كيف نقرأُ الشريعةَ الكتابيَّةَ؟

۲٤ أبريل ۲۰۲٦

هل عِلْمُ اللاهوتِ النِّظاميِّ مُفيدٌ؟

۸ مايو ۲۰۲٦

كيف نقرأُ الشريعةَ الكتابيَّةَ؟

۲٤ أبريل ۲۰۲٦

هل عِلْمُ اللاهوتِ النِّظاميِّ مُفيدٌ؟

۸ مايو ۲۰۲٦

كيف نَقرأُ أَدَبَ الحِكمَة؟

"بَدْءُ ٱلْحِكْمَةِ مَخَافَةُ ٱلرَّبِّ" (أمثال ٩: ١٠؛ راجع أيضًا أيُّوب ٢٨: ٢٨؛ مزمور ١١١: ١٠؛ أمثال ١: ٧). ورغمَ وجودِ مُعلِّمينَ غيرِ مسيحيينَ قدَّموا أفكارًا ثاقبةً على مرِّ العصورِ، إلَّا أنَّ كلَّ حكمةٍ حقيقيَّةٍ تصدُرُ في النِّهايةِ "من فوق"—أي من اللهِ الثالوثِ (أفسس ١: ١٧؛ كولوسي ٢: ٣؛ يعقوب ٣: ١٥، ١٧). ولا يُمكنُ للحكمةِ أن تجدَ تحقيقَها الكاملَ إلَّا في أولئك الذين يتَّقونَ اللهَ ويعبدونَه.

لكنَّ الأمرَ لا يتوقَّفُ عندَ هذا الحدِّ، إذ ليس كلُّ مؤمنٍ مسيحيٍّ يُظهِرُ الحكمةَ في سلوكِه. فكثيرًا ما يتصرَّفُ المؤمنونَ بحماقةٍ وطيشٍ، فيجلبونَ العارَ على أنفسِهم وعلى اسمِ اللهِ (انظرْ حزقيال ٣٦: ٢٠؛ رومية ٢: ٢٤؛ ١ كورنثوس ٦: ٥؛ ١ كورنثوس ١٥: ٣٤). ويُعلِنُ الكتابُ أنَّ الحكمةَ تُعطى لمن يطلبُها (يعقوب ١: ٥). وبصورةٍ خاصَّةٍ، أوحى الرُّوحُ القدسُ بأسفارٍ منوَّعةٍ من أدبِ الحكمةِ—مثل الأمثالِ وأيُّوبَ والجامعةِ—لأجلِ هذا الغرضِ تحديدًا. فكيف ينبغي للمؤمنِ أن يقرأَ أدبَ الحكمةِ قراءةً نافعةً؟

1. اعترف بمدى السهولة بأن نصبح حكماء في أعين أنفسنا

يَنبغي أوَّلًا أن نقرأَ أدبَ الحكمةِ ونحنُ نعترفُ بمدى سهولةِ أن يصيرَ الإنسانُ "حكيمًا في عيني نفسِه"، وهي مشكلةٌ خطيرةٌ يُشيرُ إليها سفرُ الأمثالِ مرارًا (أمثال ٣: ٧؛ ١٢: ١٥؛ ٢٦: ٥؛ ٢٨: ١١؛ انظرْ أيضًا إشعياء ٥: ٢١). بل إنَّ من هو "حكيمٌ في عيني نفسِه" هو أسوأُ حالًا من "الجاهلِ" بحسبِ المفهومِ الكتابيِّ (أمثال ٢٦: ١٢). ومن علاماتِ هذا المرضِ الرُّوحيِّ: رفضُ مشورةِ الأتقياءِ (أمثال ٢٦: ١٦) — لا سيّما مشورةُ الوالدَينِ (أمثال ١: ٨؛ ٤: ١؛ ٢٣: ٢٢؛ ٣٠: ١٧) — والإصرارُ على كسبِ كلِّ جدالٍ (جامعة ٧: ١٥–١٦). فليَحذَرِ المؤمنُ من ردودِ الفعلِ الغريزيّةِ الَّتي تُضاعفُ تَشبُّثَه برأيهِ حينَ يواجِهُ اعتراضًا من مؤمنينَ ناضجينَ روحيًّا. بل ينبغي دائماً أن يُظهِرَ المسيحيُّ روحًا قابلةً للتَّعليمِ. 

2. ابحَثْ عن الأنماط العامَّةِ

يَنبغي أن يَقرأَ المرءُ أدبَ الحِكمةِ لِيَتعلَّمَ الأنماط العامَّةَ لِكَيْفِيَّةِ سيرِ الأُمورِ في العالَمِ عادةً، وأن يَسْلُكَ وَفْقًا لها. فعلى وجهِ العموم، الذينَ يسلكونَ في "مَخافةِ الرَّبِّ" ويسعونَ للعملِ بوصاياهُ يَختبِرونَ درجاتٍ من الازدهارِ، "كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي ٱلْمِيَاهِ" (مزمور ١: ٣).  يتم التعامل مع مصطلح الحكمة التقليديّة على أنَّه مُصطلحٌ سلبيٌّ، لكنَّ الكتابَ المقدَّسَ نفسَهُ يجمَعُ خِزانةً غنيَّةً من هذه الحكمةِ ليُورِثَها لأجيالِ شعبِ اللهِ المُتعاقبةِ. ويُحسِنُ القارئُ عندما يصغي إلى هذه الحكمةِ المُتعارَفِ عليها بدلًا من تجاهُلِها، وافتِراضِ أنَّه سيكونُ استثناءً للقاعدةِ العامَّةِ لكيفيَّةِ جريانِ الأمورِ. فالمسيحيُّ الذي يَظُنُّ، مثلًا، أنَّه يستطيعُ أن يزدهرَ روحيًّا وهو يَتجنَّبُ الاجتماعاتِ الجماعيَّةَ للكنيسةِ، لا يُهمِلُ فقط وصيَّةَ الكتابِ، بل أيضًا حِكمةَ عددٍ لا يُحصى من المؤمنينَ عبرَ العصورِ، ممَّنِ اختبروا بركةً لا تُقدَّرُ بثمنٍ، لا تُنالُ إلَّا حينَ تجتمِعُ الكنيسةُ باسمِ المسيحِ (متّى ١٨: ٢٠).

