العناية الإلهية كما قدَّمها إقرار إيمان وستمنستر - خدمات ليجونير
عناية الله المُعلنة في الكتاب المقدس
۳۱ يوليو ۲۰۲۲
التطبيق العملي للعناية الإلهية على حياتنا
۹ أغسطس ۲۰۲۲

العناية الإلهية كما قدَّمها إقرار إيمان وستمنستر

في بعض الأحيان، تبدو طرق الله محيِّرة. وكما يقول الرسول بولس، إن طرقه بعيدة عن الاستقصاء (رومية 11: 33). ولهذا السبب، نشجع نحن المؤمنون بعضنا البعض كثيرًا على أن نضع ثقتنا في العناية الإلهية، ونتذكَّر يده غير المنظورة، ونستريح في معرفتنا بأنه يدير كلَّ شيء لخيرنا (رومية 8: 28). وإننا نلجأ إلى العناية الإلهية عندما تكون طرق الله "بعيدة عَنِ الاسْتِقْصَاءِ" (رومية 11: 33). فعندما تضربنا محنة، ويفاجئنا شعور بالفرح، ويغمرنا حزن، وتطرق الفرص أبوابنا، وتدفعنا الظروف إلى الحافة، ولا نملك أجوبة، نعلم، كمؤمنين، بطريقة ما، وبشكل ما، أن الحل يَكمُن في العناية الإلهية.

تَكمُن جاذبية العناية الإلهية في كونها تضع كلَّ لحظة من لحظات حياتنا - سواء كانت جيدة، أو سيئة، أو أي شيء فيما بينهما- في إطار خطة الله لكلِّ شيء. فإننا نقول لأنفسنا إن الله هو المتحكِّم في كل شيء، لكننا مع ذلك لا زلنا نصارع في سبيل ربط فوضى حياتنا بيقينية التعيين الإلهي. فإننا، كمخلوقات محدودة وساقطة، لا نثق في كثير من الأحيان في أن الله سيقودنا، ويرشدنا، ويوجهنا حسب إرادته الصالحة والسيادية. تحدث المؤمنون في الماضي كثيرًا عن العناية الإلهية من أجل دعم وتشديد إيماننا في خضم شكوك الحياة وعدم يقينيتها.

بينما كنتُ أعمل على كتابة هذا المقال، كنتُ أتمشَّى في أنحاء الحرم الجامعي لكلية لاهوت الإصلاح، حيث أُعلِّم. ثم عدتُ إلى مكتبي مارًّا بالمقهى الخاص بالكلية لجلب قهوتي. وبينما كنتُ أنتظر القهوة، تحدثتُ مع أحد طلابي، وسألتُه عن شيء معيَّن في حياته. ومع أنه لم يكن يدري أنني أكتب مقالًا عن العناية الإلهية، ابتدأ يتأمل في مدى صعوبة عدم معرفتنا أو فهمنا دائمًا لطرق الله. ثم قدم لي مثالًا توضيحيًّا جيدًا. فقد أخبرني بأنه عند سفره بالسيارة، يُفضل أن تكون الخريطة مفتوحة على هاتفه الذكي، حتى يعرف طوال الوقت مكانه الحالي، وإلى أين يذهب، وكيف سيصل إلى وجهته. وأقرَّ بأنه لا يحب السفر عندما لا تكون بحوزته خريطة يمكن أن يتبعها، بل في المقابل يتولَّى صديق له أو أحد أفراد عائلته قيادة مسار الرحلة خطوة بخطوة. وقد نجح في توضيح وجهة نظره. فهو يعلم جيدًا أنه ينبغي أن يثق في عناية الله، لكنه يتمنى لو أمكنه أن يرى خريطة يمكن أن تبيِّن له إحداثيات حياته بالتفصيل.

في المؤلَّف الكلاسيكي للبيوريتاني جون فلافيل (John Falvel) بعنوان The Mystery of Providence ("لغز العناية الإلهية")، قال هذه الكلمات: "من بين واجبات القديسين، ولا سيما في أزمنة الضيق، هو أن يتأملوا في أعمال العناية الإلهية لأجلهم في كل أحوالهم، وعبر كل مراحل حياتهم". بتعبير آخر، يحثُّ فلافيل المؤمنين هنا على أن يفكِّروا في العناية الإلهية عند كلِّ منعطف في حياتهم، بل وأن يتكلَّموا مع المؤمنين الآخرين عن طرقه. لكن، كي نفكِّر على نحو جاد وسليم في "أعمال العناية الإلهية"، يلزم أن يكون لدينا فهم واضح لما نقصده بمصطلح "العناية الإلهية".

