الله الآب| خدمات ليجونير
معرف الحق
۲۹ يوليو ۲۰۲۱
دراسة الكتاب المُقدَّس وصياغة اللاهوت
٤ أغسطس ۲۰۲۱

الله الآب

إن كان في هُويَّة إسرائيل في العهد القديم إيمانًا مركزيًّا، فهو هذا: "الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تثنية 6: 4). على عكس الأمم التي كانت مُحيطة بإسرائيل، الأمم التي عبدت العديد من الآلهة، تميَّزت إسرائيل كشعبٍ يعبد إلهًا واحدًا فقط. لقد كانوا مُوحِّدين.

لكن ينبغي لنا إضافة أن التوحيد الحقيقي ليس مُجرَّد الإيمان بوجود إله واحد. بل يعني أيضًا أن هذا الإله إله وحيد ليس سواه. ويُطلق اللاهوتيُّون على هذا مُصطلح "بساطة الله". وهذا المصطلح لا يعني أن الله يفتقر إلى العُمق. بل، البساطة هنا تُشير إلى وحدانيَّة الله. فهو ليس إلهًا مُكوَّنًا من أجزاء، كما أنَّه غير منقسمٍ إلى أجزاء. فالأمر ليس كما لو كان بإمكانك تجميع كل صفات الله لتحصل في النهاية على ما نسميه "الله". إنَّما، الله واحد. فصفاته هي جوهره[1] وجوهره هو صفاته. فكل ما في الله هو ببساطة الله. من ثمَّ، قول إن الله واحد لا يعني فحسب إنه لا يوجد سوى إله واحد حقيقي، بل أيضًا يعني أن هذا الإله هو إله واحد في الجوهر.

إعلان الثالوث في الإنجيل:

إذا كنت قد قرأت قصة الكتاب المُقدَّس، فأنت على دراية بأن اعتراف إسرائيل بوحدانيَّة الله ما هو سوى بداءة إعلان الله عن ذاته. فالله الذي أعلن عن نفسه بأنه واحد، هو عينه الله مَن أعلن عن ذاته بأنه ثالوث. ربما أُعلنت هذه التعدُّديَّة ضمنيًّا في العهد القديم، لكن في العهد الجديد صارت أكثر وضوحًا وجلاء بميلاد ابن الله، الرب يسوع المسيح. وكاتب الرسالة إلى العبرانيِّين يقول لم يُعلن الله الآن نفسه في مجيء ابنه فحسب، بل أن هذا الابن هو "بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الْأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ" (عبرانيين 1: 1-3).

فلماذا جاء؟ لكي يصنع "تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا" (آية 3). وكيف صنع هذا؟ تُخبرنا الأناجيل الأربعة أن الابن كان قادرًا على خلاصنا لأنَّه قد تجسَّد من أجلنا. لقد مثَّلنا في الجسد لكي يفدينا بحياته وموته وقيامته. هذا الابن، الذي دعاه يوحنا "الكلمة" كونه الإعلان الأسمى عن لله ذاته، "صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا"، لكي نأخذ نحن "نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" (يوحنا 1: 14، 16). ها هو بيت القصيد: بإعلان الإنجيل، نكون قد نلنا إعلان الثالوث. فهذا الله الواحد هو الآب والابن والروح القدس.

الأبويَّة:

لقد أوضح بعض أفضل اللاهوتيِّين في الكنيسة عقيدة الثالوث من خلال تقديم ألفاظ وعبارات مُعيَّنة لا تُعطينا فهمًا أوسع حول طبيعة الله الثالوث فحسب، إنَّما أيضًا تحمينا من الهرطقة. على سبيل المثال، لقد خلصوا إلى أنَّ الله واحد في الجوهر لكنَّه ثلاثة أقانيم. وكما راق للآباء قول: كل أقنوم موجود بذاته من الجوهر الإلهي. أعلم أن هذا يبدو علمي بحت، لكن لاحظ أنَّه طريقة لضمان أن الثلاثة أقانيم في جوهر الله متساوون. فالجوهر الإلهي ليس مُقسَّمًا إلى أجزاء ليتوزَّع بين الأقانيم. لا، فكل أقنوم إله كامل، لأنَّ الجوهر الواحد غير المُنقسم موجود في كل أقنوم من الثلاثة من الأبد إلى الأزل. فالآب والابن والروح القدس ليسوا ثلاثة آلهة منفصلة – هذه ما تُدعَى بهرطقة الثالوث الإلهي. بل هم إله واحد. ولا يُوجد أقنوم منهم أقل من الآخر – فهذه ما تُدعَى بهرطقة الأريوسيَّة. بل هم من الأزل وإلى الأبد إله واحد متساويين.

