الإيمان واليقين
٦ أكتوبر ۲۰۲۰
ما هي الكنيسة؟
۱۳ أكتوبر ۲۰۲۰

تطور الليبرالية البروتستانتية

في عام 1799، أَلَّفَ فرِدرِك شلايرماخر (Friedrich Schleiermacher)، راعي كنيسة الثالوث في برلين وأحد مؤسِّسي جامعة برلين، كتابه بعنوان "عن الدين: خطابات إلى محتقريه من المثقَّفين" (On Religion: Speeches to Its Cultured Despisers). كان جمهوره من الشعراء والفنانين الرومانسيِّين الذين رفضوا مفهوم الدين الذي كان في ألمانيا حينها. قال شلايرماخر إن الدين ليس مسألة معرفيَّة للعقل البشري —وجهة نظر الربوبيِّين (deists) وافتراضاتهم عن الديانة الطبيعيَّة والمسيحيِّين الذين دافعوا عن اعترافات الإيمان القويمة. كما قال إن الدين ليس في الأساس مسألة أخلاقيَّة للإرادة البشريَّة —مثلما شدَّد إيمانويل كانط. بل كان الدين بالنسبة إليه فريدًا من نوعه (sui generis)، إذ ينبع أصله من الحدس البشري أو مشاعره (Gefühle). لذا كان ينبغي أن يكون الرومانسيُّون، بحماسهم للجمال وللخيال، من أشد مؤيدي الدين، لا أن ينبذونه بعجرفةٍ.

أثَّرت عمليَّة إعادة التقييم هذه بعمقٍ على المسيحيَّة في ألمانيا. لقرون، وبالعودة إلى العهد الجديد، آمن المؤمنون بأن الإيمان المسيحي لا يقتصر على بُعدٍ واحد من الوجود البشري مثل الحدس. بل انطوى جوهر الإيمان المسيحي على ثلاث سمات للطبيعة البشريَّة على القدر ذاته من الأهميَّة. اقتضت المسيحيَّة الأصليَّة إيمانًا معرفيًّا بعقائد الإعلان الكتابي، معتنقة أخلاقيَّات حيَّة، ومظهرة حياة التقوى أو التكريس الأصيل. وهذه السمات الثلاث تنبع من الحق الموضوعي للكتاب المُقدَّس.

وقد شدَّد المُصلِحون البروتستانت مرارًا وتكرارًا على هذه المعتقدات الجوهريَّة. كان بإمكان شلايرماخر التأكيد على الإيمان الكتابي والإصلاح القويم، وبذلك يصد الهجوم الضاري لتعاليم عصر التنوير باستقلاليَّة الإنسان. لكنه عوضًا عن ذلك قال إنه كي تواصل المسيحيَّة دورها المهم في الثقافة الألمانيَّة، عليها أن تتكيَّف مع روح العصر —أي الثقة الخياليَّة الإبداعيَّة في الحدس البشري الذاتي والشخصي. لذلك أشار عمل شلايرماخر إلى كل من نهاية عصر التنوير للعقل، وفي الوقت ذاته بشَّر بأول تلميح لعصر ما بعد الحداثة. وصار بهذه المرحلة الانتقاليَّة "أبو الليبراليَّة البروتستانتيَّة". وقد كان اقتراح شلايرماخر الراديكالي بأن المسيحيَّة يجب أن تتكيَّف مع محيطها الثقافي الأول من بين عدَّة تنازلات ليبراليَّة عن وجهات نظر فلسفيَّة قيد البزوغ.

