ما هو علم التفسير الاستقصائيّ

۳ أبريل ۲۰۲٦

كيف نَقرأُ الشِّعرَ العِبريَّ؟

۱۷ أبريل ۲۰۲٦

ما هو علم التفسير الاستقصائيّ

۳ أبريل ۲۰۲٦

كيف نَقرأُ الشِّعرَ العِبريَّ؟

۱۷ أبريل ۲۰۲٦

ما هو علم التفسير

"اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ ِللهِ مُزَكُى، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَةِ" (2تيموثاوس 2: 15). تذكِّرنا هذه الكلمات التي قالها الرسول بولس لتلميذه المُقرَّب تيموثاوس بمسؤوليّتنا بأن نفسِّر كلمة الله باستقامة. فقد كلَّمنا الله بكلمته، ففَهْمُنا لما يقوله أمرٌ بالغ الأهمّيّة.  لذلك نحتاج إلى علم تفسير صحيح وسليم. 

علم التفسير هو علمُ وفنُّ تفسير الكتاب المُقدَّس. إنّه علمٌ لأنّه  كما يوجد قواعد لقيادة السيارة فهناك قواعد لتفسير الكتاب المُقدَّس.  فعندما نجهل هذه القواعد والقوانين،  فيستحيل قيادة السيارة بصورة صحيحة. ولكنْ بالإضافة إلى ضرورة  معرفة المبادئ، ينبغي أيضا معرفة   تطبيقها. ولذا، يمكن أن يُدعى علم التفسير "فنًّا،" وهذا فهمٌ صحيح أيضًا. ولأنّ الكتاب المُقدَّس ليس متجانسًا في طريقة كتابته، إذ يتضمَّن عدّة أساليبَ وأنواعٍ أدبيًةٍ، وكُتِب عبر فترةٍ طويلة من الزمن،  على أيد كُتّاب كثيرين، بلغاتٍ مختلفة، فإنّ معرفة قواعد التفسير التي ينبغي تطبيقها في دراسة أيّ مقطعٍ من أجل معرفة معناه المقصود تتطلّب بصيرةً وفهمًا.  ففي نهاية المطاف، هذا هو هدف علم التفسير: أن  ندرك كيف نفسِّر النصّ لنكتشف المعنى المقصود. 

موضوع الاهتمام الرئيسيّ عند تفسير الكتاب المُقدَّس هو إيجاد المعنى الذي يقصده الكاتب. إحدى المنهجيّات الشائعة جدًّا في دراسة الكتاب المُقدَّس هي قراءة النصّ الكتابيّ، وبعد ذلك طرح السؤال: "ما معنى هذا النصّ بالنسبة إليّ؟" وفيما يسعى المرء إلى أن يطبِّق النصّ على حياته، فمن الضروريٌّ ألا يكون هذا هو السؤال  الرئيسي الذي نطرحه  بشأن نصّ الكتاب المُقدَّس. فينبغي أن يكون السؤال الأوّل: "ما الذي قصد الكاتب أن يوصِله؟" ويمكن أن يسبِّب تجاوُز هذا السؤال أخطاءَ في فهم النصوص الكتابيّة وتطبيقها. وفي ما يلي نُورِد بعض المفاهيم الأساسيّة المتعلِّقة بعلم التفسير التي ستساعدك عند البحث عن المعنى الذي يقصده الكاتب في أيِّ نصٍ كتابيّ.

المنهجيّة التاريخيّة القواعديّة

 استخدم كثيرون على مدى التاريخ من المسيحيّين مستقيمي العقيدة، بمَن فيهم بعض من ينتمون إلى التقليد المصلَح، ما يُدعى "المنهجيّة التاريخيّة القواعديّة/ اللغويّة" من أجل الوصول إلى ما يقصده الكاتب في النصوص الكتابيّة. لهذه المنهجيّة جذورها في مدرسة أنطاكيّة التفسيريّة، وقد استُخدِمت بكثرة في فترة الإصلاح، وما تزال تُستخدَم بصورة واسعة في الكنيسة اليوم.  وهي تركِّز على السياقِ التاريخيّ والأشكال اللغويّة القواعديّة في نصّ الكتاب المُقدَّس. 

وفي ما يختصّ بالسياق التاريخيّ، ينبغي أن يطرح القارئ أسئلةً مثل: مَن هو الكاتب؟ مَن كان القرّاء الأوائل؟ هل يحتوي النصّ الكتابيّ على أيّة إشارات ثقافيّة تتطلَّب مزيدًا من الفحص والدراسة؟ ويتطلب الانتباه إلى الأشكال اللغويّة القواعديّة دراسة معنى الكلمات، وفهم العلاقات النحويّة بين الكلمات، وفهم التراكيب الأدبيّة في النصّ. فمن شأن دراسة هذه الأمور أن تساعد المُفسِّر ليس فقط  على فهم مقطعٍ معيَّن بل  وعلى السؤال  المتعلق بالعلاقة السياقيّة التي تربط هذا المقطع بالمقاطع التي تسبقه والتي تتبعه. وتلخيصًا لأهمّيّة النظر إلى النصّ في سياقه التاريخيّ والقواعديّ المناسب والصحيح نقول: ربما يمكن للدارس أن  يردد ثلاث كلمات مهمة ينبغي تذكُّرها عند دراسة الكتاب المُقدَّس وهي: السياق، السياق، السياق. 

