النعمة في فكر بولس
۲ سبتمبر ۲۰۲۰
حياة الملكوت
٤ سبتمبر ۲۰۲۰

العبد المتألم والملك المنتصر

كان يوحنا المعمدان آخر أنبياء "العهد القديم"، ورسالته —"تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ"— تحكي لنا باختصار عن مهمة الأنبياء وكيف نفَّذوها. كانت مهمتهم أن يتكلَّموا بالكلمة التي أعطاها لهم الله، كان هدفهم هو رسالة ملائمة لمعاصريهم، واشتمل أسلوبهم على أخبار عن الأحداث الآتية حتى يتم إنذار الناس وتنبيههم. لذلك، قال يوحنا " تُوبُوا" (وهي رسالة للحاضر)، وتنبأ أيضًا ("قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ")، حتى يمكن للناس هنا والآن أن يستعدُّوا لما هو آتٍ.

كان كل الأنبياء هكذا. لقد اعتدنا على استخدام كلمة "نبوة" بمعنى "التنبُّؤ" لدرجة أننا نقع في خطأ رؤية أنبياء العهد القديم — وأيضًا العهد الجديد، الذي يتطلَّع إلى المجيء الثاني— كما لو كانوا موجودين لكي نقدر أن نكتب تقويمًا أو نرسم خريطةً للمستقبل. ليس كذلك! بل نظر الأنبياء إلى الماضي حيث موسى بصفته "أبًا" لوظيفتهم النبويَّة. لم يأتوا بجديد بل فسَّروا الوديعة الموسويَّة للحق الإلهي. لقد سعوا إلى استرداد شعب "سريع الزيغان" للعودة إلى جذورهم في حدث الخروج، ليسيروا مع الله، لبعض الوقت، كما فعل أجدادهم (إرميا 2: 1-3). ولكنهم في أثناء الدعوة للعودة إلى الإيمان والأخلاقيَّات المُعلنة، كانوا يعزِّزون رسالتهم لتناسب الحاضر عن طريق تنبيه الناس إلى المستقبل.

لكن تذكَّر هذا أيضًا: على الرغم من أن الأنبياء عاشوا منذ زمن بعيد —من عاموس (حوالي 750 ق.م.) إلى ملاخي (حوالي 400 ق.م.)— فإن كلامهم هو ما يقوله الرب لنا أيضًا. عندما أعلنوا: "هكذا يقول الرب"، فإنهم قصدوا هذا بالضبط. كانت كلماتهم هي بالضبط الكلمات التي كان سيستخدمها الرب نفسه لو تكلَّم شخصيًّا وليس من خلال الأنبياء. يا لها من وديعة ثمينة، تلك التي نمتلك في أسفارهم. قال استفانوس إن موسى: "قَبِلَ أَقْوَالًا حَيَّةً لِيُعْطِيَنَا إِيَّاهَا" (أعمال الرسل 7: 38) ويرى كاتب العبرانيين مزمور 95 على أنه شيئًا: "يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُسُ" (3: 7)، ويؤكِّد على أنه في إرميا 31: 31-34: "يَشْهَدُ لَنَا الرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضًا" (10: 15). فالكلمة القديمة هي الكلمة الحاضرة. الإله الذي لا يتغيَّر يخاطبنا بكلمته التي لا تتغيَّر. فكما أن شعب العهد القديم هم أجدادنا (غلاطية 3: 29) وتاريخ العهد القديم هو تاريخنا السابق كشعب المسيح، هكذا، فإن "كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا" (رومية 15: 4).

إذًا، لا تمل أبدًا من قراءة أسفار الأنبياء ثم إعادة قراءتها. إن كان نص ما مُحيِّرًا للوهلة الأولى، فاطرح السؤال: لماذا قال النبي هذا الأمر؟ عادةً يشتمل كل نص على الإجابة، ولكن، على أي حال، فإن أمثال 2: 4-6 يصح قوله تمامًا عن الكتاب المُقدَّس ككل: إن المعرفة هي عطية من الله، وهو يعطيها لمن يبحث عن كلمته وكأنه يبحث عن كنز مخفي.