في أشهر أعماله، كتاب " الإيمان المسيحي" (The Christian Faith) الذي صدر عام 1821، أوضح شلايرماخر الآثار المترتبة على آرائه الثوريَّة. فقد سمَّى الطبيعة الدينيَّة الأساسيَّة للبشر التي هي علاقة الجنس البشري بالله "الشعور بالاتكال المُطلق". وعليه أظهر كل جانب من جوانب الدين، بما في ذلك اللاهوت، بنغمة فرديَّة ذاتيَّة شخصيَّة. بدلًا من كون العقيدة حقيقة موضوعيَّة نابعة من الحجج الكتابيَّة، قال إن العقيدة نشأت من الوعي الديني للجنس البشري. لذلك، كان الكتاب المُقدَّس مجرَّد أول تعبير عن الخبرة أو التجربة المسيحيَّة. فعاد شلايرماخر صياغة العقيدة حسب النمط التالي: (1) مناقشة التقليد الكلاسيكي لإقرارات الإيمان المُصلَحة؛ (2) مناقشة نهج التنوير؛ (3) إيجاد حلًا من خلال فحص الوعي المسيحي المتأثِّر بمفهومه الشخصي عن الدين. بهذه الطريقة، حوَّل علم اللاهوت إلى إطار تاريخي. يتوافق أسلوب شلايرماخر تمامًا مع الافتراض المُسبق التأسيسي لجامعة برلين بأن المعرفة في جميع التخصُّصات، بما في ذلك علم اللاهوت، هي عمل قيد التنفيذ.

أما فيما يتعلَّق بالطبيعة البشريَّة، أكَّد شلايرماخر أن جميع البشر غير كاملين لكن يمكنهم الوصول إلى الكمال لأنهم يمتلكون "الوعي بالله" و"نسيان الله". وعوضًا عن تاريخيَّة السقوط، زعم أن رواية سفر التكوين تصوِّر ما يميِّز تخريب كل شخص لوعيهم بالله وتحويله إلى نسيان الله داخل كل منهم. كما رفض شلايرماخر عقيدتي الخطيَّة الأصليَّة واحتساب بر المسيح كما يُعلِّمهما الأصحاح الخامس من رسالة رومية، كونهما غير متوافقتين مع الفكر الحديث.

ركَّز تناوله لشخص الرب يسوع وعمله على قوة التأثير المستمرِّة للوعي بالله داخل الرب يسوع، مما يُميِّزه عن أي إنسان آخر. ويتألَّف الفداء من مشاركة الرب يسوع للوعي بالله مع تلاميذه، الذين بدورهم نقلوا الوعي بالله إلى الأجيال اللاحقة. كما رفض شلايرماخر عقيدة البدليَّة العقابيَّة لكفارة المسيح معتبرها "غير مفهومة"، ووجهة النظر النموذجيَّة معتبرها "اختباريَّة"، واستبدلهما بوجهة نظره الذاتيَّة الشخصيَّة عن الكفارة باعتبارها "صوفيَّة سريَّة". من خلال الوعظ، ينجذب البشر إلى تأثير وعي يسوع بالله. حتى إن شلايرماخر توقَّع بأن التأثير التراكمي للفداء سيقود في يوم من الأيام إلى استرداد شامل لجميع البشر.

في النهاية، عَدَّل شلايرماخر التعليم اللاهوتي. تَكوَّن التدريب على الخدمة في مفهومه بشكل أساسي من Wissenschaft، أي دراسات النقد الأكاديمي باستخدام مناهج تفسيريَّة حلَّت محل المنهج التاريخي النحوي التقليدي. لم تعد الخدمة المسيحيَّة دعوة روحيَّة تتطلَّب برهانًا على تقوى التكرس، بل "مهنة" فيها يصير الخدَّام قادة للمجتمعات التي يخدمونها —أي مهمة اجتماعيَّة واضحة.

ممن ساعد على انتشار الليبراليَّة هذه كان فرديناند كريستيان بور (F.C. Baur) مُؤسِّس كليَّة توبنجن للاهوت (Tübingen School of Theology). وهو أقحم فلسفة جورج فرِدرِك هيجل الجدليَّة داخل تاريخ المسيحيَّة. افترض بور أن المسيحيَّة منذ نشأتها لم تكن نظامًا إيمانيًّا موثوقًا به وموحَّدًا قط. وقال إن أقدم أشكال المسيحيَّة ظهر في أورشليم تحت قيادة يعقوب الذي كان مُقتنعًا بأن المسيحيَّة "ناموس ملوكي" (يعقوب 2: 8). وعارض بولس المسيحيَّة اليهوديَّة تمامًا وكليًّا، طارحًا نسخة مسيحيَّة أمميَّة منفصلة في رسالته إلى كنيسة رومية —أي نظام لاهوت مُفصل. ويتناقض تفسير بولس للتبرير بالإيمان وحده (رومية 4) بشكل حاد مع نظرة يعقوب عن الخلاص بالإيمان والأعمال (يعقوب 2). بعد قرون عدَّة، ظهرت توليفة تاريخيَّة بابتداع الكنيسة الكاثوليكيَّة بروما نظامًا هرميًّا من الأساقفة، وأعيادًا سنويَّة تكريمًا للقديسين، وأسرارًا إضافيَّة.