لا توجد الكثير من المصادر التي تلخص تعاليم الكتاب المقدس عن العقائد الأساسية على نحو أفضل من إقرار إيمان وستمنستر. وفي الفصل الخامس من هذا الإقرار، نجد واحدًا من أدق التعريفات للعناية الإلهية في تاريخ الكنيسة. وسندرس معًا في بقية هذا المقال المقاطع الأربعة الأولى من الفصل الخامس من إقرار إيمان وستمنستر، التي تتناول العقيدة الكتابية للعناية الإلهية بالتفصيل.

المقطع الافتتاحي للفصل الخامس يربط العناية الإلهية بتتميم قضاء الله الأزلي (انظر الفصل الثالث من إقرار إيمان وستمنستر) في نطاق خليقة الله (انظر الفصل الرابع من إقرار إيمان وستمنستر)، قائلًا:

الله الخالق العظيم لكلِّ الأشياء يحمل، ويُوجّه، ويُنظّم، ويحكم كلَّ المخلوقات، والأفعال، والأشياء، من كبيرها إلى صغيرها، بعنايته كليَّة الحكمة والقداسة، وحسب سابق علمه المعصوم من الخطأ، ورأي مشيئته الحر وغير المتغيِّر، لمدح مجد حكمته، وقدرته، وعدله، وصلاحه، ورحمته (إقرار إيمان وستمنستر 5. 1)

في الكتاب بعنوان The Truths We Confess ("الحقائق التي نعترف بها")، الذي يُعَد دليلًا رائعًا إلى فهم إقرار إيمان وستمنستر، وصف د. سبرول المقطع السابق من إقرار الإيمان بأنه "ملخص لا مثيل له للَّاهوت المُصلَح". بدءًا ذي بدء، لاحظ إن إقرار الإيمان يربط العناية الإلهية بعمل الخلق الإلهي. فبما أن الله خلق كل الأشياء، فهو يحكمها. ليس الله منعزلًا أو منفصلًا عن خليقته، لكنه متداخل إيجابيًّا في العالم الذي خلقه، موجهًا كل شيء، كبيرًا كان أم صغيرًا، وفق خطته السيادية. عزيزي القارئ، ليس الله شخصًا غير مبالٍ بأحداث حياتك. وإن ألمك لا يفاجئه أو يأخذه على حين غرة. فالإله الذي خلق المجرات يعرف عدد شعر رأسك، ومخاوف قلبك، وأحداث حياتك، وتفاصيل مستقبلك (انظر متى 6: 25-34؛ 10: 26-33).

يعج الكتاب المقدس بآيات تشهد عن حفظ الله لخليقته، وتوجيهه وحكمه لها، وتنظيمها. وإليك مجرد حفنة من هذه الآيات. يعلِّم مزمور 135: 6 بأن العناية الإلهية تمتد إلى كل جزء من أجزاء الخليقة: "كُلَّ مَا شَاءَ الرَّبُّ صَنَعَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ، فِي الْبِحَارِ وَفِي كُلِّ اللُّجَجِ". ويُذَكِّرنا أمثال 15: 3 بأنه " فِي كُلِّ مَكَانٍ عَيْنَا الرَّبِّ مُرَاقِبَتَانِ الطَّالِحِينَ وَالصَّالِحِينَ". ويقول دانيال 2: 21-22 إن الله "يُغَيِّرُ الأَوْقَاتَ وَالأَزْمِنَةَ. يَعْزِلُ مُلُوكًا وَيُنَصِّبُ مُلُوكًا. يُعْطِي الْحُكَمَاءَ حِكْمَةً، وَيُعَلِّمُ الْعَارِفِينَ فَهْمًا. هُوَ يَكْشِفُ الْعَمَائِقَ وَالأَسْرَارَ. يَعْلَمُ مَا هُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَعِنْدَهُ يَسْكُنُ النُّورُ". ويقول أعمال الرسل 17: 24-28 إن "الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ ... هُوَ يُعْطِي الْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفْسًا وَكُلَّ شَيْءٍ... وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ ... لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ". ويصرِّح عبرانيين 1: 3 بأن الله الابن، الأقنوم الثاني في الثالوث، هو "حَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ". فالشهادة المتنوعة للكتاب المقدس مفادها أن الله متحكِّم في كل شيء في السماء وعلى الأرض. قال توماس واطسون (Thomas Watson): "إن الله ليس شبيهًا ببنَّاءٍ يبني بيتًا، ثم يتركه، بل هو نظير القبطان الذي يقود سفينة الخليقة بأكملها".

