ، نُلاحِظُ مثلًا كيفَ يتعاملُ مع الوصيَّةِ السَّادسةِ: “لا تقتلْ”. فهي تُستَخدَمُ في السِّياقِ الأوَّلِ في يعقوبَ ٢: ٩–١١، وفي السِّياقِ الثَّاني في ١ تيموثاوس ١: ٩–١٠، وفي السِّياقِ الثَّالثِ في رومية ١٣: ٩–١٠. ونحنُ مُدانونَ بالنَّاموسِ لأنَّنا خالفناه، لكنَّ الخبرَ السَّارَّ هو أنَّ المسيحَ قد أكمل النَّاموسَ نيابة عنَّا بحِفظِهِ الكاملِ له. فَنَحْنُ وَاقِفُونَ أَمَامَ اللهِ قَاضِينَا مُبَرَّرِينَ بِالإِيمَانِ بِمَا صَنَعَهُ الْمَسِيحُ مِنْ أَجْلِنَا. أمَّا في التَّقديسِ، فنحنُ نرتبِطُ باللهِ كأبٍ، ويُصبِحُ النَّاموسُ بركةً تُعينُنا على النُّموِّ في علاقتِنا به.

  1. يجب فهم شريعةُ العهدِ القديمِ على ضوءِ مجيءِ المسيحِ

لقد طرأتْ تغيُّراتٌ معيَّنةٌ عندَما أكمل المسيحِ  الشريعة وتحقيقِهِ لمتطلَّباتِ النَّاموسِ، ما أثَّرَ على كيفيَّةِ تعاملِ شعبِ اللهِ معها اليومَ.

فمع أنَّ الشَّريعةَ الأدبيَّةَ لا تزالُ مُلزِمَةً، إلَّا أنَّ بعضَ عناصرِها الطَّقسيَّةِ تأثَّرتْ بمجيءِ المسيحِ. فعلى سبيلِ المثالِ، كانَ يومُ الرَّاحةِ والعبادةِ بحسبِ الوصيَّةِ الرَّابعةِ هو اليومَ السَّابعَ، تَذْكارًا للخلقِ والفداءِ (خروج ٢٠: ٨–١١؛ تثنية ٥: ١٢–١٥). أمَّا في العهدِ الجديدِ، فإنَّ المؤمنينَ يعبدونَ في اليومِ الأوَّلِ من الأسبوعِ، لأنَّ قيامةَ المسيحِ دشَّنَتِ الخليقةَ الجديدةَ. ونحنُ نفرحُ بانتصارِهِ على الخطيَّةِ والموتِ، وننتظرُ راحتَنا الأبديَّةَ الأخيرةَ عندَ مجيئِهِ ثانية (رؤيا ١: ١٠؛ عبرانيين ٤: ١–١١).

وترتبطُ الشَّريعةُ المدنيَّةُ بإسرائيلَ كأمَّةٍ، وهي تضعُ مبادئَ للبِرِّ أُعطِيَتْ من الملكٍ البارٍّ، ويمكنُ أن تكونَ نافعةً  لقادة العالمِ وحياةِ المؤمنينَ، حتَّى إنْ لم تُطبَّقْ حرفيًّا كما وردتْ (راجِعْ إقرارَ إيمانِ وستمنستر ١٩: ٤ بشأنِ "العدالةِ العامَّةِ" في النَّاموسِ المدنيِّ). وقد ربطَ الرُّسُلُ بين عقوبةِ الموتِ في الشَّريعةِ المدنيَّةِ وإمكانِيَّةِ الفَرزِ أو الحِرمانِ الكنسيِّ في التَّأديبِ الكنسيِّ، لأنه يملك التأثيرٍ في حفظِ طهارةِ شعبِ اللهِ (راجعْ ١ كورنثوس ٥: ١٣؛ تثنية ١٧: ٧).

أمَّا الشَّريعةُ الطَّقسيَّةُ، الَّتي تُنظِّمُ الذَّبائحَ (ومبادئ الطهارة والنجاسة والطقوس المرتبطة بالهيكل)، فقد أُبطِلَتْ وتحقَّقَتْ بعملِ المسيحِ. فهو الذَّبيحةُ المُقدَّمةُ للهِ، ولهذا لا نُقَدِّمُ ذبائحَ ضمنَ عبادتِنا (عبرانيين ١٠: ١١–١٤).  فهو الهيكلُ الحقيقيُّ الَّذي يُعلِنُ حضورَ اللهِ، ولهذا لا نعبدُ في موضعٍ جغرافيٍّ معيَّنٍ، بل نعبدُ "بالرُّوحِ والحقِّ" في كلِّ مكانٍ (يوحنَّا ٢: ١٩؛ ٤: ٢٤). كما أنَّ بعضَ التَّشريعاتِ المرتبطةِ بالطَّعامِ والدَّمِ لم تَعُدْ تُنَجِّسُ شعبَ اللهِ، لكي يتمكَّنَ اليهودُ من تبشيرِ الأُممِ، تحقيقًا للإرساليَّةِ العُظمى (متَّى ٢٨: ١٩–٢٠؛ أعمال ١٠: ٩–١٤).

وأمَّا لأتباع المسيحَ، فالشَّريعةُ هي صالحة لهم :

"كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ! 

ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ هِيَ لَهَجِي." (مزمور ١١٩: ٩٧).

هذه المقالةُ واحدةٌ من سلسلةِ مقالاتٍ في علمِ التفسير.


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

ريتشارد ب بالشر جونيور

ريتشارد ب بالشر جونيور

الدكتور ريتشارد ب. بالشر جونيور هو بروفيسور جون د. وفرانسيس م. جوين لمادّة العهد القديم، والعميد الأكاديمي في معهد اللاهوت المُصلح في شارلوت، كارولاينا الشماليّة، وهو شيخ معلّم في الكنيسة المشيخيّة في أميركا. ألّف العديد من الكتب، بما في ذلك The Fulfillment of the Promises of God: An Explanation of Covenant Theology.