ظهر مشروع أكاديمي آخر لبناء سير ذاتيَّة حديثة عن حياة الرب يسوع. أثار كتاب ديفيد شتراوس (David Strauss) "حياة يسوع" (Life of Jesus) الذي صدر عام 1835 عاصفة من النقد لأنه لم ينكر ألوهيَّة الرب يسوع فحسب، بل أنكر أيضًا الصحة التاريخيَّة للمعجزات التي تذكرها الأناجيل. فقد رفض معجزات المسيح معتبرها مجرَّد خرافات اختلقتها الكنيسة الأولى لإثبات أن يسوع هو المسيَّا. كما توطَّد الإجماع حول كتاب مارتن كالر (Martin Kähler) بعنوان "المدعو يسوع التاريخي والمسيح الكتابي التاريخي" (The So-Called Historical Jesus and the Historical Biblical Christ) الذي صدر عام 1892. أقر كالر بأن جميع محاولات بناء السير الذاتيَّة الموضوعيَّة ليسوع على أساس البحث التاريخي الحديث ستعكس حتمًا تحيُّزات مُؤلِّفيها. لكنَّه في الوقت ذاته انحاز إلى وجهة النظر الليبراليَّة، سريعة النمو، القائلة بأن روايات العهد الجديد غير موثوقة بسبب الأخطاء والتصوُّرات المُسبَقة لكُتَّاب الكتاب المُقدَّس.

واتساقًا مع هذه التطوُّرات، تحدَّت الأساليب النقديَّة الجديدة لدراسة نصوص العهدين القديم والجديد وجهات النظر المقبولة منذ زمن طويل بشأن صحَّة الكتاب المُقدَّس. وقد استمر النقد الكتابي بافتراض تفوُّق العقل الحديث على العقيدة القويمة السابقة. فقد شكَّك يوليوس فيلهاوزن (Julius Wellhausen) في وحدة أسفار موسى الخمسة. وافترض أنها عددًا من المصادر الوثائقيَّة تم جمعها على مدى قرون عديدة، عوضًا عن كتابة موسى وحده قبل عدَّة قرون. فقد قال إن أسماء الله المُتعدِّدة وأنماط الكتابة المختلفة وتطوُّر التاريخ اليهودي أظهرت الطبيعة المُرقَّعة لأسفار موسى الخمسة. كما اقترح علماء العهد الجديد تواريخ متأخِّرة لكاتبة الأناجيل وشكَّكوا في كتابة بولس للرسائل الرعويَّة.

وهكذا هيمنت الجامعات الألمانيَّة على ظهور اللاهوت الليبرالي. في أمريكا قبل حلول القرن التاسع عشر، تسرَّبت ضلالات مختلفة عن الإيمان القويم، مثل الربوبيَّة (deism) والتوحيديَّة ناكرة الثالوث (Unitarianism)، والفلسفة المتعالية (Transcendentalism)، إلى قطاعات صغيرة من السكَّان. حتى القرن التاسع عشر، كان التعليم اللاهوتي في أمريكا متأخِّرًا جيلًا عن مثيله في ألمانيا. لكن مع مرور العقود، تراجعت الكالفينيَّة بين الطوائف المشيخيَّة، والمعمدانيَّة، والكنائس المستقلَّة. واندلعت الجدالات الحادة بين القسوس وأساتذة اللاهوت حول ما إذا كان يجب تعديل إقرارات الإيمان السابقة ومُتطلِّبات الرسامة للسماح بمزيد من الآراء اللاهوتيَّة المتنوِّعة.