ثم يربط إقرار إيمان وستمنستر العناية الإلهية ليس فقط بالخلق، بل أيضًا بما يسمَّى "رأي مشيئته [مشيئة الله] الحر وغير المتغيِّر". فإن أحداث الخلق والعناية الإلهية تُظهِر تكشف خطة الله الكاملة للعالم. بتعبير آخر، يتمِّم الله أحكامه الأزلية في أعمال الخلق والعناية الإلهية. لكن ما هي أحكام الله؟ يمدُّنا دليل وستمنستر الموجز لتعليم الإيمان عن طريق السؤال والجواب بإجابة مختصرة عن ذلك تقول: "أحكام الله هي قصده الأزلي، حسب رأي مشيئته، الذي به، ولمجده، قد سبق فعيَّن كلَّ ما يحدث" (إجابة السؤال 7). ببساطة أكثر، كلُّ ما يحدث في حياتك يحدث وفقًا لحكمة الله غير المحدودة، كما يقول كاتب المزمور: "مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ" (مزمور 104: 24).

تُذَكِّرنا عقيدة العناية الإلهية بأنه في حين يمكن لمقاصد الله المحدَّدة أن تكون محتجبة عن أعيننا، يظل بإمكاننا أن نستمد التعزية من معرفتنا بأن كلَّ ما يأتي علينا إنما هو نابع من خطة الله الصالحة والحكيمة لحياتنا. قطعًا، هذا الحق الثمين يكمن وراء التحريضات الكثيرة لنا بالاتكال على الله التي جاءت في سفر الأمثال. فإننا نوصى، على سبيل المثال، بأن نتكل على الرب، وليس على فهمنا، لأنه هو من سيقوِّم سبلنا (أمثال 3: 5-6). والرب هو الذي يهدي خطواتنا (أمثال 16: 9)، ومشورته ومقاصده تثبت إلى الأبد (أمثال 19: 21). وإحدى الطرق التي نعزِّز بها أنا وزوجتي من تلك الحقائق في عائلتنا هي أننا نتحدَّى بعضنا البعض على الوثوق في حكمة الله، والاكتفاء بما يعطيه لنا، والتحلِّي بالأمانة فيما يدعونا إلى أن نفعله كلَّ يوم. فإننا نستريح في الله ونتكل عليه لأننا نعلم أن لا شيء يقع خارج نطاق عنايته. فما من "جزيئات منشقة"، مثلما اعتاد د. سبرول أن يقول. وكل ما يحدث هو بحسب مشيئته، ولمجده.

في المقطع التالي من إقرار إيمان وستمنستر، نجد تفرقة صعبة لكن مهمة في الوقت نفسه بين العلة الأولى والعلل الثانوية، كالتالي:

فيما يتعلق بسابق علم الله وقضائه، الذي هو العلَّة الأولى، مع أن كلَّ شيء يحدث دون قابلة للتغيير أو للخطأ، لكن بواسطة هذه العناية نفسها، يأمر الله كلَّ شيء بالحدوث وفقًا لطبيعة العلل الثانوية، سواء العلل الضرورية، أو الحرة، أو المشروطة (إقرار إيمان وستمنستر 5. 2)

في جزء سابق من إقرار الإيمان، طرح علماء لاهوت وستمنستر هذه الفكرة نفسها القائلة:

الله، منذ الأزل، بحسب رأي مشيئته الكلِّي الحكمة والقداسة، عيّن بحريَّةٍ، ودون قابليَّة للتغيير، كلَّ ما يحدث. ومع ذلك، ليس الله بهذا هو مصدر الخطية، كما أن إرادة المخلوقات بهذا لا تُنتهَك. كذلك، لا تُنتزَع حريَّة أو مشروطية العلل الثانويَّة، بل بالأحرى تُوطَّد (إقرار إيمان وستمنستر 3. 1)

