بيوت محطمة في الكتاب المقدس
۲ أكتوبر ۲۰۲۰
تطور الليبرالية البروتستانتية
۱۲ أكتوبر ۲۰۲۰

الإيمان واليقين

وقف رجل وامرأة على شاطئ البحر وهما ممسكان بأيديهما. ولبعض الوقت، كان صوت ارتطام الأمواج هو الصوت الوحيد المسموع. ثم سأل الرجل: "ما الذي تخافين منه؟" فأجابته: "أريد أن أتزوجك أكثر من أي شيء آخر على وجه الأرض. لكني لا أتوقَّف عن التفكير بأنك ستغير رأيك وتتركني مثلما...". ثم نظرت إلى الأرض. فسألها بلطفٍ قائلًا: "مثلما ترك والدك والدتك؟" أومأت برأسها في تردُّدٍ.

حينئذ سألها: "ألا تثقين بي؟"

أجابته قائلة: "بلى، فأنت أكثر رجل جدير بالثقة قابلته في حياتي". توقَّفت لحظة ثم قالت: "ولكنى أخشى أن تدرك أنني لست ما تريده حقًا".

أمسك يدها بقوةٍ أكثر وهو يقول لها: "لقد عرفتك منذ أن كنَّا صغارًا. أنا أعرف أخطائك، ولكني أحبك. لقد اخترتك، ولا أريد أي شخص آخر سواكِ".

فقالت له: "أنا أثق بك حقًا، أحتاج فقط أن أتعلَّم أن أثق بك أكثر".

قد يجد المؤمنون أنفسهم في وضعٍ مماثل مع ربِّهم. كمؤمنين، نثق بالله ونعلم أنه جدير بالثقة. لكن الشك، والشعور الذنب، والخوف يمكن أن ينالوا من يقيننا بأننا له وسنظل كذلك. وفى بعض الأحيان قد نخشى من التخلِّي عنا.

إن يقين الخلاص هو أمر شخصي للغاية وعقائدي جدًا. نجده في صميم الجدال الذي دار وقت الإصلاح. فقد صرَّحت الكنيسة الكاثوليكيَّة بروما أنه لا يمكن للمؤمن أن يكون لديه يقين دون الحصول أولًا على إعلان فوق طبيعي مباشر من الله. لكن قال مُصلِحون مثل جون كالفن إن اليقين هو حق مُكتسب لكل مؤمن، على الرغم من أنه يمكن اختباره بدرجاتٍ متفاوتة.

يجب علينا أولًا أن نفهم العلاقة بين الإيمان واليقين. ينشأ اليقين من جوهر الإيمان، تمامًا كما ينمو التفاح بشكل طبيعي على أشجار التفاح. اليقين هو دسم الإيمان. وجوهر الإيمان هو الثقة. يتمسَّك الإيمان بإله العهد ويجده كافيًا. مثلما يخبرنا مزمور 18: 2 "الرَّبُّ صَخْرَتِي وَحِصْنِي وَمُنْقِذِي. إِلهِي صَخْرَتِي بِهِ أَحْتَمِي. تُرْسِي وَقَرْنُ خَلاَصِي وَمَلْجَإِي".

لذلك، يحق للمؤمنين أن يكون لديهم يقين لخلاصهم. اعترف داود قائلًا: "الرَّبُّ رَاعِيَّ" (مزمور 23: 1). وأعلن بولس: "لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ" (2 تيموثاوس 1: 12).

يكمن جوهر اليقين في معرفة أنني نلت الخلاص —أي أن خطاياي غُفرت وأنني أنتمي إلى الله— وبالتالي فأنا أعرف وأختبر الشركة مع الله الثالوث. كتب بولس في أفسس 3: 11-12 عن قصد الله الأزلي قائلًا: "فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. الَّذِي بِهِ لَنَا جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ بِإِيمَانِهِ عَنْ ثِقَةٍ". ووصف هذا القدوم في إطار ثالوثي قائلًا: "لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى الآبِ" (أفسس 2: 18).

كل أقنوم في الثالوث يشارك في يقين الإيمان. يقودنا الآب، والابن، والروح القدس إلى الاقتراب بجرأة من الله الرحيم والمجيد داعينه: "يَا أَبَا الآبُ" (رومية 8: 15؛ انظر أيضًا مزمور 103: 13؛ غلاطية 4: 6). نتمتَّع بهذه الجرأة تجاه الله من خلال عمل المسيح بالموت على الصليب واجتذابنا نحو الله في سلام (أفسس 2: 13-14). كما يُمكِّنا الروح القدس من اختبار الفرح والسلام بمعرفة أننا أولاد الله (رومية 8: 16؛ غلاطية 5: 22). عندما نثق بالمسيح، فإن إله الرجاء يملأنا بالفرح والسلام بقوة الروح القدس (رومية 15: 12-13).

ومع ذلك، فإن اليقين ليس تلقائيًّا. يخبرنا إقرار إيمان وستمنستر أن المؤمنين الحقيقيِّين قد يمرُّون بصراعات كثيرة دون شعور باليقين (الفصل 18، البند 3). اليقين هو ثمرة الإيمان الذي للخلاص. مثلما قد يمنع الصقيع غير الموسمي الشجرة الحيَّة من أن تؤتي ثمارها لموسمٍ، كذلك قد يكون اليقين غائبًا في وجود إيمان حقيقي، وقد يفقده المؤمن لفترة من الزمن.

