التمتُّع به إلى الأبد
۲٦ أكتوبر ۲۰۲۰
العالم
٦ نوفمبر ۲۰۲۰

الأبدية في قلوبنا

قليل من الأشياء هي التي تصوِّر توقُّع معاينة المسيح وجهًا لوجه بشكلٍ أفضل من حفل الزفاف. في 14 يناير 1632، كتب القس وعالم اللاهوت الإسكتلندي المشيخي صموئيل رذرفورد (Samuel Rutherford) رسالة لفت بها الانتباه إلى هذه الظاهرة قائلًا: "يجب أن تبدأ محبتنا [للمسيح] على الأرض كما ستكون في السماء، لأن العروس تُسر بعريسها ألف مرة أكثر مما تفرح بثوب زفافها".

إذا كنت قد حضرت حفل زفاف من قبل، فستُقدِّر ملاحظة رذرفورد. بغض النظر عن مدى جمال فستانها، لا تمشي العروس أبدًا في الممر وهي تنظر إلى ثوبها، بل ينصب تركيزها على مَن سيُصبح زوجها قريبًا. يشرح رذرفورد المثال التوضيحي ليساعدنا على رؤية الجمال الحقيقي للسماء، فيتابع قائلًا: "لذلك نحن، في الحياة الآتية، حتى لو لبسنا المجد كما برداء، فلن يكون لذلك المجد التأثير علينا مثلما سيكون تأثير حضور العريس ووجهه المليء بالسرور". تحت ثنايا كلام رذرفورد القديم توجد صورة عميقة. بقدر ما ستكون السماء مُذهلة، فإن ما يجعلها رائعة للغاية هو أننا سنرى وجه مخلصنا أخيرًا. الكنيسة كالعروس ستكون مع يسوع كالعريس، وسيعيشون في سعادةٍ دائمة.

بعد ما يقرب من قرنين من كتابة رذرفورد لرسائله الشهيرة، صاغت شاعرة إنجليزيَّة تُدعى آن كوزين (Anne Cousin) الترنيمة المعروفة "رمال الزمن تغرق" (The Sands of Time Are Sinking) استنادًا إلى "أقوال رذرفورد العذبة". يُلخِّص أحد المقاطع على وجه الخصوص التأثير الدرامي لرؤية المسيح في المجد:

لا ترى العروس ثوبها بل وجه عريسها المحبوب؛

لن أنظر إلى المجد، بل إلى ملك النعمة.

لا على الإكليل الذي يعطيه بل على يده المثقوبة؛

فالحمل هو المجد الكامل لبلاد عِمَّانوئيل.

في هذا الجانب من الأبديَّة، الحياة المسيحيَّة هي بمثابة فترة الخطوبة، التي نقضيها في انتظار يوم الزفاف. كمؤمنين، نحن نعيش بين ما هو بالفعل الآن وهو خطبتنا للمسيح وما هو ليس بعد وهو عشاء عُرس الخروف. يجب أن نكون مثل تلك التي ستصبح عروسًا وهي تنتهز كل فرصة للاستعداد للحياة مع حبيبها. إن توقُّع رؤية المسيح بالعيان في السماء يجب أن يُشكِّل الكيفيَّة التي بها نحيا حياتنا بالإيمان هنا على الأرض.

على مستوى أساسي أكثر، تكشف اللهفة التي يشعر به المقبلون على الزواج عن رغبةٍ أساسيِّة يشترك فيها جميع البشر وهي التوق إلى الأبديَّة. وقد أوضح كاتب سفر الجامعة هذه النقطة جيِّدًا في جامعة 3: 9-11:

فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لِمَنْ يَتْعَبُ مِمَّا يَتْعَبُ بِهِ؟ قَدْ رَأَيْتُ الشُّغْلَ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ بَنِي الْبَشَرِ لِيَشْتَغِلُوا بِهِ. صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ، وَأَيْضًا جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ، الَّتِي بِلاَهَا لاَ يُدْرِكُ الإِنْسَانُ الْعَمَلَ الَّذِي يَعْمَلُهُ اللهُ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ.