هذان التصريحان هما من أكثر المقاطع في إقرار الإيمان بأكمله التي تتسم بجودة الصياغة والثقل اللاهوتي. فقد رأينا بالفعل أن عناية الله هي التي تتسبب في تنفيذ خطته المعيَّنة مسبقًا لكلِّ شيء، وفي استمرار عمل هذه الخطة. فعند تفكيرنا في حُكم الله للخليقة، يجب أن نرفض أية فكرة عن العناية الإلهية تفترض أن الله ينسحب من العالم من ناحية، أو يعامل البشر على أنهم مجرد آلات من ناحية أخرى. فإننا نرفض كلًّا من الربوبية والقدرية، لأن كليهما يشوِّه علاقة الله بالعالم. فبحسب الربوبية، لا يفعل الله شيئًا. أما بحسب القدرية، يفعل الله كل شيء. ولا واحد من هذين الرأيين مقبول.

وبقول إقرار الإيمان إن الله هو العلة الأولى أو الرئيسية لكلِّ ما يحدث، وتأكيده في الوقت نفسه على مشروعية العلل الثانوية، أكَّد بهذا على وجود توافق بين سلطان الله وحرية الإنسان، بمعنى أن الله يتمِّم مقاصده من خلال الاختيارات الحرة للمخلوقات، ومن خلال علل ثانوية أخرى. قال يوسف لإخوته، الذين باعوه عبدًا: "أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا" (تكوين 50: 20). كان إخوة يوسف مذنبين بتهمة التآمر ضد أخيهم، والكذب على أبيهم بشأن موته (اقرأ تكوين 37)؛ لكن الله عمل من خلال هذه الأحداث حتى يوفي بوعوده لإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب (انظر تكوين 50: 24). وبالمثل، في رواية سفر الخروج لأفعال فرعون ضد شعب إسرائيل، نَعلَم أن فرعون قسَّى قلبه، ورفض إطلاق شعب إسرائيل من عبودية أرض مصر (على سبيل المثال، خروج 8: 32)؛ لكننا نُخبَر مرارًا أيضًا بأن أفعال فرعون هذه كانت ناتجة عن أن الله نفسه قسَّى قلبه (على سبيل المثال، خروج 9: 12). تبيِّن هذه النصوص الكتابية وجود عمل متبادل أو تلاقٍ بين مشيئة الله وإرادة الإنسان.

شرح جيرهاردوس فوس (Geerhardus Vos) مبدأ التوافق قائلًا:

كلُّ ما يمكن لأيِّ إنسان أن يفعله هو أن يتأمل في تاريخ حياته ليكتشف أنه كانت هناك يد عليا تحكم حياته وتديرها. وعند هذه المرحلة، تصير هناك صلة وثيقة للغاية بين إيماننا بعمل الله المتداخل معنا وبين اتكالنا عليه. فهو يوجِّه حتى أفعالنا الحرة نفسها. وبغض النظر عن كون الكيفية التي يفعل بها ذلك ربما تفوق إدراكنا، هو يعمل على أي حال في تداخُل وتوافُق معنا. فلا شيء، أو قدر، أو مصادفة يمكن أن تؤثر فينا، وهذا يحافظ على حريتنا، بل ما يؤثر فينا هو فقط عمل الله المتداخل معنا (مزمور 104: 4؛ أمثال 16: 1؛ 21: 1).

إن الله هو العلة الأولى والرئيسية لكلِّ الأشياء. إلا أن هذا التصريح، وفقًا لتلخيص إقرار الإيمان لكلمة الله، لا يلغي قوانين الطبيعة أو أفعال البشر الحرة. ففي لغز العناية الإلهية، يستخدم الله الوسائل العادية والطبيعية من أجل تحقيق مقاصده السيادية. يوضح ج. جريشام ماكين (J. Gresham Machen) العلاقة بين الله بصفته العلة الأولى لكل شيء، وبين العلل الثانوية كالجاذبية أو قراراتنا الشخصية، قائلًا في إيجاز: "يستخدم الله العلل الثانوية من أجل تتميم ما يتوافق مع قصده الأزلي. فالعلل الثانوية ليست قوى مستقلة يحتاج الله إلى تعاونها معه، بل هي وسائل يستخدمها كما يشاء تمامًا". ثم قدَّم ماكين مثالًا توضيحيًّا لتعزيز حُجَّته، كالتالي:

