العبد المتألم والملك المنتصر
۳ سبتمبر ۲۰۲۰
حياة بلا خطية
۱۱ سبتمبر ۲۰۲۰

حياة الملكوت

وعد يسوع أن ملكوت الله سيأتي بقوة قبل أن يواجه بعض مستمعيه الموت (مرقس 9: 1). ثمَّ بعد قيامته تحدَّث مرة أخرى إلى تلاميذه عن ملكوت الله (أعمال الرسل 1: 3). وفي يوم الخمسين، أعلن بطرس أن يسوع قد جلس عن يمين الله في السماء، مُحقِّقًا وعد الله القديم بوضع ابن داوود على عرش مُلكه (أعمال الرسل 2: 30-35). تعبِّر هذه النصوص، بالإضافة إلى العديد من النصوص الأخرى، عن شهادة العهد الجديد بالإجماع بأن مُلك الله بفدائه الذي طال انتظاره، الذي اخترق هذا العالم المُلطَّخ بالخطية لاستعادته لمَلِكه الشرعي، قد بدأ بكرازة يسوع المسيح، ومعجزاته، وموته، وقيامته، وصعوده، وتتويجه في السماء.

ومع ذلك استمرت الحياة في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة. لا يزال القياصرة يحكمون، وأحيانًا بعنفٍ بلا رحمة وانحطاط مثير للاشمئزاز. لا يزال المسيحيُّون يعانون من المرض والسجن والجلد وحتى الاستشهاد. لا تزال العواصف تجتاح البحر الأبيض المتوسط وتُغرق السفن وتودي بحياة الناس. المجاعة، والطاعون، والفقر، والقمع: إذا كان ملكوت السلام الإلهي الذي يتصالح فيه المفترس والفريسة (إشعياء 11: 6-9) قد جاء، فإن الأوضاع العالميَّة في المجالات السياسيَّة أو الماديَّة لم تتأثر به.

لم يتغير الكثير منذ ألفي عام. يبدو أن حمامات الدم في بغداد، وفي دارفور، وفي الشوارع الحضريَّة بأميركا وحرم الجامعات في الضواحي تُكذِّب الزعم بأن رئيس السلام يسود الآن على هذه الأرض. ألقت الفضائح والانقسامات الدنيئة في الكنيسة بظلال من الشك على مُلكه حتى على أولئك الذين يعترفون به ملكًا.

ومع ذلك، ينقل كتَّاب العهد الجديد إعلان الروح القدس المعصوم من الخطأ أن ذبيحة المسيح الغالبة ونصرة قيامته قد أسَّسوا بالفعل ملكوت فداء الله. علاوة على ذلك، يظهرون الفرق الذي يحدثه مجيء الملكوت في حياة المؤمنين الذين ما زالوا يرتكبون الخطية، وما زالوا يتألَّمون، حتى اليوم.

في قلب الرؤيا التي أظهرها الرب يسوع ليوحنا هناك رؤيتان متطابقتان تصوران نقطة التحوُّل الحاسمة في الصراع الكوني عبر العصور (رؤيا 12). رأى يوحنا في البداية التهديد الذي وجهه التنين إلى ابن المرأة ولكن الابن اختُطف إلى عرش الله ليرعى ويسود على جميع الأمم، تتميمًا لمزمور 2 (رؤيا 12: 5). ثم رأى يوحنا معركة في السماء، حيث هُزم التنين وطُرد؛ وسمع يوحنا أهمية هذا الانتصار: "الآنَ صَارَ خَلاَصُ إِلهِنَا وَقُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُ مَسِيحِهِ، لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ الْمُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا ... وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ ..." (الآيات 10-11). إن مجيء ملكوت الله بموت مسيحه وتمجيده قد أقصى الشيطان، المُشتكي علينا، من قاعة المحكمة السماويَّة. تم الرد بالكامل على الشكاية المُوجَّهة ضدنا بواسطة آلام المسيح شفيعنا وبره.

لأن يسوع هو الكاهن الملك الذي يملك عن يمين الله (عبرانيين 8: 1؛ 10: 12-14)، فإن شفاعته من العرش تُسكت كل شكاية تُصيب ضمائرنا (رومية 8: 33-34). إن العيش في الملكوت يعني الاتكال على البر الكامل ليسوع الملك: "عندما يُجرِّبني الشيطان باليأس ويخبرني عن الذنب في الداخل، أرفع أنظاري وأراه هناك ذاك الذي وضع نهاية لكل خطاياي" (شاريتي ليس بانكروفت (Charitie Lees Bancroft)، "ترنيمة أمام عرش الله في العُلا"، 1863).

