ما هو لاهوتنا؟ | خدمات ليجونير
اللاهوت، ثمَّ اللاهوت، ثمَّ اللاهوت: لماذا ليجونير؟
٦ سبتمبر ۲۰۲۱
علم اللاهوت والكنيسة
۷ سبتمبر ۲۰۲۱

ما هو لاهوتنا؟

هناك العديد من القناعات المُهمَّة التي توجِّه مجلة تيبولتوك، تمامًا مثلما وجَّهت تاريخ هيئة خدمات ليجونير بأكمله. عبَّر مارتن لوثر منذ نحو خمسمئة عام عن إحدى هذه القناعات قائلًا:

الجميع لاهوتيُّون، ويعني ذلك كلَّ مؤمن. فالجميع لاهوتيُّون، حتى يمكن أن يكون الجميع مؤمنين.

لكن ما هو علم اللاهوت؟ وبصفة خاصة، ما هو لاهوتنا؟

علم اللاهوت:

علم اللاهوت هو كلامٌ عن الله (بأفضل وأسمى ما في الكلمة من معنى)، بمعنى أنه هو التفكير والحديث عن الله بطريقة مترابطة ومنطقيَّة. وبالنسبة للمؤمن المسيحي، يعني ذلك فكرًا لاهوتيًّا متأصِّلًا في الإعلان الذي أعطاه الله، ومُعبِّرًا عنه. إذن، من ناحية، نحن مدعوُّون بالحقيقة إلى أن يكون لدينا "فكر لاهوتي عن كلِّ شيء"، لأنَّه بطريقة أو بأخرى الكون بأكمله، وتكشُّف التاريخ، والاكتشافات التي نقوم بها، هي جميعها جزء لا يتجزَّأ من تكشُّف إعلان الله عن ذاته في الخليقة، وفي العناية الإلهيَّة، وفي الفداء، وفي انقضاء العالم. قال إبراهام كايبر (Abraham Kuyper) إن لا شيء في الكون غير إلهي بالمعنى المطلق. أو في استشهاد منَّا بسلطة أعلى نقول: "لِأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الْأَشْيَاءِ" (رومية 11: 36). لهذا السبب "أومنيس سوموس ثيولوجي" (omnes sumus theologi) –الجميع لاهوتيُّون– سواء كنَّا علماء في الفيزياء النوويَّة، أو روَّاد فضاء، أو محبِّين للأدب، أو بستانيِّين، أو جامعين للقمامة، أو حتى "علماء لاهوت". هذا هو الامتياز والإثارة اللذان تتمتَّع بهما حياتنا، والتحدِّي الذي تواجهه، في أيَّة دعوة يمكن تصوُّرها. ففي النهاية، واقتباسًا من كلمات بولس، نحن لا نفعل سوى شيئًا واحدًا (فيلبي 3: 13). هل كان بولس يعمل بالفعل شيئًا واحدًا؟ بالطبع لا. لكن أجل، هو كان يفعل شيئًا واحدًا لكن من خلال الآلاف من الأعمال المختلفة. وهكذا الحال معنا نحن أيضًا. ففي كل شيء، نحن لاهوتيُّون، لأنَّنا نعلم أن هدف الحياة بأكملها هو معرفة الله.

لكن كيف يعمل علم اللاهوت؟ ربما يفيدنا في هذه المرحلة مثال توضيحي. هناك برنامج يذاع على قناة BBC يعجبني بشدة، بعنوان The Repair Shop. ففي وسط الكثير من الأمور المُحبِطة، وغير الأخلاقيَّة التي نشاهدها في التلفاز، يُعَد هذا من ألطف البرامج على الإطلاق. ففيه يُحضِر أشخاص عاديُّون أملاكهم الموروثة التالفة، أو الفاسدة، أو المشوَّهة، أو شبه المُحطَّمة من أجل إصلاحها. وعادةً ما يروون قصصًا عميقة ومؤثِّرة عن سبب كون هذا الشيء (الذي ربما تكون قيمته في حد ذاته ضئيلة) يُمثِّل لهم أهميَّة كبيرة بسبب ارتباطه بأحد أحبَّائهم. ثمَّ نشاهد بعد ذلك الحرفيِّين والخبراء في الأعمال الخشبيَّة والمعدنيَّة والميكانيكيَّة، وفي أعمال الأثاثات والآلات الموسيقيَّة والأدوات، سواء الليِّنة أو الصلبة، يمارسون مهاراتهم الفائقة فيما هو أشبه بالسحر. وفي حين يقوم أناس مثلي بالإصلاح الأشياء عن طريق الترقيع، يهدم هؤلاء أوَّلًا، ثمَّ حينئذ فقط يعيدون البناء، مُستعيدين مجد تلك الأشياء الثمينة الذي فُقِد منذ أمد طويل. ثم تأتي الخاتمة الرائعة، عندما نشهد الامتنان الشديد على وجوه المُلَّاك المختلفين، وثناءهم، وفرحهم، إذ يتأثَّرون إلى حد البكاء، عند رفع غطاء عادي للغاية (وهو ما يزيد من روعة الحدث) عن الشيء الذي أُصلِح في كلِّ مجده.