دعونا نتناول طريقتين يُعلِّمهما لنا هذا النص عن توقنا إلى الأبديَّة. أولًا، نقرأ أن الله "صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ" (الآية 11). وصف أحد المفسِّرين المعاصرين هذه الآية بأنها "أعظم تصريح عن العناية الإلهيَّة في الكتاب المقدس بأكمله". ما يجعل هذا النص الكتابي مدهشًا للغاية هو أن هناك الكثير في الحياة أبعد ما يكون الحُسن. لكن لا يجهل كاتب سفر الجامعة القبح الذي يسود العالم. فسؤاله في الآية 9 يردِّد صدى اللعنة المُعلنة في جنة عدن: "فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ لِمَنْ يَتْعَبُ مِمَّا يَتْعَبُ بِهِ؟" هذا ليس مجرد سؤال استنكاري منفصل عن ضغوط تجارب الحياة العمليَّة (انظر 1: 3). إن العمل الشاق دون جدوى واضحة مع القليل من الربح هو أمر اختبره شخصيًّا. "قَدْ رَأَيْتُ الشُّغْلَ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ بَنِي الْبَشَرِ لِيَشْتَغِلُوا بِهِ" (3: 10).

للإيضاح، تؤكِّد النصوص الكتابيَّة على كرامة العمل. قبل السقوط، أمر الله آدم وحواء بأداء واجباتهما مع الوعد بالإثمار (تكوين 1: 28-31، 2: 15-17؛ انظر جامعة 3: 13). ولكن بعد السقوط، أصبح العمل شاقًا (تكوين 3: 17-19). لم نعد نؤدِّي مهامنا في الضواحي الخصبة في الجنة ولكن في ظروف قاسية لبريَّة مليئة بالأشواك والحسك والفشل والإحباط. لهذا يرثي كاتب سفر الجامعة في جامعة 2: 23 قائلًا: "وَعَمَلَهُ غَمٌّ". عندما نواجه المصاعب في حياتنا المهنيَّة، والظلم في مكان العمل، والهزيمة في استكمال مهام العمل، فإننا نواجه الحقيقة المؤلمة بأن هذا العالم الساقط لن يحقِّق مكاسب دائمة. يذكِّرنا عدم الرضا المهني بأننا خُلقنا لشيء أكبر ممَّا يمكن أن تقدمِّه لنا هواياتنا ووظائفنا.

لكن يوجد رجاء. نقرأ أن الله صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ. تعود كلمة "الكل" في جامعة 3: 11 إلى "كُلِّ شَيْءٍ" في الآية 1: "لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ". هذه الحياة التي نعيشها تحت رعاية خالق ذو سيادة تنير فهمنا لمعنى كلمة كل شيء. ففي ضوء أعمال عنايته، نعلم أن هناك وقتًا للولادة والموت، وللغرس والحصاد، وللحزن والفرح، وللحرب والسلام. الله هو المسيطر على كل هذه الأشياء. ويكمن الحُسن والجمال في اكتشاف أن الله ينظِّم كل التفاصيل الدقيقة وفقًا لتصميمه المثالي.

إن آية جامعة 3: 11 هي للعهد القديم بمثابة رومية 8: 28. ففي رومية 8: 28 يقول الرسول بولس: "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ". لاحظ أن بولس لا يقول إن كل الأشياء هي خير بل كل الأشياء تعمل معًا للخير. وما هو الخير؟ إنه مشابهة صورة المسيح (الآية 29). عندما يجتاز المؤمنون في مواسم الحياة، يمكننا أن نطمئن بمعرفة أن الله يستخدم كل الظروف ليشكِّلنا أكثر فأكثر على صورة ابنه.

في يوم 24 أغسطس عام 1662، تم طرد أكثر من ألفي قسيس من كنيسة إنجلترا لعدم امتثالهم لكتاب الصلاة العامة. عُرف هذا اليوم بيوم بارثولومو الأسود (Black Bartholomew’s Day)، في إشارة رسمية إلى وقت ذبح الآلاف من هيغونوت فرنسا (French Huguenots) في نفس اليوم عام 1572. كان أحد الرعاة المطرودين من البيوريتانيِّين يُدعى توماس واتسون (Thomas Watson). وردًا على الطرد العظيم، كتب كتابًا قصيرًا بعنوان A Divine Cordial بناءً على رومية 8: 28، من أجل تشجيع المؤمنين الذين كانوا يعانون من الألم. وأشار إلى أن "أفضل الأشياء وأسوأها تعمل معًا لخير القديسين بواسطة اليد المهيمنة للإله العظيم". لا يمكن إنكار أن هذا العالم غالبًا ما يكون قاتمًا ومليئًا بوجع القلب. لكن الله يستخدم بشكلٍ رائع كل من الأفراح والأحزان ليغيِّرنا كمؤمنين إلى شبه المسيح. إن خيبات الأمل تجعلنا نطوق أكثر لنكون معه.