يجب أن نتحوَّل الآن إلى "كنز" مُحدَّد في أسفار الأنبياء، كيف أنهم، مثل إبراهيم (يوحنا 8: 56)، فرحوا باليوم الآتي، وبالشخص الآتي، وبالسماء الجديدة والأرض الجديدة الآتية. لكن تذكَّر أنهم لم يقدِّموا أي تواريخ. لم يكتبوا لنا تقويمًا، بل بالأحرى كانوا يدعوننا لتقديم الولاء لكلمة الله انتظارًا للمجد العتيد أن يأتي.

رأى عاموس المستقبل المسياني من خلال طيف عهد الرب مع داود (2 صموئيل 7: 16؛ مزمور 89: 24-37): مُلك داود، وسيادة على العالم، والخليقة المُستردة، والوجود المستقر، والضمان الأبدي (عاموس 9: 11-15؛ انظر غلاطية 6: 16). يجب فهم الوعود المرتبطة بالأرض المذكورة في عاموس 9: 14-15 في ضوء تأكيد يسوع أن مملكته ليست من هذا العالم (يوحنا 18: 36)، وفي ضوء تعاليم العهد الجديد أن أورشليم المعنية هي المدينة السماويَّة التي ننتمي إليها بالفعل (العبرانيين 12: 22؛ غلاطية 4: 21-26) والعتيدة أن تأتي (رؤيا 22: 9-10). فكرة استرداد الأرض هذه بارزة في سفر عوبديا أيضًا، عندما قال إن شعب الرب: "يَرِثُ ... مَوَارِيثَهُمْ" (الآيات 17، 19-21).

أذكر مجرد كلمة هنا عن التنبؤ والتحقيق. فكر في نبات مزهر ومُعمِّر. زهور السنة الأولى مبهجة لكنها ضعيفة. تستغرق الزهور الكاملة بضع سنوات من النمو حتى تزهر، ومع ذلك فإن الزهور الكاملة كانت موجودة كبراعم في الزهرة الأولى. يوجد استمراريَّة وتطوُّر، ولكن لا يوجد تناقض. كانت الزهور الكاملة دائمًا ما كان مقصودًا من الزهرة الأولى أن تكونه من البداية. وبالمثل، فإن المملكة التي ليست من هذا العالم، أي المدينة السماويَّة والأبدية، هي ما كان مقصود دائمًا أن تكون عليه عطية الأرض والمدينة من البداية. بهذا المفهوم، فإن ما نسميه عادةً "تحقيق" هو بالفعل "اكتمال" و "نضوج"، وهو "التحقيق" المطلق والنهائي لما كان موجودًا دائمًا منذ البداية.

بالتركيز على "داود" الآتي، أكَّد عاموس الخط الرئيسي للتنبُّؤ. اتَّبع ميخا نفس الموضوع، وتنبأ بأن المسيَّا سيُولد في بيت لحم (5: 2)، ومن المثير للاهتمام أنه أضاف، مع كونه لم يستطرد، الإشارة إلى والدة المسيَّا، وإلى عمله كراعٍ، ومكانته بصفته "سَلاَمًا" (الآيات 3-5؛ انظر أفسس 2: 14-18).

كان إشعياء المعاصر لميخا هو النبي الرئيسي الذي تنبأ عن المسيَّا. يتكوَّن سفره من صورة ثلاثيَّة. على خلفيَّة فشل الملك آحاز، أكَّد إشعياء اليقين بوعد الرب بملك حقيقي من نسل داود (الإصحاحات 7-12)؛ وفي ضوء خطيَّة حزقيَّا في تحوُّله عن طريق الإيمان بوعود الله (38: 4-6) إلى طريق الاعتماد على الذات (39: 1-4)، نادى إشعياء برسالة تعزية (40: 1)، وتنبأ عن "عبد الرب" الذي سيحمل الخطيَّة (52: 13-53: 12)؛ ولأنه عَلِم أن شعبه سيعود من بابل دون تغيير، وسيظلُّوا تحت حكم ملك غريب، فقد تنبأ بالمُحارب الممسوح الذي سيجلب الخلاص والانتقام، وهو الشخص الذي قال الرب يسوع عن نفسه أنه هو (61: 1-2، انظر لوقا 4: 16-21)، الأمر الذي سيكمله عند عودته (2 تسالونيكي 1: 7-10).