3. لاحظِ الاستثناءاتِ من القواعدِ العامّة

ثالثًا، ينبغي أن يقرأَ المرءُ أدبَ الحكمةِ مُلاحظًا الاستثناءاتِ "المذهلة للقواعد"، الأمرُ الذي يُظهِرُ الحاجةَ إلى التَّمييزِ، والاتّكالِ الدائمِ على الرَّبِّ. إنَّ اختبارَ أيُّوبَ، وما يُعلِّمه سفرُ الجامعةِ مرارًا، يُبرهِنانِ أنَّه في بعضِ الأحيانِ لا تنطبقُ الأنماطُ العامَّةُ للحياةِ. فالأبرارُ يتألَّمونَ أحيانًا بدلًا من أن يزدهروا، والجهّالُ يَنجَحونَ بدلًا من أن يُعانوا. ولنأخذْ مثلًا من العهدِ الجديدِ: ففي ظروفٍ عصيبةٍ مُعيَّنةٍ، يَحُثُّ الكتابُ المؤمنينَ على الامتناعِ عن الزواجِ (١ كورنثوس ٧: ٢٥–٢٦)، رغمَ أنَّه يتوقَّعُ في العمومِ أن يجدَ أغلبُ المؤمنينَ "معينًا نظيرَه" ليُكوِّنوا أُسرًا ويمارسوا السيادةَ على الأرضِ (تكوين ١: ٢٦–٣٠؛ ٢: ١٨–٢٥). وإدراكُ وجودِ هذه الاستثناءاتِ من الأنماطِ العامَّةِ يدفعُ المؤمنَ إلى أن يُواجِهَ كلَّ موقفٍ بحسبِ معطياته، في الصلاةِ، طالبًا منَ الربِّ حكمةً وتمييزًا ليَعرِفَ كيفَ يتصرَّفُ على نحوٍ يُمجِّدُ الله.

4. تعلَّمْ كيفَ تُمارِسُ التَّمييزَ والاتِّكالَ على الرَّبِّ

رابعًا، ينبغي أن يقرأَ المرءُ أدبَ الحكمةِ ليتعلَّمَ كيفَ يُميِّزَ بينَ الخياراتِ "الفاضل"   أو "الأفضل" في موقفٍ معيَّنٍ، لا بالضَّرورةِ بينَ خيارٍ "صحيحٍ" وآخرَ "خاطئٍ" . فالكتابُ المقدَّسُ يُقدِّمُ بالفعلِ العديدَ من القواعدِ المُطلقةِ لما هو صوابٌ أو خطأ، وما هو مأمورٌ به أو منهيٌّ عنه. ولكنْ، كثيرٌ من قراراتِ الحياةِ لا تتعلَّقُ فقط بما هو صوابٌ أو خطأ. فمثلًا، المؤمنُ الَّذي يقبلُ المبدأَ الكتابيَّ بأنْ يتزوَّجَ "في الرَّبِّ" (١ كورنثوس ٧: ٣٩؛ قارِنْ مع ٢ كورنثوس ٦: ١٤)، لا يزالُ أمامَه عددٌ كبيرٌ من الخياراتِ الممكنةِ لشريكِ الحياةِ. لذا، يحتاجُ إلى حكمةٍ وبصيرةٍ ليُميِّزَ مَن الأنسبُ له. وكثيرٌ من قراراتِ الحياةِ الأُخرى—كالتَّعليمِ، أو المهنةِ، أو مكانِ الإقامةِ—لا تقومُ على مفاضلةٍ مباشرةٍ بينَ ما هو صوابٌ وخطأ، بل بينَ خياراتٍ تتراوحُ من "الجَيِّدِ" إلى "الفاضل"، ثم إلى "الأفضل".

وشُكرًا للرَّبِّ، لأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يفيضُ بتعاليمَ مليئةٍ بالحكمةِ، ولأنَّ الرَّبَّ وَعَدَ بأنْ يُباركَ بالرُّوحِ القُدُسِ كلَّ مَن يطلبُه بتواضعٍ (لوقا ١١: ١٣).

هذه المقالة واحدةٌ من سلسلة مقالاتٍ في علم التفسير.


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

ماكس ف. روجلاند

ماكس ف. روجلاند

الدكتور ماكس ف. رجولاند (Max F. Rogland) هو الراعي الأوّل في "كنيسة روز هِل المشيخيّة" (Rose Hill Presbyterian Church)، وأستاذ مشارك للعهد القديم في "كلّيّة إرسكاين للّاهوت" (Erskine Theological Seminary) في مدينة كولومبيا بولاية ساوث كارولاينا.