ثانيًا، نقرأ أن الله "جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ" (جامعة 3: 11). تُنبئ هذه الكلمات بافتتاحية كتاب "اعترافات القديس أوغسطينوس"، حيث قال: "تسبيحك هو رغبة الإنسان، تلك القطعة الصغيرة من خليقتك. فأنت مَن تحرِّك قلب الإنسان ليجد سروره في تسبيحك، لأنك خلقتنا لذاتك، وقلوبنا لن تجد راحتها إلا فيك". يؤكِّد كل من كاتب سفر الجامعة قديمًا وأب الكنيسة أننا خُلقنا لمعرفة الله والتوق إلى الأبديَّة. بينما يلفت أوغسطينوس الانتباه إلى عدم الراحة التي نختبرها في بُعدنا عن معرفة الله في المسيح، فإن كاتب سفر الجامعة يشير إلى نقطة مختلفة قليلًا. بالتركيز على عدم جدوى الحياة تحت الشمس، هو يدفعنا إلى إدراك وعينا الداخلي بالأبديَّة.

لاحظ كم يقول كاتب سفر الجامعة إنه يدرك طرق الله. فهو يفهم أن الله أعطى البشر العمل كعطية (جامعة 3: 10، 13)، وأنه صنع الكل حسن في وقته (الآية 11)، وهو من جعل الأبديَّة في قلبهم (الآية 11)، وأن عمل الله لا يدركه الإنسان (الآية 11)، وأن كل ما يعمله الله يدوم إلى الأبد (الآيات 14-15)، وأن الله سيدين الصدِّيق والشرير (الآيات 16-22). باختصار، يعلم كاتب سفر الجامعة أن طرق الله حسنة ولا تُستقصى وأبديَّة. وعلى الرغم من أننا مخلوقات محدودة وساقطة، فقد أعطانا الله القدرة على تمييز أن للتاريخ هدف، حتى لو كنَّا غير قادرين على فهم "الَّذِي يَعْمَلُهُ اللهُ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ" (الآية 11). يجب أن تزيد مواجهة محدوديَّتنا من اتكالنا على الله. علينا أن نعيش حياتنا من منطلق الأبديَّة.

ومع ذلك، فإن الخطيَّة شوَّهت هذا المنظور. لم نعد نتعامل مع العمل على أنه عطيَّة من الله ولكن كمنصة للعظمة الشخصيَّة. لا يُنظر إلى الوقت على أنه شيء جميل يجب افتدائه ولكن باعتباره شيئًا غير هام يمكن تبديده. لا يُفهم التاريخ على أنه ساحة سيادة العناية الإلهيَّة بل على أنه ساحة لعب يستغل الأقوياء فيها الضعفاء. كما أن الحياة الأبديَّة ليست مرغوبة، بل يسخر منها مَن يعيشون فقط الوقت الراهن. يعلِّمنا سفر الجامعة أن مثل هذه القدريَّة لا طائل من ورائها. لقد خُلقنا لنعرف الله. ولا شيء غير الأبديَّة معه يمكن أن يشبع أعمق أشواقنا.

الخبر السار هو أن المسيح يُقدِّم طريقًا للخطاة ليسكنوا في محضر الله إلى الأبد. كما يقول الرسول بطرس: "فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ" (1 بطرس 3: 18). هذا الرجاء الأبدي هو ما نعيش من أجله. وكرحَّالة يسافرون من هذا العالم إلى الآخر، نستيقظ كل صباح منتظرين بفارغ الصبر عودة ملكنا. كما ندرك أن كل يوم الرب هو ترقُّب للأبديَّة. أما بالنسبة لبقيَّة الأسبوع، فنحن نصارع مع الساعات عالمين أنه حتى تعبنا ومشقَّتنا يستخدمها الله لإعدادنا لبلاد عِمَّانوئيل.

في صباح يوم بارثولوميو الأسود عام 1683، ذهب ويليام باين (William Payne) لتوديع صديقه القديم جون أوين (John Owen). وجلب باين أيضًا أخبارًا عن قُرب نشر كتاب أوين الأخير. كان رد أوين الذي لا يُنسى كالتالي:

يسعدني سماع أن هذا العمل سيتم طباعته؛ ولكن يا أخي باين، لقد جاء اليوم الذي طال انتظاره أخيرًا، حيث سأرى ذلك المجد بطريقة أخرى لم أفعلها من قبل حتى الآن أو كنت قادرًا على القيام بها في هذا العالم!

كانت شهادة أوين وهو يحتضر هي تذكير رعيته بالأبديَّة. لقد أرادهم أن يعرفوا أن السبيل الوحيد لرؤية المسيح بالعيان في السماء هي رؤيته أولًا بالإيمان هنا على الأرض.

 

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون تويدال
جون تويدال
الدكتور جون تويدال هو العميد الأكاديمي وأستاذ اللاهوت في كلية لاهوت الإصلاح (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وقسيس في الكنيسة المشيخيَّة في أمريكا (Presbyterian Church in America).