الأنبياء: أثناء السبي
۱۹ أغسطس ۲۰۲۰
سفر أيوب
۲۸ أغسطس ۲۰۲۰

الأنبياء: بعد السبي

يضم أنبياء ما بعد السبي كل من حجي، وزكريا، وملاخي، وربما يوئيل. وهم ينقلون رسالة الله لهذه الفترة الزمنيَّة بوضوح متراكم، إذ جاءوا في نهاية عصر طويل من الإدانة النبوية ضد الشعب. هؤلاء الأنبياء لديهم قوة تفسيريَّة عظيمة للإعلان الذي تدرَّج إلى أن وصل إلى زمنهم. كما أنهم فتحوا الباب لعصرٍ جديد سيحل قريبًا.

لفترة طويلة، أعلن الله عن رغباته للشعب في صيغة علاقة عهديَّة وتحدَّث مرارًا وتكرارًا قائلًا: "وَيَكُونُونَ لِي شَعْبًا وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلهًا". على الرغم من ذلك، يُلخِّص سفر 2 أخبار الأيام (والذي يأتي في نهاية الأسفار العبريَّة) هذه الفترة الحزينة بشكلٍ جيد قائلًا: "فَأَرْسَلَ الرَّبُّ إِلهُ آبَائِهِمْ إِلَيْهِمْ عَنْ يَدِ رُسُلِهِ مُبَكِّرًا وَمُرْسِلاً لأَنَّهُ شَفِقَ عَلَى شَعْبِهِ وَعَلَى مَسْكَنِهِ، فَكَانُوا يَهْزَأُونَ بِرُسُلِ اللهِ، وَرَذَلُوا كَلاَمَهُ وَتَهَاوَنُوا بِأَنْبِيَائِهِ حَتَّى ثَارَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى شَعْبِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ شِفَاءٌ" (2 أخبار الأيام 36: 15-16).

لذلك، تطلَّع أنبياء ما بعد السبي هؤلاء إلى عودة الشعب إلى أرض إسرائيل، لكنهم نظروا إلى ما أبعد من العودة أيضًا. لم يختبر أبدًا شعب الله الذي عاد إلى الأرض بعد مرسوم كورش (538 ق.م.) أمجاد المملكة السابقة، ولم يروا جميع وعود الأنبياء تتحقَّق في جيلهم (انظر حجي 2: 6-9). أنبياء ما بعد السبي هؤلاء هم أيضًا مبشِّرون بعهد جديدٍ، وهم تطلَّعوا إلى ما بعد العودة إلى يوم جديد، وخليقة جديدة، واكتمال نهائي لكل شيء.

على سبيل المثال، رأى الرسول بطرس ذلك بوضوح، حيث قال: "الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا. الَّذِينَ أُعْلِنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَيْسَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لَنَا كَانُوا يَخْدِمُونَ بِهذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أُخْبِرْتُمْ بِهَا أَنْتُمُ الآنَ، بِوَاسِطَةِ الَّذِينَ بَشَّرُوكُمْ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُرْسَلِ مِنَ السَّمَاءِ. الَّتِي تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا" (1 بطرس 1: 10-12).

لذا، فإن رسالة الأنبياء لم تكن فقط للشعب العبري في إسرائيل، المتلقُّون الأصليُّون لهذه الرسالة؛ في الواقع، بحسب الرسول بطرس، فإن رسالتهم هي للكنيسة المسيحيَّة في الماضي والحاضر.

منذ بداية ما سجَّله هؤلاء الأنبياء، تستطيع أن ترى الدعوى القضائيَّة التي أقاموها من خلال قائمة اتهاماتهم بسبب كسر الشعب للعهد وبطئهم في استيعاب سيادة الله عليهم. في كثير من الأحيان، كانت الجماعة التي عادت من السبي فاترة روحيًّا. ومع ذلك، تم حثهم على المثابرة (انظر تأكيد حجي على استكمال الهيكل) ودعوتهم ليكونوا مقدَّسين —وليس فقط قانعين بوضعهم الحالي.

ومع ذلك، ما لم يستطع الشعب إتمامه حسب العهد الموسوي، فإن الله سوف يبادر ليتمِّمه من خلال عهد النعمة في العهد الجديد. سيكون يسوع المسيح، الابن الحقيقي لإسرائيل، هو من يدفع ثمن العقوبة ويجتاز الامتحان بنجاح.

زكريا: ملك جديد قادم

يعد زكريا 9 مثال جيد على هذا التحوُّل في التركيز والاهتمام. يقول النبي في زكريا 9: 1-8 أنه سيكون هناك معركة حربيَّة جديدة. ولن تكون مثل الحرب القديمة التي قام به يشوع. بل في هذه المعركة، سيحل الرب نفسه حول شعبه (الآية ٨). سيحمي الله شعبه حقًا حتى لا تكون هناك أبدًا قوى مُغرضة تُهدِّد شعب الله. لم يتمكَّن داود، أعظم ملوك المملكة، من حماية الشعب. ولا يستطيع الشعب فعل ذلك. لذلك، فإن الرب نفسه سوف يتمِّم ذلك. وهذا تحقيقًا للوعود التي تنبأت بها بركة يعقوب (تكوين 49: 8-12)، والتي تصف ملك شيلون الذي سيُحقِّق السلام.

من هو هذا القاضي على أعداء شعب الله؟ إنه ليس سوى الله نفسه (زكريا 9: 9). سيكون "عادل"، و"منصور". بعبارة أخرى، ها هو المحارب الوحيد، بطل الله الذي أتمَّ عمله منتصرًا. هو الذي يدافع عن شعبه ويخلِّصهم (الآيات ١١-١٧)، ليس فقط في عصر الإنجيل ولكن أيضًا في يوم الدينونة الأخيرة.

يوئيل: انسكاب قادم للروح القدس على الجميع

في سفر العدد 11: 29، عبَّر موسى عن أمنية استجابةً لطلبات خليفته المُتحمِّس قائلًا: "يَا لَيْتَ كُلَّ شَعْبِ الرَّبِّ كَانُوا أَنْبِيَاءَ إِذَا جَعَلَ الرَّبُّ رُوحَهُ عَلَيْهِمْ"! ولكن تكمن نبوءة وراء هذه الأمنية —كما أدرك جيرهاردس فوس في تعليقه على الوعد الإلهي بانسكاب الروح القدس في يوئيل 2: 28-32، والذي "يمتد إلى العصر الأخروي" (اللاهوت الكتابي: العهدين القديم والجديد، ص 198-199). ربما لا يوجد تفصيل أكبر من ذلك للعقيدة النبويَّة في العهد القديم عن انسكاب الروح القدس على الجميع.

لا نعرف على وجه اليقين تاريخ يوئيل. قامت الدراسات الحديثة باقتراح تاريخًا مُحتَملًا حوالي 520 ق.م. في نفس الوسط الإيديولوجي لحجي وزكريا. ولكن بغض النظر عن الآراء النهائيَّة بشأن التاريخ، لا تزال رسالة يوئيل واضحة، كما قال كالفن.

يرتبط يوئيل 2: 18-32 ارتباطًا وثيقًا بكل ما يسبقه ويتبعه. تتمحور الأصحاحات 1: 2–2: 17 حول الضيقة الحادثة بسبب الجراد. غزو العدو هذا يستحقَّه الشعب: ترجع هذه العواقب إلى الخيانة الروحيَّة لشعب الله فيما يتعلَّق بالشروط (الوصايا) المُحدَّدة في العهد الموسوي. يرى يوئيل هذه اللعنة كنذير ليوم الرب العظيم المخوف (2: 31)، وهو موضوع رئيسي في أسفار الأنبياء. حين نصل إلى أنبياء ما بعد السبي، نجد الشعب بلا شك يبحث عن تحقيق البعد الأخروي ليوم الرب، أي يوم الحساب الأخير لدينونة الأمم واكتمال وجود ملكوت الله.

لذا في أصحاح 2: 18 نرى تحوُّلًا حاسمًا في النص. من هنا تبدأ استجابة الرب لمعاناة الشعب. قبل ذلك، كانت الضيقة هي الفكرة السائدة في سفر يوئيل؛ أما الآن فالإنقاذ من الغزو والجفاف والخراب أصبح هو السائد. كل هذا يؤدي إلى إعلان يهوه عن نفسه في 2: 27، مما يُعتَبر مدخلًا واضحًا إلى الذروة في الجزء الذي يليه وهو انسكاب الروح القدس (انظر يوئيل 2: 28-32).

كان حقًا يوم الخمسين هو أحد أوجه تحقيق نبوءة يوئيل، ولكنه لا يعتبر التحقيق الكامل. اقتبس لوقا النبوءة في أعمال الرسل 2: 16-21، ويبدو أعمال الرسل 2: 40 في توافق مع النص المذكور في يوئيل. من الواضح في هذا الجزء من عظة بطرس أنه يناشد الجمهور الحاضر أن يهربوا من رعب الدينونة القادمة. يجب أن نتذكَّر أنه من المُرجَّح أن الأشخاص الذين خاطبهم بطرس قد رأوا مؤخرًا علامات في السماء عندما صُلب ربنا.

يبدو أن بولس أدرك معنى نص يوئيل، فيقول في رومية 10: 13: "كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ" نرى هنا أن بولس يشير بذلك حصريًّا إلى يسوع المسيح. إذ يجد مُبرِّرًا تامًا لإدراج الأمم ضمن حدود نص يوئيل. نستطيع أن نقول إنه وسَّع من معنى النص ليشملهم. يبدو أن "كل من يدعو باسم الرب" كانت تُستخدم بشكلٍ مُتكرِّر كمرادف للمؤمنين (أعمال الرسل 9: 14، 21؛ 22: 16؛ 1 كورنثوس 1: 2؛ 2 تيموثاوس 2: 22). كما يمكن ملاحظة أن الأصداء الأخيرة لنص يوئيل تصل إلى رؤيا 6: 9-17 و9: 2 وما يليها.

ملاخي: بقيَّة مستقبليَّة

على الرغم من أن ملاخي خدم في عصر تسوده المُساومة وعدم الإخلاص، إلا أنه شهد أنه لا تزال هناك بقيَّة تقيَّة موجودة خلال حقبة ما بعد السبي وأن الله سيصنع شعبًا يكون غاليًا وملكًا له وحده. هذا هو جوهر العهد: ستكون إسرائيل الروحيَّة خاصةً لله. نرى ذلك بوضوح في ملاخي 3: 17 "«وَيَكُونُونَ لِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَنَا صَانِعٌ خَاصَّةً، وَأُشْفِقُ عَلَيْهِمْ كَمَا يُشْفِقُ الإِنْسَانُ عَلَى ابْنِهِ الَّذِي يَخْدِمُهُ".

وعود الأنبياء هي لهذه البقيَّة التقيَّة. كانت إسرائيل وحدها خاصةً ليهوه ولكن "لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ" كما أدرك الرسول بولس في هذا العصر الجديد (رومية 9: 6). في الواقع، كان يجب أن يأتي السبي، وكان على إسرائيل أن تسقط، وإن لم يكن بشكلٍ لا رجعة فيه، بل كان ذلك من أجل إحضار المُختارين من الأمم إلى تلك العلاقة الخاصة حتى يتمكَّنوا من إثارة غيرة إسرائيل، وبالتالي تتحقَّق بالفعل الوعود الإبراهيميَّة (رومية 11: 11).

عبر بولس عن فرحه بهذه الحقائق قائلًا: "يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!"(رومية 11: 33). يجب أن تُغنِّي قلوبنا أيضًا، إن كنَّا بالفعل جزءًا من شعبه، خاصته الغالية. كان بطرس مُحقًا في قوله: "الْخَلاَص" الذي أعلنه الأنبياء، "لَيْسَ لأَنْفُسِهِمْ"، بل لقُرَّاء بطرس ونحن من بعدهم، "فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُرْسَلِ مِنَ السَّمَاءِ. الَّتِي تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا" (1 بطرس 1: 10-12).

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

براين إستل
براين إستل
الدكتور براين إستل هو أستاذ العهد القديم بكليَّة وستمنستر للاهوت في ولاية كاليفورنيا. وهو ألَّف العديد من الكتب، بما في ذلك كتاب "أصداء الخروج" (Echoes of Exodus).