ومع ذلك، وبقدر الراحة التي تأتينا من معرفة أن يسوع ملكنا جالس على عرشه في السماء، ويضمن تبريرنا بدمه وبره، قد لا نزال نتساءل عمَّا إذا كان تأسيسه لملكوت الله يُحدث أي فارق في كفاحنا الحالي ضد الخطيَّة على الأرض. جواب الكتاب المقدس هو "نعم" مدوية!

إن الله قد "أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ" (كولوسي 1: 13). إن انتقالنا إلى الملكوت الذي يسود عليه يسوع له تداعيات حقيقيَّة على سعينا اليومي إلى القداسة. عندما جذبنا الروح القدس إلى الإيمان، واتحدنا بالمسيح في موته وقيامته، حطَّم قبضة الخطيَّة القاتلة والاستبداديَّة على قلوبنا وحرَّرنا كي نعيش كمواطنين سعداء وممتنين لملك الملوك.

وبطبيعة الحال، فإن هذا الخروج المُحرِّر لا يعني نهاية جهود الشيطان لإعادة تأكيد سلطته علينا. فالتجارب مستمرة، ولا يزال المؤمنون يتعثَّرون ويستسلمون في كثيرٍ من الأحيان لاعتداءات الشيطان على إيماننا وأمانتنا. لكننا لم نعد رعاياه العاجزين، مستعبدين لقوى الظلام. لأن الخطيَّة لم تعد تسود علينا، فعلينا ألا ندع الخطيَّة تسود في أجسادنا الفانية (رومية 6: 12-14).

لأننا جالسون مع المسيح، رأسنا مَن يمثِّلنا، على عرش مُلكه في السماء (أفسس 2: 6؛ كولوسي 3: 1-4)، بقوة روحه القدس يُمكننا أن نُميت عادات القلب الشريرة (كولوسي 3: 5-9) ونلبس بدلًا منها صفات ممتلئة نعمة من ملكنا: "أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ " (3: 12). الصفات التي تميِّز ملكوت الله عن ملكوت الظلمة —"بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ" (رومية 14: 17) —ليست لعصر آتٍ. بل تميِّز حياة المؤمنين وعلاقاتهم الآن.

بقدر وضوح إعلان العهد الجديد أن خدمة المسيح، وموته، وقيامته قد أسَّسوا ملكوت الله نرى أيضًا إصراره أن مجيئه الثاني هو وحده الذي سيُتمِّم الملكوت بالكامل. لقد رأينا الملكوت ودخلنا فيه بميلادنا من فوق بواسطة الروح القدس (يوحنا 3: 3-5). ومع ذلك لا يزال الله يدعو المؤمنين للدخول إلى ملكوته الآتي (2 تيموثاوس 4: 1، 18؛ 2 بطرس 1: 11). إن الملكوت الذي يرشد ويقوِّي كفاحنا الحالي ضد الخطيَّة هو أيضًا ميراثنا في المستقبل (1 كورنثوس 6: 9-11؛ 15: 50؛ غلاطية 5: 21؛ أفسس 5: 5؛ يعقوب 2: 5).

حذَّرنا رسل المسيح بصراحة من أن الآلام متناثرة بكثرة على طول الطريق الذي يقود مواطني الملكوت إلى ميراثنا النهائي للملكوت. عندما أعاد بولس وبرنابا خطواتهما إلى الكنائس الناشئة في آسيا الصغرى، لم يخفيا هذه الحقيقة المروعة عن المُجدَّدين حديثًا الذين اختبروا الميلاد الثاني، حيث كانا: "يُشَدِّدَانِ أَنْفُسَ التَّلاَمِيذِ وَيَعِظَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ، وَأَنَّهُ بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (أعمال الرسل 14: 22). إذا كان علي الملك الممسوح نفسه أن يمر من خلال الألم إلى مجد مُلكه المسياني (لوقا 24: 26؛ 1 بطرس 1: 11)، فكيف يمكن أن يكون خلاف ذلك بالنسبة لنا نحن الذين بنعمة الله نتشارك في ميراث يسوع الملكي؟ في الواقع، إن الألم من أجل المسيح هو سمة الورثة الذين وعدهم الآب بملكوت السماوات (متى 10: 5؛ انظر 2 تسالونيكي 1: 5). تسير الشركة في الضيق والشركة في الملكوت جنبًا إلى جنب (رؤيا 1: 9).

