تحديد مشيئة الله
۳۰ مارس ۲۰۲۰
كل ما عليك فعله هو الطاعة
۱۳ أبريل ۲۰۲۰

من الإذلال إلى التمجيد

تقف هناك كما لو كانت مجرد فكرة لاحقة لصقت بالإصحاح الثاني من سفر التكوين. لكننا نعلم أنه لا توجد أفكار لاحقة في ذهن الروح القدس ووحيه. وبالتالي، فإننا ننظر إلى هذا النص ليعطينا فكرة عن حالتنا قبل بؤس الخطية. نقرأ في الإصحاح 2 والآية 25: "وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ، آدَمُ وَامْرَأَتُهُ، وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ". تخبرنا هذه الآية أنه قبل أن تدخل الخطية إلى العالم، لم يكن هناك خجل. لم يكن هناك عار. كان اختبار الخزي غير معروف تمامًا وغريبًا على الجنس البشري. ومع ذلك، إلى جانب الاختبار الأول للخطية جاء العبء المروِّع لثقل الخزي والعار الشخصي. إن الخزي والعار هما مشاعر وتجارب تحدث لنا بدرجات مختلفة. أسوأ الخزي، وأكثر أشكال العار فزعًا، هو الذي يؤدِّي إلى الإذلال التام والكامل. إن الإذلال لا يجلب معه فقط حُمرة الوجه من العار ولكن أيضًا الشعور باليأس لأننا نفقد كرامتنا وتتدمَّر سمعتنا.

رغم ذلك، فقد جاء مُخلِّصنا طوعًا إلى هذا النطاق تحديدًا من العار والإذلال بالتجسُّد. تُصوِّر الترنيمة الشهيرة "قصور العاج" (Ivory Palaces) هذا التنازل عن المجد — تَرَك ابن الإنسان طوعًا القصر العاجي الذي هو مسكنه منذ الأزل. اختار بإرادته أن يُخلي نفسه، ويصير إنسانًا وعبدًا، مطيعًا حتى الموت. هذا هو الإذلال الذي قَبِلَه المسيح لنفسه بإرادته، ذلك الإذلال الذي يقف في بداية الرحلة الكاملة التي سافر من خلالها في طريقه إلى المجد وإلى تمجيده النهائي. إن الرحلة، كما يتتبَّعها العهد الجديد، تنتقل بداية من الإذلال في ولادة المسيح إلى تمجيده بقيامته من الأموات، وصعوده، وعودته.

إن نوعيَّة التمجيد هي عكس تمامًا نوعية الإذلال، وهي نقيضها الشديد. ففي التمجيد، لا تُستَرَدَّ الكرامة فحسب، بل تُتوَّج بالمجد الذي لا يمكن إلا لله أن يمنحه. وهكذا عندما ننظر إلى الموضوع الكتابي عن تمجيد المسيح، فإننا ننظر إلى الطريقة التي يُكافئ بها الآب ابنه ويعلن مجده للخليقة كلها.

نعرف أنه لا أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ونعرف أيضًا أنه في المعموديَّة، ننال علامة ورمز شركتنا مع المسيح في كلِّ من إذلاله وتمجيده. إن الوعد بالاشتراك في تمجيد المسيح مُقدَّم لكل مؤمن — ولكن هناك خطر. هناك تحذير، وهذا التحذير واضح: ما لم نرغب في الاشتراك في الإذلال الذي عانى منه المسيح، فلن يكون لدينا أيُّ سبب لتوقُّع الاشتراك في تمجيده على الإطلاق. ولكن هذا هو الإكليل الموضوع أمامنا، وهو أننا نحن الذين لا نملك الحق في المجد والكرامة الأبديَّة، سننالهم مع ذلك بسبب ما قد تحقَّق بواسطة فادينا الكامل نيابةً عنا.

في عام 1990، كَتبْت كتابًا بعنوان مجد المسيح. كانت كتابة هذا الكتاب واحدة من أكثر الخبرات إثارة التي مررت بها في الكتابة. كانت مهمَّتي في تلك الفرصة هي إثبات أنه بينما يوجد تدرُّجٌ عامٌ من الإذلال إلى التمجيد في حياة المسيح وخدمته، فإن هذا التدرُّج لا يسير في خط متَّصل يتحرك دون انقطاع من الإذلال إلى التمجيد. بدلاً من ذلك، يشرح الكتاب أنه حتى في تقدُّم المسيح بشكل عام من الإذلال إلى التمجيد، وفي أشد لحظات الإذلال، توجد تدخلات بنعمة الله، حيث يتجلَّى فيها مجد الابن أيضًا.

على سبيل المثال، عندما ننظر إلى ميلاد المسيح، من السهل أن نركز اهتمامنا على الفْقر الشديد الذي لازم ولادته في المذود وفي مكان لم يكن مُرحَّبًا به في المنزل. كان هناك شعور ساحق من المهانة في تدنِّي ولادته. ومع ذلك، في نفس اللحظة التي دخل فيها ربُّنا إلى عالمنا في هذه الظروف الذليلة، على بعد مسافة قصيرة فقط، انفجرت السماوات ببهاء مجد الله أمام أعين الرعاة للإعلان عن ولادته كملك.

حتى عندما ذهب إلى الصليب، في أشد لحظات إذلاله، كان لا يزال هناك لمحة لانتصاره على الشر، فلم يتم إلقاء جسده في مقلب النفايات خارج أورشليم؛ بدلاً من ذلك، تحقيقًا لنبوَّة إشعياء، الإصحاح 53، تم وضع جسد المسيح بعناية في قبر رجل غني. كان موته مخزيًا، لكن دفنه كان كرامةً عظيمةً من حيث العادات القديمة. فقد تعطَّر جسده بأطيب الحنوط وأغلى العطور، ودُفن في مكان كريم. لذلك، فإن الله في وسط آلام عبده المطيع، لم يَدَع قدوسه يرى فسادًا.

وعبر صفحات الكتاب المقدس، نرى هذه اللمحات هنا وهناك، وهي تخترق حجاب عباءة إنسانيَّة المسيح، وتخترق درع الإذلال والعار اللذين كانا نصيبه أثناء إقامته على الأرض. ينبغي أن تكون هذه اللحظات، أو اللمحات، للمؤمن بمثابة عربون لما ينتظرنا، ليس فقط التمجيد النهائي للمسيح في اكتمال ملكوته، ولكن أيضًا عربونًا لنا للسماء نفسها، حيث أصبحنا ورثة ووارثين مع المسيح. إن النصيب الأخير للمسيح، ومصيره، وميراثه، الذي وَعَدَه به الآب وضَمِنَه له، هو المجد، وهذا المجد يشارك به مع جميع مَن وضعوا ثقتهم فيه.

في اللغة البسيطة، يقف مُصطَلَحا التمجيد والإذلال بمثابة نقائض قطبيَّة. واحدة من أعظم أمجاد الحق الإلهي المُعلن وأكثر المفارقات تأثيرًا هي أنه في صليب المسيح يندمج هذان النقيضان ويتصالحان. في إذلاله، نجد تمجيدنا. يتم استبدال عارنا بمجده. كان كاتب الترانيم على حق عندما كتب: "نفسي الخاطئة، عاري الوحيد، مجدي، كله في الصليب".

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسِّس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو (St. Andrews Chapel) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكليَّة الكتاب المقدَّس للإصلاح (Reformation Bible College). وهو ألَّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك بما في ذلك "كلُّنا لاهوتيُّون" (Everyone’s A Theologian).