وفي محاولتنا لتجنُّب هرطقة الثالوث الإلهي، نقع في فخ هرطقة الشكلانيَّة التي هي الإيمان بوجود إله واحد لكنَّه يتغيَّر إلى ثلاث أشكال مختلفة. هذه هرطقة أيضًا لأنَّها تنكر أن الآب والابن والروح القدس أقانيم حقيقيَّة متمايزة عن بعضها. بل إن هذه الهرطقة تُعلِّم أنَّهم مُجرَّد أقنعة يرتديها أقنوم واحد ندعوه نحن بالله.

لكن ما الذي يُميِّز الثلاثة أقانيم تحديدًا؟ حسنًا، تأمَّل ما الأسماء التي أطلقها الكتاب المُقدَّس ليعلن هذه الأقانيم الثلاثة لنا: الآب والابن والروح القدس. الأقنوم الأوَّل هو الآب لأنَّه هو آب الابن. ولكن على عكس تصوُّرنا البشري عن الأبوَّة، فالله الآب هو آب ابنه أزليًّا. وأيضًا، على عكس الآباء البشريِّين، ليس لله الآب آب لذاته. ولم يكن ابنًا قط. فأبويَّته أزليَّة بلا بداءة.

أمَّا الأقنوم الثاني هو الابن لأنَّه مولود من آبيه. ولكن على عكس البنوَّة البشريَّة، لم يكن قط زمن لم يكن فيه الابن. فبنوَّته بنوَّة أزليَّة. وولادته ولادة أزليَّة. الأقنوم الثالث هو الروح القدس لأنَّ الآب والابن هما من تنفَّساه (أو انبثق من الآب والابن). فهو ليس ابنًا ثانيًا، كما لو أنَّه شقيق للابن، ولا هو حفيد الآب. فهو الروح القدس لأنه لم يُولَد بل انبثق.

في اللاهوت، إنَّ ما نصفه هنا يُدعَى "علاقات المصدر الأزليَّة"، وهذه العلاقات وحدها ما تميِّز بين الأقانيم الثلاثة وتحدِّد خصائصهم الأقنوميَّة (عدم الولادة[2]، والبنوَّة، والانبثاق).

المصدر:

ربما لاحظت هذا فعلًا، لكن علاقات المصدر الأزليَّة هذه فريدة لدى كل أقنوم من الثالوث. فهي لا يمكن نقلها، بمعنى أنَّها لا يمكن تشاركها. تأمَّل أقنوم الآب على سبيل المثال. هو الوحيد غير المولود وغير المُنبثق. لكن هذا لا يمكن تطبيقه على الابن المولود من الآب منذ الأزل؛ ولا يمكن أيضًا تطبيقه على الروح القدس المُنبثق من الآب والابن منذ الأزل. فالآب وحده هو غير المولود؛ وهذه صفة فريدة خاصَّة بأقنومه. لهذا السبب، راق لآباء الكنيسة دعوة الآب بلقب "المصدر" (أو "الأصل" أو "المنشأ") في جوهر الله. في الواقع، هو المصدر بلا مصدر، لأنَّه وحده لم ينبثق من أي آخر ولم يُولَد من أي آخر. هذا ما تعنيه الأبويَّة في الثالوث، كما أنها تشرح لماذا أعلن الله هُويَّته الثالوثيَّة بتلك الطريقة.

على سبيل المثال، هل تساءلت قبلًا لماذا كان الرب يسوع، في إنجيل يوحنا، يبرز أهميَّة حقيقة أنَّ الآب قد أرسله باعتباره الابن (على سبيل المثال، يوحنا 5: 24، 30، 36)؟ لماذا ليس العكس، أنَّ الآب أرسله الابن؟ بينما يقول البعض إنَّ الأمر عشوائيًّا، نحن نرى الأمر بشكلٍ مختلف. يكمن السبب في إرسال الآب الابن في أنَّ الابن هو من الآب أزليًّا، لأنَّه مولود من الآب منذ الأزل.

وتتمثَّل النقطة المُهمَّة في أن أعمال الثالوث في تاريخ الخلاص (إرسال الابن مُتجسِّدًا وسكب الروح القدس في يوم الخمسين) تعكس عمدًا علاقات الأقانيم الثلاثة سرمديًّا. فما الذي يعكس الآب كونه الأصل والمصدر أكثر ممَّا أنَّه أرسل ابنه في الزمان، الابن نفسه الذي ولده منذ الأزل إذ لم يكن قط زمن لم يكن فيه الابن؟ في ضوء ذلك، غالبًا ما يُرتِّب أو يُسمِّي الكتاب المُقدَّس الآب أوَّلًا (متى 28: 19؛ 1 يوحنا 5: 7)، ليس لأنَّ الابن والروح القدس أقل من الآب بحسب الطبيعة أو أتيا بعد الآب في الزمن – فالثلاثة أزليُّون ومتساوون، كما يُعلِّم قانون الإيمان الأثناسي. بل هذا لأنَّ الآب غير المولود هو المصدر والأصل الذي منه وُلِدَ الابن ومنهما انبثق الروح القدس. ينعكس هذا الترتيب في الزمن حين أرسل الآب الابن والروح القدس، كونه مصدرهما وأصلهما.