إن حقيقة أن ملكوت الله قد أتى بمجيء يسوع الملك لها أيضًا آثار عميقة على عبادتنا كشعب الله في العهد الجديد. من ناحية، مثل إسرائيل في البريَّة، نحن في طريقنا نحو ميراثنا الملكي، وفي طريقنا إلى المدينة الآتية (عبرانيين 13: 14)، أورشليم الجديدة التي هي هيكلًا كاملًا (رؤيا 22: 1-5). من ناحية أخرى، ونحن نرتحل في البريَّة يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى "جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ. أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ" ومحفل العبادة بفرح (عبرانيين 12: 22-24)، "وَنَحْن قَابِلُونَ مَلَكُوتًا لاَ يَتَزَعْزَعُ" (الآية 28).

لأننا افتُدينا لنكون ملوكًا وكهنةً لإلهنا (رؤيا 6: 1؛ خروج 19: 6)، فإن اجتماعنا الأسبوعي في اليوم الأول —المُكرَّس الآن باسم "يوم الرب" بقيامته —هو، بالإيمان ولكن في الواقع، اجتماع ملكي. بواسطة حضور الروح القدس نجتمع أمام عرش ملكنا المنتصر، لنمجد جلاله، ونحتفل بانتصاره، وننال من يده عطايا الحرب: خدام أعطاهم الروح القدس مواهب —رسلًا، وأنبياء، ومبشرين، ورعاة، ومعلِّمين —الذين من خلالهم يُنمِّي المسيح كل عضو من أعضاء جسده (أفسس 4: 8-16). فكل خدمة عبادة هي علامة على أن يسوع يملك الآن بنعمة سياديَّة وسيعود ببهاء مجيد.

حتى بعد موت يسوع وقيامته كان تلاميذه ما زالوا يبحثون عن استعادة إسرائيل إلى الهيمنة الملكيَّة (أعمال الرسل 1: 6)؛ لكن الملك نفسه أظهر لهم أن آمالهم كانت صغيرة جدًا، حيث رفع أعينهم ليلمحوا انتشار ملكوته "إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (1: 8؛ في إشارة إلى إشعياء 49: 5-6؛ انظر أعمال الرسل 13: 47). منذ ذلك الحين، ارتبط إعلانهم عن مجيء الملكوت ارتباطًا وثيقًا بيسوع وما حقَّقه في موته وقيامته (أعمال الرسل 8: 12؛ 19: 8؛ 20: 25؛ 28: 23، 31).

تُذكِّرنا رؤية يوحنا لملكوت الكهنة المفديين "مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ" (رؤيا 5: 9-10) بأن أول دليل أرضي لتتويج يسوع في السماء كان إعلان "عَظَائِمِ اللهِ" بلغات الناس "مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ" في يوم الخمسين (أعمال الرسل 2: 5-11). كان هذا الاندفاع من الكرازة العالميَّة من عمل يسوع المسيح، المُتوَّج الآن عن يمين الله، الذي "سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ" (الآية 33). أدَّى تتويج هذا الملك إلى توسيع حدود مجال خلاص المسيح في جميع أنحاء العالم ليشمل كل شعوب الأرض.

لأن الملكوت قد جاء عن طريق استعلان نعمة الملك المُضحيَّة، يمكننا أن ننشر دعوته للجميع: "اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ" (إشعياء 45: 22)، بثقة ممتلئة بالفرح أن روحه القدوس يجذب كل أنواع البشر إلى التوبة والإيمان من خلال تلك الكلمة الملكيَّة. ولأن الملكوت لم يأتِ بعد بالاستعلان النهائي لغضب الملك العادل، يجب أن نحمل هذه الدعوة إلى القريبين والبعيدين بإلحاح مُبهج، كما يليق بسفراء الملك.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

دينيس جونسون
دينيس جونسون
الدكتور دينيس جونسون هو أستاذ فخري للاهوت العملي بكلية ويستمنستر للاهوت في ولاية كاليفورنيا. وهو مؤلف العديد من الكتب منها "السير مع يسوع من خلال كلمته" (Walking with Jesus through His Word).