تخيَّل معي أنك اكتشفتَ وجود ثقبٍ في لوح زجاجي ناتج عن عيار ناري. سيكون من الطبيعي أن تستنتج أن هذا الثقب تسبَّب فيه اختراق رصاصة للزجاج، الأمر الذي تسبَّب فيه فعل إطلاق النار، الذي تسبَّب فيه أيضًا سحب الزناد، الذي تسبَّب فيه إمساك شخص ما بسلاح ناري. كمؤمنين، نحن نؤكد أن الله كلي السلطان على كل شيء. وبما أنه يعيّن كلَّ ما يحدث، فهو إذن العلة الأولى لتلك الأحداث. ومع ذلك، لا نستطيع أن نقول إن الله هو مَن سحب الزناد، كما لا نستطيع أن ننسب إلى الله فعل كسر الزجاج. يُصرُّ ماكين على أن الشخص الذي أطلق النار هو المسؤول عن الدمار الذي تسبَّبت فيه الرصاصة. فإن حكم الله في عنايته الإلهية لا يُلغي مسؤولية الإنسان عن أفعاله.

يعرض إقرار الإيمان مبدأ التوافق ليقول إن الله كليُّ السلطان وإننا أيضًا مخلوقات أخلاقية مسؤولة. فبما أن الله هو العلة الأولى لكلِّ ما يحدث، "يحدث كل شيء دون قابلة للتغيير أو للخطأ" بحسب قصده الذي حتَّمه مسبقًا. فإن خطة الله الأزلية للعالم لا تتغيَّر أو تسقط؛ إلا أنه أمر أحداث التاريخ بالحدوث "وفقًا لطبيعة العلل الثانوية، سواء العلل الضرورية، أو الحرة، أو المشروطة" (إقرار إيمان وستمنستر 5. 2).

لاحظ جيدًا أن علماء لاهوت وستمنستر أشاروا إلى ثلاثة أنواع من العلل الثانوية: الضرورية، والحرة، والمشروطة. العلة الضرورية، من وجهة نظرنا، هي العلة اللازمة كي نعيش حياتنا. على سبيل المثال، يقول تكوين 8: 22 إن "مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ: زَرْعٌ وَحَصَادٌ، وَبَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ، لاَ تَزَالُ". فإن فصول السنة العادية ضرورية ولازمة كي نستمتع بإيقاع حياتنا. ويُذكرّنا إرميا 31: 35 بأن الله هو "الْجَاعِلُ الشَّمْسَ لِلإِضَاءَةِ نَهَارًا، وَفَرَائِضَ الْقَمَرِ وَالنُّجُومِ لِلإِضَاءَةِ لَيْلًا". بكل تأكيد، ليس الله محتاجًا إلى خليقته، لكنه في حكمته أدار ورتَّب العالم على نحو يجعلنا بحاجة إلى الشمس، والقمر، والنجوم حتى نعيش الأيام والليالي التي أعدَّها لنا (انظر مزمور 90: 12).

ثم يشير إقرار الإيمان إلى العلل الحرة. فكلُّ ما خلقه الله يعمل وفقًا لطبيعته. فقد صمَّمنا الله نحن المخلوقات كي نكون كائنات أخلاقية مسئولين عن أفكارنا، وتأملاتنا، ومشاعرنا، وكلماتنا، وأفعالنا، وسلوكنا، إلى آخره. فإننا لا بد أن نقف أمام الله لنعطي حسابًا عن أعمالنا. يقول إقرار الإيمان إنه عندما خلق الله آدم وحواء في جنة عدن، كانا "خاضعين لإمكانيّة التعدّي، لكونهما تُركا لحريّة إرادتهما، التي كانت خاضعة للتغيير" (إقرار إيمان وستمنستر 4. 2؛ انظر 3. 1؛ 9. 1-5). من بين ما يعنيه ذلك هو أنه عندما أكلت حواء من الشجرة المحظورة، فعلت ذلك بمحض إرادتها. لاحظ الأفعال المذكورة في تكوين 3: 6. فقد رأت المرأة أن ثمار شجرة معرفة الخير والشر جَيِّدَةٌ لِلْأَكْلِ، واشتهت وتلذَّذت بما رأته، ورغبت في الحكمة التي كانت تلك الشجرة تقدِّمها، فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. ونتيجة أفعالهما، وقعا تحت لعنة (انظر تكوين 3). وبكلمات الجامعة، "أَنَّ اللهَ صَنَعَ الإِنْسَانَ مُسْتَقِيمًا، أَمَّا هُمْ فَطَلَبُوا اخْتِرَاعَاتٍ كَثِيرَةً" (الجامعة 7: 29). فعلى نحو نعجز عن إدراكه بالكامل، يعيِّن الله حياتنا المحدودة، بينما لا يقوِّض البتة من أفعالنا الاختيارية (اقرأ بعناية أعمال الرسل 2: 22-24 ولاحظ التوافق والتداخل بين خطة الله القاطعة والحتمية، والسلوك الآثم للذين صلبوا يسوع).

