سيادة الله ومجده
۱۷ مارس ۲۰۲۰
من الإذلال إلى التمجيد
٦ أبريل ۲۰۲۰

تحديد مشيئة الله

على مر السنين، اجتهد الكثير من الناس لتحديد مشيئة الله. عندما نتحدَّث اليوم عن مشيئة الله، فإننا نميل إلى الحديث عن أشياء تتعلَّق بأنفسنا — عادة ما تكون أشياء حسنة مثل شريك الحياة، وأولادنا، ووظائفنا، وأموالنا، وهواياتنا. ومع ذلك، عبر التاريخ عندما ناقش اللاهوتيُّون مشيئة الله، فعلوا ذلك ليقولوا أشياء عن الله في المقام الأول —عادة عن أشياء عميقة مثل طبيعة الله، وقضاء الله، وحرية الله، وسيادة الله، وحكمة الله. لم يكن هذا لتجاهل قرارات الحياة الكبرى ولكن لتحديد موقعها في المدى الواسع لمقاصد الله الأزليَّة.

إن تحديد مشيئة الله هو أمر مهم بالنسبة لنا كمؤمنين لأنه يكشف عمَّن هو الإله الأزلي، كلي القوة، وكلي المعرفة. يصف جيرهاردس فوس مشيئة الله على أنها "كمال الله الذي من خلاله يتصرَّف بأكثر الأفعال بساطة وأكثر الطرق عقلانيَّة نحو نفسه باعتباره الخير الأسمى ونحو خلائقه خارجًا عنه من أجل نفسه". يمكن صياغة الأمر بالنفي، لا يمكن فصل مشيئة الله عن الله نفسه. بما أن الله واحد في الجوهر، فإن مشيئته لا تنقسم. كما يقول ريتشارد مولر بإيجاز، "الله هو ما يشاء". إذا نظرنا للأمر من جهتنا، فإن مشيئة الله تعكس شخصيته، وتكشف عن قصده لخليقته، وتُظهر حكمته وقوته في تعيين وترتيب كل ما يحدث لخيرنا ولمجده.

من أهم النصوص الكتابيَّة لتعريف مشيئة الله هو تثنية 29: 29. يقول النص: "السَّرَائِرُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا، وَالْمُعْلَنَاتُ لَنَا وَلِبَنِينَا إِلَى الأَبَدِ، لِنَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ". تلخِّص هذه الآية "كلمات العهد" التي أعطاها الله لإسرائيل في نهاية حياة وخدمة موسى (تثنية 29: 1). وهي أيضًا تعطي إطارًا كتابيًّا لاهوتيًّا لفهم المشيئة الإلهيَّة.

إن قرينة سفر التثنية مفيدة في هذا الأمر. بينما أعدَّ الرب يشوع كي يقود إسرائيل إلى أرض كنعان بعد موت موسى، ذكَّر شعبه بأهمية كلمته لمعرفة مشيئته. اتضح أن هذه الرسالة احتاجت إسرائيل إلى سماعها. إن توقُّع أرض الميعاد سيضغط على حدود إيمان إسرائيل لأنه اجتاز العقبات التي غالبًا ما تكمن في الفجوة بين الوعد والتحقيق. في مواجهة الشكوك التي تصاحب الحياة في العالم الساقط، احتاجت إسرائيل إلى التذكير بأن طاعة كلمة الله هي في مركز معرفة مشيئة الله لحياتهم.

في صميم هذا النص في تثنية 29 هناك تمييز بين "السرائر" التي تخص لله و "المعلنات" التي لنا ولأولادنا. بناءً على هذا التمييز، غالبًا ما يشير اللاهوتيُّون إلى مشيئة الله السريَّة ومشيئته المُعلنة. في حين أن هذه النقطة قد تبدو واضحة، لكنها ضروريَّة لتحديد مشيئة الله. فهناك أشياء لا حصر لها التي لا نعرفها كبشر، لأننا محدودون. لكن الشيء نفسه لا يمكن أن يُقال على الله، لأنه غير محدود وكلى المعرفة. إن معرفة الله مثله تمامًا: كاملة بالتمام. على عكسنا، لا يحتاج الله إلى حل المشاكل من خلال الاستنتاج. لا يحتاج إلى مستشارين كي يحدد ما يحب فعله في الأزمات أو لمساعدته على التأقلم مع المعضلات الأخلاقيَّة. بما أن الله غير محدود وغير مُدرك، فهو يمتلك معرفة كاملة لذاته ولكل الأشياء. لكن هذه المعرفة "السريَّة" تخص لله وحده. يمكن أن نسمِّي هذا غموض الله. فهناك أشياء معروفة فقط لله تتجاوز اكتشافنا (انظر رومية 11: 33–36).

في المقابل، معرفتنا مثلنا: محدودة وناقصة. بما أننا مخلوقون، فإننا نعتمد على الله لمعرفة مشيئته. بتعبير أدق، لأن يعلن الله عن ذاته في كلمته، يمكننا أن نعرف مشيئته حقًا وإن لم يكن بشكلٍ كامل. الفكرة هي أن الله هو أفضل مُفسِّر لمشيئته. هذا هو السبب في أهميَّة "المعلنات". يمثِّل الكتاب المقدس الإعلان الذاتي لمشيئة الله في شكل مكتوب. في حين أننا قد لا نكون قادرين على فك شفرة "سرائر" الله، نستطيع أن نضع ثقتنا في معرفة مشيئة الله إلى مدى إعلانه عن نفسه في كلمته. بالنسبة لإسرائيل ولنا، فإن تحديد مشيئة الله ينطوي على معرفة وتطبيق كلمة الله المكتوبة.