المُصمِّم:

إذا كان الآب هو مصدر الثالوث بحسب أبوَّته، فمن اللائق أيضًا أن نطلق عليه مُصمِّم الخلق والخلاص. فمن جانب، كل عمل خارجي للثالوث تجاه النظام المخلوق هو عمل واحد غير منقسم للثالوث بأكمله. فأعمال الثالوث الخارجيَّة غير مجزَّأة، بمعني أن الأقانيم الثلاثة تعمل كونهم واحدًا في الخلاص لأنَّهم واحد في الطبيعة والمشيئة.

وفي الوقت ذاته، هناك أعمال خاصة مُحدَّدة لكل أقنوم على حدة من أقانيم الله الثلاثة – وهذا ما يُدعَى "التخصيصات الإلهيَّة". تأمَّل في التجسُّد على سبيل المثال. فهو لم يتم بأقنوم الابن بمفرده، بل هو إنجاز الله بأقانيمه الثلاثة. ومع ذلك، فإنَّ أقنوم الابن هو مَن تجسَّد. يمكن قول أمر مشابه عن الروح القدس في يوم الخمسين.

لكن ماذا عن الآب؟ بما أن الخلق والخلاص أعمال يتشارك فيها الأقانيم الثلاث، فمن حقِّنا أن نصف الآب بالمُصمِّم. فالآب خلق العالم بواسطة كلمته (الابن) بروحه القدُّوس. وبالمثل، الآب فدى مختاريه بواسطة الابن بروحه القدُّوس.

وفي نطاق أوسع، مع أن الفداء قد خطَّط له الأقانيم الثلاثة وأتمُّوه وطبَّقوه، لكن هناك بعض الجوانب الخاصَّة في عمل الخلاص هذا تُنسَب إلى كل أقنوم على حدة حسب الخصائص الفريدة لكل أقنوم. فالآب، كونه المصدر والأصل والمنشأ، أرسل ابنه ليتجسَّد ليُتمِّم الفداء، وعند ذلك الزمان (مع الابن) أرسل روحه القدُّوس ليُطبِّق الفداء على مختاري الله. فالآب هو مُصمِّم خلاصنا، والابن مُنفِّذ خطة الخلاص هذه، والروح القدس هو مُكمِّلها. وكما قال اللاهوتي المصلح يوهانس فان دير كيمب (Johannes Van der Kemp) بلغة أدبيَّة: "الآب عَيَّن النعمة للمختارين، والابن اقتناها، والروح القدس يُطبِّقها ويوزِّعها على خاصة الله".

أبناء الآب:

إن كان الله الآب هو مُصمِّم خلاصنا، فنحن لنا يقين عظيم بأنَّنا أبناءه بالتبنِّي. تختلف بنوَّتنا هذه عن بنوَّة الأقنوم الثاني في الثالوث (بنوَّتنا بالنعمة، أما بنوَّته بالطبيعة). ومع ذلك، لأنَّ الآب هو مصدر ومُصمِّم خلاصنا، الذي أرسل ابنه الوحيد المولود منه، يمكن تبنِّينا في عائلته في المسيح ومن خلاله ودعوتنا لندعوه أبانا.

[1] إن جوهر الله، أو كينونته، هو الطبيعة أو الجوهر الإلهي الواحد، الذي يجعله الله. إن الآب، والابن، والروح القدس هم homoousios أي "من نفس الجوهر" – فكل أقنوم هو إله كامل ومساو للآخر، وهم إله واحد. وكل أقنوم متطابق فيما يتعلَّق بالصفات الإلهيَّة – متساوون في الكينونة، والحكمة، والقوَّة، والقداسة، والعدل، والصلاح، والحق، والسلطان، وكل صفة إلهيَّة أخرى.
[2] إنَّ عدم الولادة هو الصفة الأقنوميَّة التي تميِّز الآب عن الابن وعن الروح القدس. فالآب إله كامل، مثل الأقنومين الآخرين، لكنَّه فيما يتعلَّق بأقنومه، فهو غير مولود أزليَّا. الآب ليس من أحد.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

ماثيو باريت
ماثيو باريت
الدكتور ماثيو باريت هو أستاذ مُشارك للاهوت المسيحي في كليَّة لاهوت (Midwestern Baptist Theological Seminary) في مدينة كانساس سيتي، بولاية ميزوري، والمُحرِّر التنفيذي لمجلة (Credo Magazine). وهو مُؤلِّف العديد من الكتب، بما في ذلك (Simply Trinity) و(None Greater: The Undomesticated Attributes of God).