وُلد المسيَّا الملك بحسب إشعياء من عذراء (إشعياء 7: 14؛ انظر متى 1: 18-25)، وهي كلمة يجب أخذها بمعناها الواضح والمباشر. إن ميلاده في حد ذاته يأتي بالنور، والفرح، والتحرير (إشعياء 9: 2-6). يُعلن اسمه أنه شخص خارق للطبيعة ("عَجِيبًا"، الآية 6) —في الواقع، هو الله نفسه (الآية 7؛ 10: 21)، الذي يجلب السلام والمُلك الذي لا ينتهي على العالم كله الموعود به لداود (الآية 7). إنه يملك بالعدل والبر (11: 2-5) على الأرض الجديدة (الآيات 6-9)، وهو الأمين، لأنه "قضيب" و"أصل" يسى، أبو داود (الآيات 1، 10). توضِّح الصورة الثالثة التي يرسمها إشعياء، عن المُحارب الممسوح (59: 21؛ 61: 1-3؛ 61: 10-62: 12؛ 63: 1-6) صورة الملك من حيث الخلاص لشعبه والانتقام من جميع الأعداء، مُؤسِّسًا السماوات الجديدة والأرض الجديدة (65: 17-25).

اشتهر إشعياء بصورته المركزيَّة عن عبد الرب. هذا العبد الممتلئ من الروح القدس الذي يأتي "بالعدل" (حرفيًّا "القضاء"، أي ما أقرَّه الرب وأعلنه على أنه الحق الإلهي) إلى عالم الأمم (42: 1-4). ولكن لديه دور أشمل أيضًا: إعادة الأشخاص المعترفين بالرب الذين ضلوا طريقهم وفقدوا سلامهم إلى الرب (48: 22؛ 49: 1-6). تحمَّل العبد طوعًا أشد الآلام (50: 4-9)، وثبت أن آلامه (52: 13-53: 12) هي طريق الخلاص، حيث حمل الخطيَّة بدلًا عن آخرين (53: 4- 6، 12)، إلى جانب حسبان بره لهم (53: 11). وبهذه الطريقة، رأى إشعياء النضوج الكامل للزهرة الأولى في الذبائح الكفاريَّة للكهنة اللاويِّين. لقد أُعطي له أن يدرك أنه في النهاية لا يمكن إلا لشخص واحد أن يكون بديلًا عن الشعب. وقد دعا هذا الشخص باسم عبد الرب، ونحن ندعو يسوع (إشعياء 53: 12؛ انظر لوقا 22: 37).

أضاف كل من إرميا وحزقيال شهادتهما إلى الصورة التي رسمها إشعياء عن العبد وحقيقة الخلاص الذي تم شراؤه بالدم. رأى إرميا المستقبل المسياني من منظور العهد الجديد (إرميا 31: 31-34؛ انظر عبرانيين 10: 15-18). لم يشرح كيف أن الرب سيغفر آثامنا ولا يعود يذكر خطايانا. لا شك أنه كان يعتمد على الشرح الذي قدَّمه إشعياء بالفعل. كان حزقيال كاهنًا (حزقيال 1: 3)، وقد رأى المستقبل بشكل مألوف لديه —كمال هيكل الرب في وسط شعب الرب المجتمع معًا (الأصحاحات 40 –48). هذه الأصحاحات ليست وصفًا مُحدَّدًا معماريًّا عن الهيكل الذي سيتم بناؤه، ولكنها تصريح النبي عن الحق باستخدام مصطلحات كهنوتيَّة. يمكننا أن نجتمع حول الله القدوس فقط حين يتم تقديم الذبيحة وحين توجد خدمة كهنوتيَّة لتقديمها. تحقَّقت رؤية حزقيال في أفسس 2 وفي عبرانيين 7: 1-8: 6.

أرجو أن تدع هذه النظرة المختصرة تُثير شهيتك وتشجِّعك على أن تفرح بعظمة الوحي الذي فيه شُوهد المسيَّا بهذا الدقة الكاملة قبل مجيئه بوقت طويل. إن غنى التنبُّؤات يؤكِّد على تفرُّد الرب يسوع المسيح وعمل الله كلي السيادة منذ زمن طويل.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أليك موتير
أليك موتير
كان الدكتور أليك موتير مديرًا لكلية ترينيتي في بريستول بإنجلترا، وهو مُؤلِّف كتاب "انظر إلى الصخرة" (Look to the Rock). كما كان أيضًا مُحرِّر سلسلة تفسير العهد القديم بعنوان "الكتاب المقدس يتحدَّث اليوم" (The Bible Speaks Today).