إن علم اللاهوت هو متجر إصلاح الإنجيل. فإن موضوعاته المختلفة (الله، الخلق، السقوط، العناية الإلهيَّة، الفداء، التمجيد) تُمثِّل، إن جاز التعبير، عددًا ضخمًا من مختلف الخبراء، الذين يهدمون أوَّلًا فسادنا الشخصي، ثم يعيدون بناءنا، حتى يتحقَّق الغرض الأصلي من حياتنا عند الخلق. وبذلك، فما دعاه الآباء لاهوت السياحة، الذي فيه نرى بصعوبة في مرآة، يصبح لاهوت الرؤية، الذي فيه سنرى وجهًا لوجه. فإذ خُلِقنا على صورة الله لتمجيده والاستمتاع به إلى الأبد، سنُجعَل أخيرًا مثله.

ما هو، إذن، محتوى لاهوتنا؟

لاهوتنا:

قيل عن توما الأكويني إنَّه قال إن اللاهوت يأتي من عند الله، ويعلِّمنا عن الله، ويقتادنا إلى الله. وبما أن الحياة الأبديَّة هي أن نعرف الله ويسوع المسيح الذي أرسله (ونحن لا نفعل ذلك إلا بالروح القدس؛ يوحنا 17: 3؛ انظر يوحنا 14: 23، 25)، فإن لاهوتنا يبدأ (وينتهي) من الله. فهو يخبرنا مَن هو الله – الإله الواحد في ثلاثة أقانيم، الثالوث المُبارَك إلى الأبد، في الشركة السرمديَّة لجوهره المُثلَّث الأقانيم، الآب، والابن، والروح القدس. وهذا اللاهوت يقودنا إلى معرفة طبيعة الله العجيبة، والموحَّدة، والبسيطة، التي لا ننجح في إدراكها، في إمكانيَّاتنا المحدودة، إلَّا جانبًا تلو الآخر، من خلال ما نسمِّيه بصفات الله. هذه الصفات ليست سوى وسائل مُتعدِّدة لوصف كماله، أي لاهوته غير المحدود والمجيد.

وهكذا، فإن لاهوتنا هو لاهوت الإله الواحد مُثلَّث الأقانيم، الذي هو كافٍ في ذاته ومن ذاته، والذي هو محبَّة مُقدَّسة في كل إعلاناته عن ذاته. ليس من المثير للدهشة إذن أن يكون لاهوتنا مدفوعًا بتلك الرؤيتين اللتين رآهما نبي القداسة ورسول المحبَّة – في إشعياء 6 ورؤيا 4-5. وإنها لحقيقة مذهلة أن يبدو فكرنا اللاهوتي بأكمله مُجمَلًا في هاتين الرؤيتين.

فهاتان الرؤيتان تعكسان ألوهيَّة الله، "الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأْتِي" (رؤيا 4: 8)، وقصَّة الخلق (الآية 11)، أي بأن كل الأشياء في السماوات وعلى الأرض خُلِقت بالإله الواحد المُثلَّث الأقانيم، "الآب القدير، خالق السماء والأرض، ما يُرَى وما لا يُرى" (قانون الإيمان النيقاوي)، وبكلمته، الابن الأزلي، من خلال خدمة الروح القدس، الذي رفَّ على وجه المياه الأولى، تلك الخدمة التي انطوت على الترتيب، والملء، والإتمام.

وهاتان الرؤيتان تمدَّاننا بمرآة نرى فيها الغرض من وجودنا كمخلوقات، ذلك الغرض الذي يقبع خلفنا، ويكاد يكون غير واضح المعالم. فقد خلقنا الله لمجده وللتمتُّع به – وفي كلمة واحدة، خلقنا الله للشركة معه ولتمجيده. لكنَّنا الآن نجد أنفسنا، نظير إشعياء، مغمورين باكتشاف من هو الله –القدُّوس– فندرك حقيقة حالتنا، الشبيهة بقلعة إسكتلنديَّة قديمة قد صارت أطلالًا، إذ خربتها اعتداءات الشيطان. فإنَّنا خربون، وعاجزون عن إصلاح أنفسنا، وفاسدون، ونجسون. ولا أحد منَّا قادر على فتح السفر الذي ربما يتضمَّن خطة خلاصنا واستردادنا (رؤيا 5: 4).

