دراسة الكتاب المُقدَّس وصياغة اللاهوت| خدمات ليجونير
الله الآب
۳ أغسطس ۲۰۲۱
المُعلِّم راوي القصص
۱۰ أغسطس ۲۰۲۱

دراسة الكتاب المُقدَّس وصياغة اللاهوت

قيل إن كُلُّنا لاهوتيُّون. ولكن هل يمكن لكل مؤمن أن يكون لاهوتيًّا جيِّدًا؟ الإجابة الكتابيَّة هي نعم مدويَّة.

إن بناء لاهوت صحيح من الكتاب المُقدَّس ليس ممكنًا فحسب – بل إنَّه دعوة وامتياز لكل مؤمن، لأنَّ الله الذي نعرفه قد كلَّمنا أوَّلًا عن نفسه. بالإضافة إلى الإعلان عن ذاته من خلال الخليقة (مزمور 19: 1-6؛ رومية 1: 20)، كلَّم الله "الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ" (عبرانيين 1: 1-2). إعلان الله عن ذاته هذا مُسجَّل لنا في الكتاب المُقدَّس. مع وجود الكتاب المُقدَّس في تناول اليد، ندرك أن كلام الله من خلال إشعياء ينطبق اليوم: "تَقَدَّمُوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا هذَا: لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنَ الْبَدْءِ فِي الْخَفَاءِ" (إشعياء 48: 16). بصفته خالق اللغة والمُتكلِّم الأوَّل (تكوين 1: 3)، فإنَّ الله قادر بشكل مثالي على جعل نفسه معروفًا لأولئك الذين خلقهم على صورته (الآيات 26 -27). ولا شيء يُمكن أن يعوق أغراضه التواصليَّة.

إن كلمة "اللاهوت" حين يُنظر إليها فهي بحق (التي تربط بين الكلمة اليونانيَّة لوجوس، أو "الكلمة" مع ثيوس، أو "الله") تذكِّرنا بأنَّنا إذا "قمنا بصياغة اللاهوت" بأيَّة حال، فذلك لأنَّ "اللاهوت" –الذي يعنى حرفيًّا، كلمة أو معرفة تتعلَّق بالله– قد سلَّمه الله إلينا أوَّلًا. حتى عند التفكير في كيفيَّة بناء لاهوت من الكتاب المُقدَّس، حينئذٍ يجب أن نؤمن بما يقوله الله في الكتاب المُقدَّس، لأن كل اللاهوت الحقيقي يتم أمام وجه الله (coram Deo)، الذي به "نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ" (أعمال الرسل 17: 28).

لاهوت من الكتاب المُقدَّس:

لذلك، تبدأ صياغة اللاهوت من الكتاب المُقدَّس بإدراك أن الكتاب المُقدَّس هو الأساس الذي منحه الله والمصدر الوحيد المعصوم من الخطأ لكل لاهوت حقيقي. كل الكتاب المُقدَّس "مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ" (2 تيموثاوس 3: 16) ويظل "هو القانون الوحيد الذي يوجِّهنا نحو كيفيَّة تمجيده والتمتُّع به" (دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُوجَز 2). الكتاب المُقدَّس هو خطاب الله الشخصي لأولاده. علاوةً على ذلك، فإنَّ كلمة الله المكتوبة هي مُستمدَّة من الكلمة المُتجسِّد يسوع المسيح، الذي أعطاها. يُعلِّمنا الرسول بطرس أنَّ ما كُتَّاب الكتاب المُقدَّس قد تكلَّموا "مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (2 بطرس 1: 21). ولكن في موضعٍ آخر، يخبرنا بطرس أن هذا الروح الذي يرف ويوحي لم يكن إلَّا "رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ" (1 بطرس 1: 11). بهذا المعنى، فإنَّ الكتاب المُقدَّس هو رسالة يسوع المسيح إلى كنيسته (انظر رؤيا 2-3؛ 22: 16). وكما أنَّه قام الآن من الأموات، ويعطي الحياة لجميع شعبه (يوحنا 5: 21)، كذلك أيضًا تظل كلمته "حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْن" (عبرانيين 4: 12). فكل الكتاب المُقدَّس، كل "حرف ونقطة"، هو كلمة الله المعصومة، ومثل الله، سوف "تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ" (إشعياء 40: 8؛ 1 بطرس 1: 25).

