الصلاة واسطة النعمة
٤ مارس ۲۰۲۱
مَثَل الفعلة في الكرم
۹ مارس ۲۰۲۱

كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ

إن ما أسمِّيه "المتعة المسيحيَّة" هو أسلوب حياة مُتأصِّل في القناعة بأن الله يتمجَّد فينا أكثر عندما نشعر أكثر بالشبع والاكتفاء فيه. إن الآثار المُترتِّبة على هذه القناعة شاملة ومُشوِّقة، بما في ذلك الحقيقة المُذهلة بأن كل فضيلة حقيقيَّة وكل عبادة حقيقيَّة تتضمَّن بالضرورة السعي وراء التمتُّع بالفرح في الله.

والسبب في ذلك هو أن كل فضيلة حقيقيَّة وكل عبادة حقيقيَّة يجب أن تتضمَّن قصد تمجيد الله. هذا لأننا خُلقنا لكي نُمجِّد الله (إشعياء 43: 7)، ولأن بولس قال: "فَإِذَا كُنْتُمْ... تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ" (1 كورنثوس 10: 31). لذلك فمن الخطيَّة السعي وراء أي عمل صالح أو أي عبادة بدون قصد تمجيد الله.

لكن الله لا يتمجَّد حين يكون بالنسبة لنا أقل إشباعًا واكتفاءً به من الأشياء الأخرى. فذلك تقليل من شأنه واستهانة به. بمعرفة ذلك، لا يمكننا أن نكون غير مبالين بما إذا كنَّا نجد في الله الشبع والاكتفاء من خلال الأفعال التي نسعى لتحقيقها. في كل هذه الأفعال، إذا أردنا تمجيد الله، يجب أن نهدف إلى أن نجد فيه الشبع والاكتفاء أكثر من أي شيء آخر.

عندما قال الرب يسوع: "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ" (أعمال الرسل 20: 35) لم يقصد أن نتجاهل هذه الحقيقة عندما نعطي. في الواقع، في هذا النص نفسه الذي اقتبس فيه بولس من الرب يسوع، قال الرسول بولس إننا يجب أن "نتذكر" ذلك ونحن نعطي. إن الرغبة في الحصول على البركة من العطاء للآخرين هي فقط أنانيَّة وجشع إذا لم تكن البركة التي نرغب فيها هي الله نفسه، ولا تسعى أن تشمل الآخرين معنا في هذا الفرح من خلال عطائنا.

عبارة مُفضَّلة لنا:

لكن كل هذا لا يصل إلى عمق المتعة المسيحيَّة — طبيعة هذا المتعة، وروحها، وشكلها، وأسلوبها. إن العبارة الكتابيَّة التي استخدمتها أكثر من أي جملة أخرى لتلخيص هذا الأسلوب مأخوذة من 2 كورنثوس 6: 10 "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ". لكن نادرًا ما أقدِّم تفسيرًا أو توضيحًا لها. لذا أريد أن أعمل كلاهما باختصارٍ.

في 2 كورنثوس 6: 3-10، يُوضِّح بولس كيف أنه لا يضع حجر عثرة في طريق أي شخص من خلال أسلوب حياته (الآية 3)؛ بدلًا من ذلك، فهو يمتدح نفسه لكونه حقيقي بكل طريقة ممكنة — من خلال ثلاثين نوعًا من الخبرة الحياتيَّة المختلفة.

من بين تلك الخبرات الحياتيَّة الثلاثين نجد: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ". تكرَّر ذكر هذه الخبرات ضمن عدَّة ثنائيَّات: "كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ، كَمَجْهُولِينَ وَنَحْنُ مَعْرُوفُونَ، كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا، كَمُؤَدَّبِينَ وَنَحْنُ غَيْرُ مَقْتُولِينَ، كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ، كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ" (2 كورنثوس 6: 8-10).