علم التفسير هو علمُ وفنُّ تفسير الكتاب المُقدَّس.

تشدِّد المنهجيّة التاريخيّة القواعديّة/ اللغويّة على تفسير الكتاب المُقدَّس بحسب معناه الحرفيّ. فاللغة والمُصطلحات المُستخدَمة هنا هي مفيدةٌ  لفهمنا لكلمة "حرفيّ" لا بمعنى تجاهل الطبيعة الأدبيّة للنصّ. فلأنّ الكتاب المُقدَّس  أدبي بنصّه، فإنّه كثيرًا ما يتضمّن صِيغًا مجازيًّة بلاغيّة، ورموزًا، وصُوَرًا مجازيّة، ومُحسِّنات أدبيّة بلاغيّة أخرى. ولذا فإنّ تفسير الكتاب المُقدَّس بحسب معناه الحرفيّ يعني التعرُّف إلى هذه المُحسِّنات والأساليب الأدبيّة البلاغيّة في النصّ بصورةٍ صحيحة، ومن ثمّ أخذها جديّاً في الاعتبار في الدراسة والتفسير. وهكذا، فحين يستخدم الكتاب المُقدَّس الرموزَ في الشعر أو النصوص النبويّة، علينا أن نفسِّرها بصورة رمزيّة، وإلّا فإنّنا نخطئ في الوصول إلى المعنى الذي يقصده الكاتب.

قياس الإيمان

لأنّ للكتاب المُقدَّس كاتبًا إلهيًّا، بالإضافة إلى الكتّاب البشريّين، فينبغي وضع قصد الكاتب الإلهيّ في الاعتبار. وفي ضوء هذا، فإنّ أحد المبادئ الأساسيّة في علم التفسير هو مبدأ "قياس الإيمان" أو "قاعدة الإيمان،" وهو المبدأ الذي يقول إنّه ينبغي أن يُفسَّر الكتاب المُقدَّس بالكتاب المُقدَّس. يشرح الفصل الأوَّل من "إقرار إيمان وستمنستر" هذا المبدأ بما يلي: "إنّ القانون المعصوم لتفسير الكتاب المُقدَّس هو الكتاب المُقدَّس نفسه، وبالتالي، عندما يكون هناك سؤال حول المعنى الصحيح والكامل لأيّ نصّ كتابيّ (المعنى الذي هو ليس متعدًّدًا بل واحدٌ)، لا بدَّ من البحث عنه ومعرفته من خلال مواضع أخرى تتكلَّم بوضوح أكثر" (إقرار إيمان وستمنستر 1: 9). 

فبعد التأكيد على أنّ للنصوص الكتابيّة معنى واحد (وهو المعنى الحرفيّ، كما يُعرَّف أعلاه)، يتّفق إقرار الإيمان مع ما يؤكِّد عليه الكتاب المُقدَّس في 2بطرس 3: 16، بأنّ بعض مقاطع الكتاب المُقدَّس أصعب من غيرها للفهم. ولأنّ الله لا يناقِض نفسه، فإنّ كلمته لا تتضمّن تناقُضات. ولذا، حينَ تواجه مقاطع صعبة الفهم في الكتاب المُقدَّس، فمن الضروريٌّ  الاستعانة بمقاطع الكتاب المُقدَّس الأوضح للمساعدة في فهم المقاطع الصعبة. 

المسيح في كلّ الأسفار 

النتيجة التفسيريّة الثانية  المتعلقة بالتأليف الإلهيّ للكتاب المُقدَّس  هي أنّه في حين لا يتناقض قصد الكاتب الإلهيّ مع قصد الكاتب البشريّ، فقد يتجاوز الفهم والقصد الكاملين عند الكاتب البشريّ. وهكذا، حين يتكلَّم إقرار إيمان وستمنستر عن "المعنى الصحيح والكامل،" فإنّه يُقرّ بأنّ إعلان الله اللاحق يُسلِّط ضوءًا على إعلانه السابق. 

يؤكِّد إنجيل لوقا على هذه الحقيقة في ما يدوِّنه عن مقابلة يسوع المُقام مع تلميذيه في الطريق إلى عمواس. يقول لوقا: "ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ" (لوقا 24: 27). وبعد آياتٍ تالية ، حين ظهر يسوع لبقيّة الرسل الأحد عشر، فتح  ذهنهم ليفهموا الكتاب المُقدَّس، وقد شمل هذا "[الْكَلاَمَ] الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ" (لوقا 24: 44). والإشارة الواضحة إلى أجزاء العهد القديم الثلاثة تدلّ على أنّ يسوع يقول إنّ كلّ جزءٍ من أسفار العهد القديم تشهد له. وبالتعامل مع الأنماط والنماذج والرموز بجدّيّة وبحسّ المسؤوليّة، خاصّة بتتبُّع المواضيع والأنماط التي نسجها الكاتبُ الإلهيُّ في كلمته، يمكننا أن نرى كيف تقودُ كلُّ الطرقِ في الكتابِ المُقدَّسِ إلى يسوع.

هذه المقالة واحدةٌ من سلسلة مقالاتٍ في علم التفسير.


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

جاريد جيتر

جاريد جيتر

جاريد جيتر (Jared Jeter) مشرِف في "خدمات ليجونير" وأستاذ غير متفرّغ في "كلّيّة الإصلاح للكتاب المُقدَّس" (Reformation Bible College) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا.