المنارة
۱۰ أغسطس ۲۰۲۰
مذبح البخور
۱۸ أغسطس ۲۰۲۰

الأنبياء: قبل السبي

لا يوجد أي استفادة نقدمها لأنفسنا من خلال تسمية القسم الأول من كتبنا المقدسة بـ"العهد القديم". لماذا؟ تشير التسمية نفسها إلى شيء مضى! بالطبع، مر زمن طويل جدًا يمنعنا عن نبذ هذه التسمية، لكننا بحاجة أن نتذكَّر دائمًا بأن الرب يسوع لم يكن ليفهم العهد القديم بهذا الشكل. فبالنسبة له، ما نطلق عليه "العهد القديم" كان ببساطة "الكتب" (يوحنا 5: 39) أو "كلام الله" (مرقس 7: 13). فكيف يمكن أن تكون "قديمة"؟ بالأحرى هي حيَّة وتثبت إلى الأبد (إشعياء 40: 8)، وإن لم نجد كلمات الأنبياء المُوحى بها أخَّاذة، فبالتأكيد الخطأ فينا.

مَن يتصدَّرون العناوين الرئيسيَّة: رجال يصنعون الأخبار

في زمنهم، لم ينظر إليهم أحد على إنهم من طراز قديم أو حتى غامضين. بل كانت رسالتهم واضحة للغاية لدرجة أنه كان هناك أمر نفي ضد عاموس (عاموس 7: 10-13) لأن رسالته كانت حديث البلاد، و(حسب الكاهن) غير مناسبة لآذان الملك! عانى إرميا من الجلد بالسياط، كما قضى ليلة في المقطرة (إرميا 20: 2) بسبب ما قاله. فلماذا لا تُمثِّل الأنبياء أخبارًا ساخنة بالنسبة لنا؟ لماذا نجد صعوبة في فهمهم و(ليغفر لنا الله) نشعر بالملل منهم؟ الجواب هو الجهل وقلة الجهد. بما أن أسفار الأنبياء هي كلام الله المُوحى به مثلها مثل الرسائل في العهد الجديد، فهي تستحق نفس القراءة المُتكرِّرة، والمُتأنِّية، والمدروسة، والتي تسمح لكلمة الله في جميع أجزاء الكتاب المقدس أن تطبع معناها في أذهاننا وقلوبنا وحياتنا بوضوح أكثر.

أنبياء ما قبل السبي: الأسماء والأزمنة

كلما زاد عدد الأصفار في تاريخ ما، أصبح من الأسهل تذكُّره، ومن دواعي سرورنا، ولأجل أهدافنا في هذه المقالة، فإن كل من 920 و750-600 ق.م. ستحقِّق نتائج رائعة! تقريبًا في أول هذه التواريخ، نجح ابن سليمان غير الكفء، رحبعام (1 ملوك 12) في تقسيم مملكته إلى قسمين معاديين: الأكبر "إسرائيل" في الشمال، و"يهوذا" الصغيرة في الجنوب. بعد مضي وقت قصير من 600 ق.م. (2 ملوك 25) سقطت أورشليم في أيدي البابليِّين وبدأ السبي. كانت "إسرائيل" قد سقطت منذ زمن طويل (722 ق.م.) في يد آشور، السابقة لبابل باعتبارها "القوة العظمى" في العالم، وتم ترحيلها إلى بلاد ما بين النهرين. عاش أنبياؤنا وعملوا في هذه الأوقات العصيبة. طوال القرنين اللذين سبقا تدمير أورشليم، كانت مملكتا شعب الله محاصرتين بين تنافس متبادل، إذ كان يتم مضايقاتهما باستمرار من قبل الطموحات المتواصلة لمصر في الجنوب والمخططات الإمبرياليَّة، أولًا من آشور، ثم بابل، وتهديدهم المتسمر بالغزو من الشمال.

ادخل إلى الأنبياء!

على الرغم من أن إبراهيم يُدعى نبيًّا (تكوين 20: 7)، فإن المُؤسِّس الفعَّال للنظام النبوي كان هو موسى (تثنية 34: 10). تبعه العديد من الشخصيات البارزة مثل صموئيل، وإيليا، وإليشع، وكذلك أنبياء لم تُذكر أسمائهم مثل أولئك الموجودين في قضاة 6: 8 و1 ملوك 13: 11. ولكن المجموعة التي نطلق عليها "أنبياء ما قبل السبي" هي مجموعة خاصة لأنها تركت سجلًا مكتوبًا عن خدمتهم.

خدم هوشع في المملكة الشماليَّة خلال "فترة الازدهار" الأخيرة في عهد يربعام الثاني (2 ملوك 14: 23). جاء عاموس بعد ذلك بفترة قليلة، إذ يكشف المملكة وهى في حالة التدهور. يؤرخ كلا النبيين لملوك يهوذا المهمين، ليس فقط لأن ما أُوحى لهم ليقولوه ينطبق على كل شعب الله، ولكن أيضًا لأنهم مثل إيليا بمذبحه المكون من اثني عشر حجرًا (1 ملوك 18: 31)، رفضوا قبول تقسيم مملكة داود وتطلعوا إلى استردادها (هوشع 3: 5؛ عاموس 9: 11-15).

انتشرت خدمة كل من يونان وناحوم وحبقوق خلال الفترة الآشورية. ينتمي يونان لبدايات هذه الحقبة الزمنية، حيث أن تنبؤه المُسجل لنجاحات يربعام الثاني يجب أن يسبق 750 قبل الميلاد. ينتمي ناحوم إلى زمن الشر المتفشي لآشور، وتنبأ بسقوطها. صارع حبقوق مع قضية أسباب تحمل الرب مثل هذا الشر، وتوقع أن يأتي الأسوأ.

كان إشعياء وميخا من الأنبياء المعاصرين بعضهم لبعض في يهوذا منذ حوالي 740 ق.م. إلى ما بعد مطلع القرن الثامن. ولكن مثلما كان هوشع وعاموس، اهتم أنبياء المملكة الشماليَّة أيضًا بيهوذا، كذلك اهتم إشعياء (انظر على سبيل المثال، 28: 1) وميخا (3: 1) بسكان المملكة الشماليَّة. خاطب الأنبياء كل جماعة العهد (عاموس 3: 1)، وبالتالي يخاطبوننا الآن، نحن نسل إبراهيم في المسيح (غلاطية 3: 29).

ذكر إرميا وصفنيا نفس تواريخ خدمتهم، خلال السنوات الأخيرة لمملكة يهوذا. لم يذكر عوبديا أي تاريخ، لكن رسالته تشير إلى ما حدث (الآيات 11-14) عندما سقطت أورشليم في 586 ق.م. نجد إرميا، وهو رجل عادي جدًا من عناثوث، يخدم الملوك ورجال الحاشية (انظر 34: 2؛ 36: 11-15)، بينما يبدو أن صفنيا، الذي ربما كان عضوًا في العائلة المالكة، لم يكن لديه مثل هذه الخدمة. ويُقرأ سفره الذي هو عمل أدبي مُصاغ ومصقول بعناية مثل دراسة أنيقة لخطط الرب المُقدَّسة والمنتصرة لتاريخ العالم.

يا له من تنوُّع في الأشخاص! فهوشع، كانت أحزانه الزوجيَّة (هوشع 1-3) أساس خدمته؛ وعاموس المزارع "العملاق اللطيف"؛ وإرميا لم يكن يريد أن يكون نبيًّا (1: 6)، وإشعياء الذي يبدو أنه لم يرغب أبدًا في أي شيء (6: 8)؛ ويونان هرب (1: 3)؛ وناحوم الحازم الذي لا يتزعزع عن المكانة الأخلاقيَّة؛ وصراع حبقوق مع اشكاليَّات العناية الإلهيَّة. حقًا، كلما اقترب الناس من الرب كلما أصبحوا على طبيعتهم كأشخاص عاديين. وهم مُوحى إليهم ليقولوا بالضبط ما كان سيقوله الرب إن جاء بنفسه بدلًا من إرسالهم —هذا ما تعنيه عبارة "هكذا قال الرب"— وازدهرت شخصيات الأنبياء، حتى خصوصياتهم، إلى مرحلة النضج الرائع.

