التجديف على الروح القدس
۲۳ يونيو ۲۰۲۰
النعمة وحدها
۲۹ يونيو ۲۰۲۰

ملك الملوك

ينتهي إنجيل لوقا بعبارة مثيرة للدهشة بشكلٍ فائقٍ، حيث مكتوب: "وَأَخْرَجَهُمْ خَارِجًا إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْ. وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ، انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ، وَكَانُوا كُلَّ حِينٍ فِي الْهَيْكَلِ يُسَبِّحُونَ وَيُبَارِكُونَ اللهَ" (لوقا 24: 50-53).

إن الأمر المثير للدهشة في هذا النص هو أنه حين ذكر لوقا رحيل يسوع عن هذا العالم كان رد فعل تلاميذه هو رجوعهم إلى أورشليم "بِفَرَحٍ عَظِيمٍ". ما الذي يوجد في رحيل يسوع من شأنه أن يغرس في تلاميذه مشاعر الفرح والبهجة الشديدة؟ يُصبح هذا السؤال مُحيِّرًا أكثر عندما نُفكِّر في المشاعر التي أظهرها التلاميذ عندما أخبرهم يسوع سابقًا أنه سيرحل قريبًا. في ذلك الوقت، أثارت فيهم فكرة غياب سيدهم عن التواجد معهم روح حزن شديد. يبدو أنه لا شيء يمكن أن يكون أكثر كآبة من توقُّع الانفصال عن حضور يسوع معهم. ومع ذلك، في فترة زمنيَّة قصيرة جدًا، تحوَّلت هذه الكآبة إلى فرحٍ لا يُنطق به.

يجب أن نتساءل عمَّا أثار هذا التغيير الجذري للمشاعر في قلوب تلاميذ يسوع. الإجابة عن هذا السؤال واضحة في العهد الجديد. في الفترة بين إعلان يسوع للتلاميذ عن رحليه ووقت رحيله الفعلي، أدرك التلاميذ شيئين. أولًا، أدركوا سبب رحيل يسوع. ثانيًا، فهموا المكان الذي سيذهب إليه. فيسوع لم يكن مغادرًا لكي يتركهم بمفردهم وبلا تعزية وراحة، بل لكي يصعد إلى السماء. إن فكرة الصعود في العهد الجديد تعني شيئًا أعمق بكثير من مجرد الذهاب إلى السماء أو إلى سماء السماوات. في صعوده، كان يسوع ذاهبًا إلى مكانٍ محدَّدٍ لغرضٍ محدَّدٍ. صعد يسوع إلى السماء لغرض تنصيبه وتتويجه كملك الملوك ورب الأرباب. يستخدم العهد الجديد لقب "ملك الملوك" ليصف يسوع في دوره الملكي وبالمثل لقب "رب الأرباب". تعني هذه البنية اللغويَّة أكثر من مجرد وضع يسوع في مركز للسلطة بها يملك ويسود على ملوكٍ أقل منه. بل هي بنية لغويَّة تشير إلى تفوُّق يسوع في سموِّه الملكي. فهو ملك بأقصى مفهوم ممكن للملكيَّة.

طبقًا للمفهوم الكتابي، لا يُوجد ملك بدون مملكة. وبما أن يسوع صعد لتتويجه كملك، فمع هذا التتويج يأتي اختيار الآب لمجالٍ يملك ويسود عليه يسوع. هذا المجال هو كل الخليقة.