عندما نقرأ مشيئة الله المعلنة في الكتاب المقدس، نكتشف أن الكتاب المقدس يقدِّم فوارق عديدة مشيئة الله القضائيَّة، ومشيئة الله التشريعيَّة، ومشيئة مسرة الله. تشير مشيئة الله القضائيَّة إلى مشورته الكاملة والحكيمة في تعيينه الحر أو قضائه لكل ما يحدث. كما صرَّح الرسول بولس في أفسس 1: 11، "الَّذِي فِيهِ [المسيح] أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ". تؤكِّد مشيئة الله القضائيَّة على سيادته المطلقة على كل الأشياء، بما في ذلك الخلق والفداء، والتاريخ والعناية الإلهيَّة. على هذا النحو، لا يمكن إحباطها، ولا حتى بسبب خطايانا أو عصياننا. هذا لا يعني أن الله يُسر بالخطية أو أنه مصدر الخطية، ولكن القول إنه يسمح بها من أجل تحقيق مشيئته السياديَّة.

تمثِّل مشيئة الله التشريعيَّة المعيار الأخلاقي التي يطالب الله شعبه أن يتمِّمه. تخبرنا هذه المشيئة ما يطلبه الله منا كحاملي صورته، وهي تعلن ما يجب فعله، بغض النظر عمَّا إذا كنَّا نطيعها. إن مشيئة الله التشريعيَّة، المُلخَّصة لنا بإيجاز في الوصايا العشر، تُعرَف أيضًا بالناموس الأدبي. كما يشرح لنا دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُفصَّل:

إن الناموس الأدبي هو إعلان مشيئة الله للجنس البشري، موجِّهًا وملزمًا كل فرد نحو الخضوع لها وطاعتها بشكل شخصي، وتام، وعلى الدوام، في إطار ورغبة من كل إنسان، نفسًا، وجسدًا، وفي أداء كل واجبات القداسة والبر التي يدين بها لله وللإنسان؛ واعدًا بالحياة عند تحقيقها، ومتوعَّدًا بالموت عند انتهاكها. (دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُفصَّل 93)

باختصار، يتلخَّص منطق مشيئة الله التشريعيَّة في القول المأثور "كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (1بطرس 1: 16).

التمييز الأقل شهرة ولكنه ذو صلة هو مشيئة مسرة الله. تتكون رغبة الإرادة هذه من جزئين. من ناحية، تشير إلى مسرة الله في تعيين قضاؤه السيادي. على سبيل المثال، تتحدث أفسس 1: 5 عن تعيين الله المسبق لشعبه في المسيح "حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ". وتكشف أفسس 1: 9 كيف عرَّف الله سر مشيئته في المسيح "حَسَبَ مَسَرَّتِهِ". من ناحية أخرى، تشير إلى بهجة الله عندما نفعل ما يشاء (انظر رومية 2: 12؛ أفسس 5: 10؛ كولوسي 3: 20). وبهذا المعنى، فإن الله مسرور عندما نطيع ومستاء عندما نعصي.

بينما تساعدنا هذه الفروق الدقيقة في تعاليم الكتاب المقدس حول مشيئة الله، يجب ألا نستنتج أن هناك مشيئات متنافسة أو متناقضة في الله. تعكس الإرادة الإلهيَّة الخطة الوحيدة الموحَّدة للإله الحقيقي الواحد. يمكن أن نجد توضيحًا كلاسيكيًّا لهذا المبدأ في عظة الرسول بطرس في يوم الخمسين. في أعمال الرسل 2: 22–23، يقول،

أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ. هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ.

من جهة، إن الحكم بموت المسيح انتهك مشيئة الله التشريعيَّة، لأن قتل إنسان برئ هو جريمة. مع ذلك، من وجهة نظر مشيئة الله القضائيَّة، نعلم أن الصلب كان بحسب خطة الله السياديَّة. بالإضافة لذلك، يوضِّح النبي إشعياء مسرة مشيئة الله عندما تكلَّم عن المسيح قائلاً: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ... وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ" (إشعياء 53: 10). يساعدنا صليب المسيح على فهم أنه لا شيء يمكن أن يحبط مشيئة الله في ضمان خلاص شعبه لمجد اسمه.

بينما نحن نواجه قرارات كبيرة وصغيرة، لا يجب أن نستنتج ببساطة أن ردنا يكون أن "نستسلم للأمور وندع الله يتولَّاها". إن الثقة في مشيئة الله تنطوي على الاتكال العامل بفعاليَّة على حكمته الإلهيَّة والخضوع لكلمته. بينما سرائر الله تظل سرًا، نعلم بيقين أن مشيئة الله تتضمن النمو في القداسة والشكر في كل الأحوال (1 تسالونيكي 4: 3؛ 5: 18). قد نميل إلى القلق بشأن الغد، لكن معرفة مشيئة الله تدعونا إلى حياة الطاعة اليوم.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون تويدال
جون تويدال
الدكتور جون تويدال هو العميد الأكاديمي وأستاذ اللاهوت في كلية لاهوت الإصلاح (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وقسيس في الكنيسة المشيخيَّة في أمريكا (Presbyterian Church in America).