أجل، ولكن ماذا قالوا؟

كانوا "أنبياءً"، رجال كلمة الله. أولًا وقبل كل شيء، يدعوننا للعيش في طاعة للحق الإلهي المُوحى به. اتهم عاموس (1: 3-2: 3) الأمم بارتكاب جرائم ضد الإنسانيَّة، وانتهاك ما يمليه الضمير، ولكن (2: 4-6)، عندما التفت إلى شعب الرب، كان اتهامه لهم أنهم رفضوا ناموس (أي التعاليم المُوحى بها) الرب. ينضم كل من إشعياء (1: 11-15)، وإرميا (7: 1–23)، وهوشع (6: 6)، وعاموس (5: 21-24)، وميخا إلى إدانة الطقوس (فكرة أنه يمكنك أداء الأعمال الصحيحة وبذلك نلوي ذراع الله) وفي الدعوة إلى العيش بكلمة الرب. هذا هو "كل شيء عن الأنبياء".

كان لديهم رسالة دينونة صارمة. بحسب تعاليم موسى (تثنية 28-29)، كانوا يعلمون أن العصيان يجلب العقاب.  بدأت رؤية ناحوم بعالم واقع تحت الدينونة، في يد إله الغضب والخلاص الذي له السيادة والسلطان (1: 1-2: 7). لذلك كان سقوط نينوى أمرًا محتومًا (2: 8-3: 11). ولكن الأمر نفسه ينطبق بشكل أكبر (عاموس 3: 1-2) على أولئك الذين حظوا بامتياز معرفة الحق الإلهي (إشعياء 30: 8-17؛ إرميا 7: 9-15).

لم يتخلوا أبدًا عن الرجاء المُؤكَّد في المجد الآتي. بدأ عاموس بالعالم كله الواقع تحت الدينونة (1: 3-2: 11)، لكنه انتهى بالعالم كله مباركًا تحت حكم داود (9: 11–15). استرسل إشعياء في الرجاء: على خلفية النظام الملكي الفاشل (على سبيل المثال، 3: 12-15)، تنبأ بالملك المسياني (9: 1-7؛ 11)؛ وحين قادت الخطية (أصحاح 39) إلى السبي، تنبأ بالمخلِّص المسيانى (42: 1-4؛ 49: 1-6؛ 50: 4-11؛ 52: 13-53: 12)، وإذ تصوَّر المحنة المستمرة للمفديين في عالمٍ مُعادٍ (56: 9-12)، تطلَّع إلى المسيَّا القادم الممسوح والمنتصر (59: 20-21؛ 61: 1–3؛ 61: 10-62: 12؛ 63: 1–6). دفعت المدينة المُختارة التي فشلت (1: 21–24) إلى توقُّع المدينة التي ستأتي (1: 25–26)، والتي تحقَّقت بشكلٍ رائع في 65: 17-25. عرف هوشع أن الحب الذي ظهر عند الخروج لا يمكن أن يفشل في نهاية المطاف (11: 1-9). وعرف إرميا أن العهد السابق سيصير عهدًا جديدًا (31: 31-34). وتنبأ صفنيا بيوم بلا رجاء (1: 2–2: 3)، لكنه وجد الرجاء وسط الكارثة (2: 4-3: 8)، وهو الرجاء الذي سيتحقَّق بالتأكيد (3: 9–20). آمن أنبياء ما قبل السبي حقًا بالله الذي اسمه يهوه (خروج 3: 15؛ 6: 6–7)، وهو اختصار للشخص الذي يفدي شعبه ويطيح بأعدائه.

من أين نبدأ:

استخدم الكتاب المقدس الذي يُقسِّم النص إلى فقرات يمكن التعامل معها بسهولة. اقرأ ببطء، واسأل (واكتب الجواب) ماذا يقول النبي؟ ولماذا يقول ذلك؟ سيثبت هذان السؤالان أنهما أكثر فائدةً من مجرَّد السؤال عن تاريخ كتابة السفر. يصبح الكتاب المقدس أكثر وضوحًا للقارئ المثابر، كما يبارك الرب أولئك الذين يتأمَّلون في كلمته.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أليك موتير
أليك موتير
كان الدكتور أليك موتير مديرًا لكلية ترينيتي في بريستول بإنجلترا، وهو مُؤلِّف كتاب "انظر إلى الصخرة" (Look to the Rock). كما كان أيضًا مُحرِّر سلسلة تفسير العهد القديم بعنوان "الكتاب المقدس يتحدَّث اليوم" (The Bible Speaks Today).