ما ينطبق على بولس:

سُئلت ذات مرة لماذا أتعامل مع "الحزن" كشيء ينطبق على بولس في حين تحتوي هذه القائمة على أمور غير صحيحة تم تصويبها بعد ذلك (على سبيل المثال "كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ"). ربما يعني بولس أنه يُنظر إليه على أنه "حزين" لكنَّه في الحقيقة ليس كذلك؛ بل هو دائمًا فَرِح.

السبب في أنني لا أعتقد أن هذا ما يعنيه بولس هو أن بولس ينتقل من ثنائيَّات يتناقض الخطأ مع الصواب فيها (مثل: "كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ")، إلى ثنائيَّات كلاهما صواب (مثل: "كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ").

في فكر بولس، "مجهولين، ومائتين، ومُؤَدَّبِين، وحزانَى، وفقراء، ولا شيء لنا" كلها تنطبق عليه. لذلك في بداية الآية 9، انتقل من الادِّعاءات الخاطئة التي قام بتصحيحها بأشياء حقيقيَّة ثم بدأ في سرد ثنائيَّات كلاهما صحيح ولكنَّها تشكِّل بعض التناقض الظاهري: مَجْهُولِينَ / مَعْرُوفُونَ، ومَائِتِينَ / نَحْيَا، ومُؤَدَّبِينَ / غَيْرُ مَقْتُولِينَ، وحَزَانَى / فَرِحُونَ، وفُقَرَاءَ / نُغْنِي.

لذا نعم، يرى بولس نفسه أنه "حزين" حقًا. وهذا ليس مُفاجئًا لنا بالنظر إلى رومية 9: 2-3 إذ يقول: "إِنَّ لِي حُزْنًا عَظِيمًا وَوَجَعًا فِي قَلْبِي لاَ يَنْقَطِعُ... لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ". حزن عظيم ووجع لا ينقطع. يا له من أمر مذهل!

إذا كان ذلك ينطبق على رسول الفرح العظيم، فكم بالحري ينطبق علينا؟ بالتأكيد، تتَّسم حياتنا بأحزان مُستمرَّة (وفرح) أيضًا. إن لم تتَّسم حياتنا بهذا، فربما نحن لا نحب الخطاة الضالين مثلما فعل بولس.

الفرح الجاد:

لذا فإن عمق المتعة المسيحيَّة ليس فرح أو سعادة مُنعشة، أو عفويَّة، أو بسيطة، أو طفيفة، أو ساذجة، أو ساخرة. ويمكن التغلُّب على المتعة المسيحيَّة تمامًا بالضحك، لكن هذا لا علاقة له بالعبث المنتشر الذي لا مجال فيه للفرح الجاد.

قال سي. إس. لويس في كتابه "رسائل إلى مالكولم" (Letters to Malcolm): "الفرح هو أمر جاد في السماء". آمين. وكتب في كتابه "تأملات مسيحيَّة" (Christian Reflections) قائلًا: "يجب أن نمرح! لكن فرحنا يجب أن يكون من هذا النوع (وهو في الواقع أروع نوع) الموجود بين الأشخاص الذين يعاملون بعضهم البعض بجديَّة منذ البداية، بدون مبالغة، ولا تعالي، ولا تعجرف".

هناك قلب رقيق يفرح مع أولئك الذين يفرحون، ويبكي مع مَن يبكون — في نفس الوقت. في بعض الأحيان يُظهر المرء هذه المشاعر، وأحيانًا تظهر المشاعر الأخرى. ولكن كل منهما يعطي نكهة للآخر. فيمكنك تذوُّق النكهة الغريبة لهذا الفرح وهذا الحزن.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون بايبر
جون بايبر
الدكتور جون بايبر هو مؤسِّس ومُعلِّم في هيئة "الاشتياق إلى الله" (Desiring God) ورئيس جامعة وكلية لاهوت بيت لحم (Bethlehem College and Seminary) في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا. وهو مؤلف العديد من الكتب، بما في ذلك "عندما لا أشتاق إلى الله" (When I Don’t Desire God) و"الحياة في النور" (Living in the Light).