للأسف، يستبدل عدد لا يُحصى من الأشخاص الذين يصفون أنفسهم بأنَّهم لاهوتيُّون العبارة القائلة بإن "الكتاب المقدس هو كلمة الله" بكلمات تبدو متشابهة، ولكنَّها في الواقع ليست كذلك، إذ يقولون: "الكتاب المقدس هو سجل لاختبارات البشر للإعلان، لكن الكتاب المُقدَّس، بحد ذاته، ليس إعلانًا من الله". أو بشكل أكثر دهاءً يقولون: "يشير الكتاب المُقدَّس إلى يسوع المسيح باعتباره إعلان الله، لكن الكتاب المُقدَّس، بحد ذاته، ليس إعلانًا من الله"، لدرجة أنه يتم أحيانًا تلخيصه قائلين: "يشهد الكتاب المُقدَّس لكلمة الله". للأسف، أولئك الذين يتمسَّكون بمثل هذه الصيغ يحيدون عن الكتاب المُقدَّس كمصدرٍ للمعرفة الحقيقيَّة عن الله ولا يقدِّمون للكنيسة سوى آراء مُتغيِّرة وعبارات رنَّانة جوفاء. وفى مقابل كل هؤلاء، يُغنِّي كاتب المزمور للرب قائلًا: "أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مُعَلِّمِيَّ تَعَقَّلْتُ، لأَنَّ شَهَادَاتِكَ هِيَ لَهَجِي" (مزمور 119: 99).

صياغة لاهوت من الكتاب المُقدَّس: 

بعد قولي هذا، كيف يجب على المؤمنين أن يبنوا لاهوتهم من الكتاب المُقدَّس؟ تكمن الإجابة فيما قام به دارسو الكتاب المُقدَّس بصبرٍ وصلاة بشكلٍ طبيعي لعدَّة قرون، وهو الانتباه الدقيق ليس فقط لمعنى نصوص كتابيَّة مُعيَّنة في سياقاتها المباشرة، ولكن أيضًا تتبُّع الروابط المتناسقة في نصوص أخرى عبر الكتاب المُقدَّس بأكمله. بعبارة أخرى، إنَّ صياغة اللاهوت من الكتاب المُقدَّس يعني نسج خيوط مختلفة من الحق الذي مركزه المسيح والذي يكشفه لنا الكتاب المُقدَّس بشكلٍ متناسق. ولأنَّ الكتاب المُقدَّس بأكمله هو من الله، الذي هو الحق نفسه (تثنية 32: 4؛ يوحنا 3: 33)، لذلك فإنَّ الكتاب المُقدَّس لا يناقض نفسه أبدًا. علاوةً على ذلك، تتطلَّب وحدة الكتاب المُقدَّس أن نرى الكتاب المُقدَّس بأكمله على أنَّه السياق الأساسي لأي آية واحدة. لذلك، تُركِّز صياغة اللاهوت من الكتاب المُقدَّس على السؤال: ماذا يقول الكتاب المُقدَّس بأكمله عن الله، أو الإنسان، أو الخطيَّة، أو المسيح، أو الكنيسة، أو السماء، أو أي موضوع آخر يتعلَّق بكلمة الله؟ يقودنا عمق الكتاب المُقدَّس اللامتناهي ليس فقط إلى استكشاف ما يقوله الكتاب المُقدَّس بوضوح، ولكن أيضًا إلى تتبُّع العديد من الحقائق التي يمكن استنتاجها من الكتاب المُقدَّس "بواسطة استدلالٍ جيِّدٍ ولازمٍ" (إقرار إيمان وستمنستر الفصل 1 والبند 6) – مثل عقيدة الثالوث. عندما ندرس الكتاب المُقدَّس بهذه الطريقة، ندخل بعمق أكثر إلى إعلان حكمة الله المتنوِّعة (أنظر أفسس 3: 10).

مثل الصلاة التي يجب أن تغذِّيها، تتطلَّب الدراسة المنهجيَّة للكتاب المُقدَّس صبرًا ومثابرة من صنع الروح القدس. عندما نواجه أشياء "عَسِرَةُ الْفَهْمِ" (2 بطرس 3: 16)، يُمكننا بل ويجب أن نطلب المساعدة من المُعلِّمين الأتقياء، وكتب تفسير الكتاب المُقدَّس، وثراء التأمُّلات السابقة للكنيسة حول الكتاب المُقدَّس. ففي النهاية، هم أيضًا عطايا المسيح لنا (أفسس 4: 11-14). ولكن بينما تساعدنا هذه المصادر في قراءة الكتاب المُقدَّس، يجب أن تكون سلطتنا النهائيَّة هي ما يقوله الروح القدس في الكتاب المُقدَّس الذي أوحى به. عند بناء لاهوت من الكتاب المُقدَّس، من الأفضل أن نتذكَّر المبدأ الأساسي للتفسير الذي دافع عنه المُصلِحون البروتستانت (يُطلق عليه قياس الكتاب المُقدَّس) والذي تم التعبير عنه ببلاغة في إقرار إيمان وستمنستر: "إن القانون المعصوم لتفسير الكتاب المُقدَّس هو الكتاب المُقدَّس نفسه: وبالتالي، عندما يكون هناك سؤال حول المعنى الصحيح والكامل لأي نص كتابي (المعنى الذي هو ليس مُتعدِّدًا بل واحدًا)، لا بد من البحث عنه ومعرفته من خلال مواضع أخرى تتكلَّم بوضوحٍ أكثر" (إقرار إيمان وستمنستر الفصل 9 والبند 1). مثلما يبحث المرء عن كنز مخفي معروف مكان وجوده، فإن أولئك الذين يدرسون كلمة الله بأمانة يكتسبون فهمًا غنيًّا دائمًا للإله الحقيقي الوحيد والمُخلِّص الذي أرسله (يوحنا 17: 3)، حتى أثناء تغيير الرب يسوع لهم في نفس الوقت ليكونوا مشابهين له (2 كورنثوس 3: 18).