هناك خطآن فادحان في اللاهوت المعاصر يتعلَّقان بالمفهوم الكتابي لملكوت الله. الخطأ الأول هو أن الملكوت قد أكتمل بالفعل وأنه لم يتبقَّى شيء حتى يُستعلن ملك المسيح. يمكن وصف هذا الرأي بأنه الإسخاتولوجي (الأخرويات) مفرط التحقيق. فبتحقيق ملء واكتمال الملكوت، لا يوجد ما ننتظره في المستقبل فيما يتعلَّق بانتصار المسيح. الخطأ الثاني هو ما يعتقده عدد كبير من المسيحيِّين، أن ملكوت الله هو شيء مستقبلي تمامًا — بمعنى أن ملكوت الله غير موجود الآن بأي شكل. يتخذ هذا الرأي موقفًا قويًّا تجاه البُعد المستقبلي لملكوت الله لدرجة أنه حتى نصوص العهد الجديد مثل التطويبات في متى 5-7 ليس لها أي تطبيقات على الكنيسة اليوم لأنها تختص بالعصر المستقبلي للملكوت، الذي لم يبدأ بعد.

كلا الرأيين المذكورين أعلاه تسبَّبا في ضررٍ لتعاليم العهد الجديد الواضحة بأن ملكوت الله قد بدأ بالفعل. فالملك في مجلسه فعلًا. وقد دُفع إليه بالفعل كل سلطان في السماء وعلى الأرض. وهذا يعني أنه في هذه اللحظة الآن تكمن السلطة العُليا فوق كل ممالك هذا العالم وعلى كل الكون في يد يسوع الملك. لا يوجد شبر واحد من الأرض، ولا رمز من رموز السلطة في هذا العالم ليس تحت سيادته وسلطانه في هذه اللحظة الآن. في رسالة بولس إلى أهل فيلبى، في الأصحاح الثاني، في ما يُطلق عليه ترنيمة إخلاء الذات، نقرأ أن يسوع قد أُعطي اسمًا فوقَ كُلِّ اسمٍ. هذا الاسم الذي أُعطي ليسوع، الذي هو فوق كل الألقاب الأخرى التي يمكن لأي شخص الحصول عليها، هو اسم يختص بالله وحده. إنه لقب الله أدوناي، وهو ما يعني "الشخص صاحب السيادة المطلقة". مرة أخرى، يدل هذا اللقب على الحُكم الأعلى للشخص الذي هو ملك على كل الأرض.

يُترجم العهد الجديد لقب أدوناي المذكور في العهد القديم إلى رب. عندما قال بولس إنه باسم يسوع ستجثو كل ركبة ويعترف كل لسان، فإن سبب السجود بخضوعٍ والاعتراف هو أنهم سيعلنون بشفاههم أن يسوع هو رب، أي أنه المُتسلِّط كلي السيادة والسلطان. كان هذا هو أول إقرار إيمان للكنيسة الأولى.

ثم حاولت روما في طغيانها الوثني المُضلَّل فرض قسم الولاء لعبادة الإمبراطور، حيث كان يُطلب من جميع الناس تلاوة عبارة "قيصر رب". كان رد فعل المسيحيِّين هو إظهار كل شكل ممكن من الطاعة المدنيَّة من خلال دفع ضرائبهم، وإكرام الملك، وأن يكونوا مواطنين صالحين؛ لكنهم لم يستطيعوا بضمير حي أن يطيعوا أمر قيصر بأن يعلنوه ربًّا. كان رد فعلهم على قسم الولاء، قيصر رب، عميقًا في تداعياته بقدر بساطة تعبيره، وهو يسوع رب. إن ربوبيَّة يسوع ليست مجرد رجاءً للمؤمنين قد يتحقَّق يومًا ما؛ ولكنها حقيقة قد حدثت بالفعل. ودور الكنيسة هو أن تشهد عن هذا الملكوت غير المرئي، أو كما قال كالفن، إن مهمة الكنيسة هي أن تجعل ملكوت المسيح غير المرئي مرئيًّا. على الرغم من كونه غير مرئي، إلا أنه حقيقي.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسِّس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو (St. Andrews Chapel) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكليَّة الكتاب المقدَّس للإصلاح (Reformation Bible College). وهو مؤلِّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك بما في ذلك "كلُّنا لاهوتيُّون" (Everyone’s A Theologian).