صار هوراس بوشنيل (Horace Bushnell)، الذي كان راعيًا لإحدى الكنائس المُستقلَّة، مُؤسِّس اللاهوت الليبرالي في أمريكا. فقد تحدَّى التشديد على التحوُّل الشخصي إلى الإيمان الذي روَّجت له النهضة الكبرى الثانية. كما دافع عن النظرة الأخلاقيَّة للكفَّارة. واستقصى ما إذا كان تعقيد اللغة الدينيَّة وسيلة مناسبة للتعبير عن الحقائق اللاهوتيَّة.

لاحقًا في القرن ذاته، جسَّدت حركة الإنجيل الاجتماعي الليبراليَّة الإنجيليَّة. فطالب القس واشنطن جلادِّن (Washington Gladden)، الذي كان راعيًا لإحدى الكنائس المُستقلَّة، والقس المعمداني والتر راوشينبوش (Walter Rauschenbusch) بإضفاء طابع العمل الاجتماعي على المسيحيَّة. كما دافعوا عن حقوق العمَّال في تنظيم النقابات. بترديد تأكيد الليبراليَّة الألمانيَّة على تأسيس ملكوت الله، أصر الإنجيليُّون الاجتماعيُّون على أن المسيحيَّة ثوريَّة بطبيعتها. أصرَّ الإنجيليُّون سابقًا على أن العمل الاجتماعي يتبع الإيمان الفردي ويخضع لتصحيح المعتقدات اللاهوتيَّة. لكن القادة الليبراليِّين أصرُّوا على إعطاء أولويَّة أكبر لتغيير الثقافة الأمريكيَّة.

بين عام 1870 والحرب العالميَّة الأولى، استمرَّت الخلافات، التي لم يبد لها نهاية بين التقدُّميِّين والمُحافظين بشأن مجموعة كبيرة من الموضوعات: السلطة الكتابيَّة، وألوهيَّة المسيح، والكفَّارة، وكيفيَّة النظر إلى نظريَّة التطوُّر لتشارلز داروين. إن الاختلافات بين واقعيَّة كليَّة شيكاغو للاهوت، واللاهوت الشخصي في كليَّة اللاهوت بجامعة بوسطن، والتعليم العملي التجريبي في كليَّة يونيو للاهوت أوضحت التنوُّع الملحوظ في التعليم اللاهوتي الليبرالي.

انتشرت محاكمات الهرطقات التي حظيت بتغطية إعلاميَّة واسعة في الكنيسة المشيخيَّة في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، باتهام رعاة وأساتذة أكاديميِّين بارزين بانتهاك معايير إقرارات الإيمان. كان أشهرها محاكمة تشارلز بريجز (Charles A. Briggs) من كليَّة يونيون للاهوت في مدينة نيويورك. ففي خطاب تنصيبه أستاذًا للاهوت الكتابي، دافع بريجز بقوةٍ عن النتائج المتطرِّفة للنقد الكتابي. وأنكر كتابة موسى للأسفار الخمسة، وهاجم بضراوةٍ الضعف الأخلاقي لشخصيَّات العهد القديم، وأصرَّ على احتواء الكتاب المُقدَّس على الكثير من الأخطاء. وعليه جرَّدته الكنيسة المشيخيَّة في الولايات المتحدة (PCUSA) من منصبه بسبب آرائه عام 1893.

بحلول نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن قد حُلَّت الأزمة اللاهوتيَّة في أمريكا. بل أدى المد المتصاعد لليبراليَّة ومقاومة الإنجيليِّين لها إلى تمهيد الطريق لمواجهات مستقبليَّة كُبرى بين الطوائف الكنسيَّة في أمريكا.

 

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

دبليو أندرو هوفكر
دبليو أندرو هوفكر
الدكتور دبليو أندرو هوفكر الأستاذ الفخري لتاريخ الكنيسة بكليَّة اللاهوت المُصلَحة. وهو ألَّف العديد من الكتب، بما فيها (Piety and the Princeton Theologians) و(Charles Hodge: The Pride of Princeton) و(Revolutions in Worldview).