لكن ليست هذه هي نهاية لاهوتنا. فالله يبغي استعادة صورته. صحيح أننا يجب أن نكتشف خرابنا أوَّلًا قبل أن نتمكَّن من رؤية حاجتنا إلى الإصلاح؛ لكن بعد ذلك، يخبرنا اللاهوت الإشعيائي-اليوحناوي أن هذا الإله ليس مختلفًا، لكنَّه هو الإله ذاته القدُّوس (ثلاثة أضعاف)، الذي يحقِّق مبعوثه الاسترداد، من خلال جمرة من على المذبح تحرق أوَّلًا ثم تصلح. وهذا اللاهوت المُصَاغ من الكتاب المُقدَّس يخبرنا بأن إشعياء رأى في رؤياه مجد الرب يسوع (يوحنا 12: 41). ثم بما أن فكرنا اللاهوتي يرى أن الإعلان تدريجي وتراكمي في الآن ذاته، فإنَّنا ندرك أن الشخص الذي تشير إليه رؤيا إشعياء ليس سوى أسد يهوذا، حمل الله المذبوح، الذي يرفع خطايا العالم (رؤيا 5: 6-10). وعندما نغوص إلى عمق أكبر كي "نتعلَّم المسيح" (أفسس 4: 20)، نتأمَّل في شخصه الإلهي الواحد، ذي الطبيعتين المتحدتين في الشخص الواحد، في حالة الاتضاع وحالة المجد، وفي وظائفه الثلاث كنبي، وكاهن، وملك – رب واحد، يسوع المسيح.

في هذا السياق، نكتشف أن شيئًا ما يحدث لنا: فبواسطة الروح السرافيمي، تتلامس حياتنا بشكل مباشر مع المسيح في ذبيحته الكفاريَّة. فإننا ننال غفران الخطايا ونتبرَّر من ذنب الخطيَّة. وفي تلك اللحظة نفسها، يبدأ احتراق الخطيَّة في داخلنا. ولا يمكن لذلك أن يحدث بأيَّة وسيلة أخرى، لأنه كما ذكر كالفن باستمرار، أن نظن أننا نستطيع الحصول على المسيح للتبرير دون الحصول عليه للتقديس هو تمزيقٌ له إلى نصفين، لأنه أُعطِي لنا لأجل كلا الأمرين. والروح القدس يوحِّدنا بالمسيح الواحد الذي هو لنا "برٌّ وقداسة" (1 كورنثوس 1: 30). ومن ثمَّ، فالخاطئ الذي يتبرَّر يشترك أيضًا وفي الوقت ذاته في موت المسيح عن سيادة الخطيَّة، وفي قيامته إلى حياة جديدة لله (رومية 6: 2-4). وإن تبنِّي أي لاهوت آخر هو إساءة فهم للكيفيَّة التي تملك النعمة بها "بِالْبِرِّ، لِلْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا" (رومية 5: 21).

لا عجب أن الرؤيا الفائقة التي رآها إشعياء تُختَتَم بطاعة غير مشروطة: "هَأَنَذَا أَرْسِلْنِي" (مهما كان الطريق شاقًّا؛ إشعياء 6: 8-13). ولا عجب أن يتردَّد صدى رؤيا إشعياء في النشيد السماوي الذي سمعه يوحنا: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الْإِلَهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأْتِي" (رؤيا 4: 8)؛ كما تبلغ هذه الرؤيا ذروتها في تعبُّد لا نهائي: "لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ" (رؤيا 5: 13). ليس من قبيل الصدفة إذن أن تُختَتَم مؤتمرات ليجونير عادةً بترنيمة "هللويا".

أجل، هذا هو لاهوتنا. وهذا كان نبض ليجونير منذ الأيام الأولى من "خدمة أر. سي. سبرول التعليميَّة"، والذي جرى التعبير عنه طوال هذه الخمسين عامًا بمختلف الطرق. وبهذا، نصير جميعًا جزءًا من هذه الخدمة التعليميَّة. وهذا اللاهوت، الذي هو لاهوتنا، يصير هو متجر الإصلاح الإلهي، الذي ينقلنا من الخراب إلى الفداء ثم إلى الاسترداد الأخير. المجد لله وحده (سولي ديو جلوريا).

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

سينكلير فيرجسون
سينكلير فيرجسون
الدكتور سينكلير فيرجسون هو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير وأستاذ استشاري لعلم اللاهوت النظامي في كلية اللاهوت المُصلَحة. شغل سابقًا منصب الراعي الأساسي في الكنيسة المشيخيَّة الأولى في مدينة كولومبيا، بولاية ساوث كارولاينا، وقد كتب أكثر من عشرين كتابًا، بما في ذلك "المسيح كاملًا" (The Whole Christ).