ثالثًا، العناية الإلهية لا تستبعد أو تتجاهل العلل الثانوية المشروطة. من منظور البشر، العلة المشروطة هي العلة التي تعتمد في حدوثها على شيء آخر. تأتي العلل المشروطة في كثير من الأحيان في شكل "إن- إذن". ويقدِّم الكتاب المقدس العديد من الأمثلة على ذلك. في خروج 21: 13 وتثنية 19: 5، نقرأ أنه إذا ثبت أن واحدًا من بني إسرائيل مذنب بتهمة القتل غير المتعمد، فقد عيَّن له الله موضعًا يمكن أن يلجأ إليه. وفي 1ملوك 22: 13-36، حذر ميخا النبي من موت أخآب الملك، حتى يبرهن على مصداقيته كمتحدِّث بلسان الله. فإذا مات ملك إسرائيل في الحرب، سيتبرهن حينئذ أن ميخا نبي حقيقي؛ لكن إذا رجع أخآب من المعركة سالمًا، ومثلما أوضح ميخا نفسه، "فَلَمْ يَتَكَلَّمِ الرَّبُّ بِي" (الآية 28). فإن مصداقية ميخا كنبيٍّ كانت مشروطة بعودة أخآب من المعركة إما حيًا أو ميتًا.

عندما نتحدث عن العلاقة بين العلة الأولى والعلل الثانوية، نؤكد بهذا أن الله يعيِّن كل شيء ويديره على نحو يضع قوانين الطبيعة وأفعال البشر في الحسبان. فإن سلطان الله لا يلغي العلل الثانوية، بل بالأحرى يوطدها. فإن مقاصده الأزلية تتحقق في التاريخ بفعل العناية الإلهية. فالله، بصفته العلة الأولى لكلِّ شيء، يتمم في حكمة وعن عمد قضاءه السيادي بواسطة التعاقب المستمر للفصول، وصعود وسقوط الإمبراطوريات، وتقلبات أسواق العمل، والمساعي اليومية للبشر المحدودين والمسؤولين أخلاقيًا، وأصحاب القرارات، والخطاة (انظر على سبيل المثال، إشعياء 10: 5-19، ولا سيما الآيتين 6-7).

يشير المقطعان التاليان من الفصل الخامس من إقرار إيمان وستمنستر إلى سمتين مهمتين للعناية الإلهية. تتعلق السمة الأولى بالمعجزات، حيث نقرأ ما يلي: "الله، في عنايته العاديَّة، يستخدم الوسائل، لكنه مع ذلك له الحرية أن يعمل بدونها، أو يتجاوزها، أو يخالفها، حسب مسرته" (5. 3). فالعالم الذي خلقه الله ليس منيعًا أمام تدخُّله. ففي المعتاد، يستخدم الله الوسائل الثانوية، مثل قوانين الطبيعة، من أجل تتميم مقاصده. إلا أنه ليس ملزمًا بأن يحدَّ تحكُّمه بعنايته الإلهية في هذه الوسائل. فقد يقرِّر أن يشق مياه البحر الأحمر، أو يشفي المرضى، أو يخرج الشياطين، أو يقيم شخصًا من الموت، حتى يظهر قدرته على أن يخلِّص شعبه. ليس الغرض من تلك الأعمال الفائقة للطبيعة هو أن تتعارض مع استخدام الله للوسائل العادية، أو تقوض من استخدامها، بل الغرض منها هو توسيع نطاق تحكُّم الله في كل شيء بعنايته الإلهية. قال أركيبالد ألكسندر هودج (Archibals Alexander Hodge) الكلمات التالية: "إن نظام الطبيعة والمعجزات ليسا متعارضين معًا، لكنهما بالأحرى عنصران في نظام واحد متكامل، مترابطان معًا على نحو وثيق". يستخدم الله القانون الطبيعي، وأعمال البشر، والمعجزات الإلهية من أجل تتميم خطته الأزلية التي لا تتغيَّر، لمجده.