إن عمل الله بمحبته يظهر في أن ما يطلبه منَّا يُسر بأن يعمله فينا (فيلبي 2: 12-13). وهكذا فإنَّ الله نفسه يساعدنا في دراسة الكتاب المُقدَّس. لقد وعد الرب يسوع رسله أن: "روح الحق" سيقودهم إلى كل الحق (يوحنا 16: 13). كم هو رائع أن الروح القدس نفسه الذي أوحى بالكتاب المُقدَّس يسكن بداخل المؤمنين ويُمكِّن دراستنا للعهدين القديم والجديد "لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ" (1 كورنثوس 2: 12). بالنعمة الإلهيَّة، فإن الباحث الجاد في الكتاب المُقدَّس، والصادق في سعيه لقيادة الروح القدس، والذي يستفيد استفادة كاملة من جميع الطرق التي يبارك بها الله كنيسته –بما في ذلك الاستماع الأسبوعي لكلمة الله التي يتم الوعظ بها، وشركة المؤمنين، والصلاة– سوف يفهم كلمة الله ويأتي بثمر كثير (متى 13: 23؛ مرقس 4: 20).

احضار لاهوتنا إلى الكتاب المُقدَّس:

يكمن الخطر دائمًا في أنَّنا قد نُسقط على الكتاب المُقدَّس عن غير قصد تحيُّزاتنا غير الكتابيَّة. في بعض الأحيان نقوم بإقحام معاني إلى النص، غير موجودة فيه، بدلًا من استخراج الحق من النص. ولكن مثلما انتصر الله على خطايانا من خلال المسيح (رومية 5: 15-17)، كذلك فإن كلمته قادرة على كشف وتصحيح الافتراضات الخاطئة التي نحضرها لها. عمليًّا، إذن، لا ينبغي لنا أن نتظاهر بأنَّ الافتراضات المختلفة لا تثري قراءتنا للكتاب المُقدَّس. بدلًا من ذلك، يجب أن نعمل على تشكيل افتراضاتنا من قراءتنا المتأنيَّة لما يقوله الكتاب المُقدَّس. في الواقع، السعي لإحضار إطار لاهوتي مدروس، قائم على أسس كتابيَّة، لتوضيح النص يُمكِّننا بشكلٍ أفضل من إدراك متى يكون النص الكتابي "غير متوافق" مع افتراضاتنا السابقة، وهذا سوف يدفعنا إلى العمل على توافق تفكيرنا بشكلٍ أفضل مع الكتاب المُقدَّس. والنتيجة هي نوع من "دوَّامة التفسير"، وهي فحص وتقييم مستمر للمنظور اللاهوتي الذي شكَّلناه من قراءتنا للكتاب المُقدَّس، بحيث يتطوَّر منظورنا اللاهوتي باستمرار.

على سبيل المثال، ربما تعلَّمَ مؤمن جديد أن المسيح مات ليرفع الخطيَّة (1 يوحنا 3: 5). هذه المعرفة، مهما كانت محدودة، تصبح عدسة يقرأ من خلالها عن الذبائح اليهوديَّة الموصوفة في العهد القديم. وفجأة، عند قراءة عبرانيين 10: 4 ("لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا")، تتطوَّر لديه رؤية لاهوتيَّة جديدة وهي أن: الذبائح في إسرائيل كانت تشير إلى مجيء المسيح، الذي هو الذبيحة الفعَّالة الوحيدة عن الخطيَّة (عبرانيين 7: 27؛ 9: 26). وبذلك تزداد معرفة المؤمن بالكتاب المُقدَّس، وسرعان ما يتوهَّج إعلان يوحنا المعمدان في يوحنا 1: 29 ("هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!") على الصفحة بإشراق جديد.

ثمرة صياغة اللاهوت من الكتاب المُقدَّس:

إذا كان اللاهوت الحقيقي يدور حول الله المجيد الذي أعطانا الكتاب المُقدَّس، فإن صياغة اللاهوت هو هدف مناسب لكل قراءة للكتاب المُقدَّس. لكن إعلان الله جاء إلينا لغرض أسمى، ألا وهو أن نعرف الله شخصيًّا في المسيح ونعبده برباط الشركة. شكرًا لله، فقد ربط الله هذين الهدفين معًا عن طريق تصميم بسيادته. عندما نقرأ الكتاب المُقدَّس من أجل اللاهوت المُقدَّم فيه، فإن دراستنا ستُغذِّي العبادة الحقيقيَّة. وما جمعه الله، لا يُفرِّقه إنسان.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

كارلتون وين
كارلتون وين
الدكتور كارلتون وين هو أستاذ مساعد لعلم اللاهوت النظامي والدفاعيَّات بكليَّة وستمنستر للاهوت بمدينة فيلادلفيا.