قد يسير ابن لله في الظلام (إشعياء 50: 10). فكِّر في داود عندما صلَّى قائلًا: "يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِسَخَطِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ... لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي" (مزمور 38: 1، 4). وبالمثل، صرخ هَيْمَانَ الأَزْرَاحِيِّ قائلًا: "عَلَيَّ اسْتَقَرَّ غَضَبُكَ، وَبِكُلِّ تَيَّارَاتِكَ ذَلَّلْتَنِي" (مزمور 88: 7).

يحثَّنا بطرس قائلًا: "اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ" (2 بطرس 1: 10). تشير كلماته إلى أنه يمكن للمؤمن أن يكون مُتيقِّنًا أن الله قد اختاره ودعاه للخلاص في المسيح. عادةً لا ينفصل هذا اليقين عن السير مع الله بإيمان.

يقول إقرار إيمان وستمنستر:

هذا اليقين ليس مجرد اقتناع تخمينيٌّ مُرجَّحٌ مبني على رجاء متقلقل؛ ولكنه تأكيد راسخ للإيمان مُؤسَّس على الحق الإلهي لوعود الخلاص، والبرهان الداخلي لتلك النعم نحو وجود هذه المواعيد، وشهادة روح التبنِّي شاهدًا لأرواحنا أننا أبناء لله. (الفصل 18، البند 2)

دعونا نفحص كل من هذه الوسائل للحصول على اليقين.

أولًا، إن السبيل إلى السعي للحصول على اليقين هو أن نجتهد لنعرف الله بشكل اختباري من خلال وعوده العظيمة والثمينة (2 بطرس 1: 2-4). يعدنا الإنجيل بأن المسيح مُقدَّمٌ لنا مجانًا بكل كفايته. إذا نظرت إلى هذه الوعود على إنها "النعم" التي قالها الله في المسيح، فسوف تتقوَّى لتقول "أمين" لها (2 كورنثوس 1: 20). كتب أنطوني بيرجيس (Anthony Burgess) أحد المشاركين في صياغة إقرار إيمان وستمنستر قائلًا: "إن الثقة بالله والمسيح عندما لا نشعر سوى بالذنب والدمار بداخلنا، هي أعظم إكرام يمكننا أن نُقدِّمه لله".

ثانيًا، يجب أن نسعى نحو النمو الروحي من خلال السلوك وفقًا لهذه الوعود. يقول بطرس إن الله أعطانا وعوده: "لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ،" أي أن نكون مشابهين صورة الله (2 بطرس 1: 4). نبذل كل اجتهاد لكي نزيد في الفضيلة، والمعرفة، والتعفُّف، والصبر، والتقوى، والمودة الأخويَّة، والمحبَّة (الآيات 5-7)، وهو ما يجعل "دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ" (الآية 10). وإذ ننمو في قدرتنا على طاعة وصايا الله، يمكننا أن نكون واثقين من أننا له (1 يوحنا 2: 3). أولئك اللذين يستمرُّون في مستويات منخفضة من الطاعة سيختبرون، على أكثر تقدير، مستويات منخفضة من اليقين.

تزيد الطاعة من اليقين لأنها دليل على الإيمان الحي، كما تثبت أننا لسنا منافقين (يعقوب 2: 14). إن الأعمال الصالحة لا تُخلِّصنا (أفسس 2: 8-9)، لكن حياة البر والمحبَّة هي دليل قوي على أننا وُلِدنا ثانيةً (1 يوحنا 2: 29؛ 4:7). كتب ويليم أميس (William Ames) قائلًا: "مَن يفهم حقًا الوعد الذي في العهد، لا يمكنه أن يتقَّين من خلاصه ما لم يجد في نفسه إيمانًا وتوبةً حقيقيَّين".

ثالثًا، عندما نتبع قيادة الروح القدس ونسلك بالإيمان في المسيح، سوف نختبر شهادته كروح التبنِّي (رومية 8: 14-16).

كل من هذه الوسائل الثلاثة للحصول على اليقين التي حدَّدها مَن صاغوا إقرار إيمان وستمنستر لا تنفصل عن عمل الروح القدس. فهو يقودنا لنقبل وعود الله، ويظهر لنا الأدلة الخارجيَّة للنعمة التي داخلنا، ويشهد لأرواحنا أننا أولاد الله.

قد تزداد ثقة المرأة في حب زوجها من خلال السير معه عن قربٍ في الحياة والتعلُّم من خلال الخبرة أنها هي له وهو لها. ليبارك الله عروس المسيح حتى تسير هي أيضًا عن قربٍ مع عريسها يسوع المسيح وتنمو في يقين محبته الثابتة لها.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جويل بيكي
جويل بيكي
الدكتور جويل بيكي هو رئيس كلية بيويرتان المُصلَحة للاهوت (Puritan Reformed Theological Seminary) وأستاذ اللاهوت النظامي والوعظ بها، وهو قسيس في كنيسة (Heritage Netherlands Reformed Congregation) بمدينة جراند رابيدز في ولاية ميشيجان، ورئيس تحرير دار النشر (Reformation Heritage Books). وهو مؤلف العديد من الكتب منها "العيش لمجد الله: مقدمة إلى الكالفينية" (Living for God’s Glory: An Introduction to Calvinism).