السمة الثانية للعناية الإلهية التي يذكرها إقرار الإيمان هي أن سلطان الله على كلِّ شيء يجب ألا يُفهَم منه بأي حال من الأحوال أن الله هو مصدر الخطية. يقول الإقرار:

إن قوة الله القديرة، وحكمته البعيدة عن الفحص، وصلاحه غير المحدود هي صفات تتجلَّى جميعها بقوة في عنايته، وتمتد لتشمل حتى حدث السقوط الأول، وكل الخطايا الأخرى التي ارتكبها الملائكة والبشر، ليس فقط من خلال سماحه بحدوثها، بل قد جمع الله مع السماح تعيينًا حكيمًا وفعالًا للغاية، وكذلك ترتيبًا وضبطًا للأحداث، داخل تدبير متعدد الأوجه، وذلك بهدف تحقيق غاياته المقدسة. ومع ذلك، فبما أن الشر والفساد نابعان فقط من المخلوق، وليس من الله، الذي هو كليُّ القداسة والبر، فليس الله إذن هو مصدر الخطية أو المؤيِّد لها، ولا يمكن أن يكون كذلك (5. 4)

تَكمُن الفكرة الأساسية لهذا المقطع في التصريح القائل إن الأعمال الخاطئة نابعة فقط من الملائكة والبشر، وليس من الله. وفي سبيل إثبات هذا التصريح، احتكم دافيد ديكسون (David Dickson)، اللاهوتي الإسكتلندي، إلى شهادة موسى (تثنية 32: 4)، وداود (مزمور 5: 4)، ودانيال (دانيال 9: 14)، وحبقوق (حبقوق 1: 13)، وبولس (رومية 3: 3-5)، ويعقوب (يعقوب 1: 13-18)، ويوحنا (1يوحنا 1: 5؛ 2: 16)؛ ثم قدم عدة حُجج مبنية على هذه النصوص الكتابية والعديد من النصوص الكتابية الأخرى، كي يبيِّن أن الله ليس هو مصدر الخطية:

  • لأن الله قدوس وصالح على نحو غير محدود في جوهره، فهو طاهر وخالٍ من أيِّ خطأ أو عيب.
  • لأن الله كامل تمامًا، فهو لا يمكن أن يخفق أو أن يكون عمله ناقصًا.
  • لأن الله هو ديان العالم، فهو الناهي عن أيِّ خطية أو إثم، وهو يبغض الخطية، وينتقم منها، لكونها مخالفة لطبيعته القدوسة، وكذلك لشريعته المقدَّسة.

يأخذنا الفصل الذي يدور حول العناية الإلهية في إقرار إيمان وستمنستر إلى ما وراء كواليس التاريخ كي يطبع في أذهاننا الفكرة القائلة إن لا شيء على الإطلاق خارج عن نطاق حكم الله. فهو يعلم كلَّ شيء، ويعيِّن كلَّ شيء، ويوجِّه كل شيء لخير أولئك الذين هم في المسيح، لمجد اسمه الواحد في ثالوث (أفسس 1: 3-14). فعندما نتعرَّض لضغوط، ونصاب بالحيرة، ونتألم، ونحزن، ونندهش من غموض عناية الله، تُساعدنا دقة إقرار إيمان وستمنستر أن نرنم مع ويليام كوبر (William Cowper) قائلين:

في أعماق مناجم لا يُسبَر غورها

مناجم براعة لا تخفق البتة

يخزن لنا الله خططه المُحكَمة،

ويتمم مشيئته السيادة.

الأكثر من ذلك أيضًا أن هذا يدفعنا إلى الوقوف أمام إلهنا كليِّ السلطان، قائلين مع الرسول بولس: "لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ" (رومية 11: 36).

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون تويدال
جون تويدال
الدكتور جون تويدال هو العميد الأكاديمي وأستاذ اللاهوت في كلية الكتاب المقدس للإصلاح (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وقسيس في الكنيسة المشيخيَّة في أمريكا (Presbyterian Church in America).