مخلوق للتمتع بالله إلى الأبد
۱۲ نوفمبر ۲۰۲۰
المخاطر المستجدة لهرطقات الثالوث القديمة
۱۷ نوفمبر ۲۰۲۰

الكنيسة

في المرة الأولى التي تُذكر فيها كلمة "كنيسة" في العهد الجديد، تأتي من شفاه يسوع. أعلن يسوع لفرقة الرسل: "أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (متى 16: 18). بهذه الكلمات، وضع يسوع مسارًا لتغيير العالم. في القرن العشرين، قال الباحث ألفريد نورث وايتهيد (Alfred North Whitehead) ذات مرة إن تطوُّر الفكر الغربي هو سلسلة من الهوامش على أفلاطون. في حين أن أهميَّة هذا الفيلسوف اليوناني الشهير لا يمكن إنكارها، فإن تأكيد يسوع آثاره بعيدة المدى. إن تاريخ العالم كله هو استعلان وتطبيق لقول يسوع ببناء كنيسته في أرض مُعادية.

العديد من الملاحظات حول كلمات يسوع تستحق الدراسة. أولًا، وعد يسوع ببناء كنيسته. في أبسط مستوياتها، تمثِّل الكنيسة تجمُّعًا للخطاة الذين تم شرائهم بالدم والذين ينتمون إلى يسوع. ثانيًا، بناء الكنيسة هو خطة الله، التي تبلورت في المأموريَّة العُظمى، من أجل خلاص شعبه عبر التاريخ وحول العالم. ثالثًا، ستتواجد الكنيسة وسط شر لا يمكن تصوُّره داخل حدودها وخارجها. ومع ذلك، لا يمكن لأي قوة من الظلمة —هرطقة أو جحيم، أو موت أو انقسام، أو خطيَّة أو شيطان— أن تتغلَّب عليها في النهاية. فقد تم بالفعل ضمان الانتصار النهائي لكنيسة المسيح بموت يسوع وقيامته.

نظرًا لأن يسوع هو رب الكنيسة، وبانيها، والمدافع عنها، فإن لأتباع المسيح سؤالًا جوهريًّا: ما هي السمة المميِّزة للمسيحيين عندما يجتمعون معًا لعبادة الله الثالوث، والقيام بعمل أنشطة الخدمة اليوميَّة، والانخراط في قسوة الدفاعيَّات والكرازة؟، باختصار، كيف يمكننا أن نسلك ككنيسة المسيح؟

يمكننا أن نجد أحد الإجابات في حديث الرب يسوع في العليَّة في إنجيل يوحنا. في أعقاب خروج يهوذا لخيانة الرب يسوع، قدَّم يسوع نصيحة الوداع لتلاميذه المُنهكين من أجل إعدادهم لصَلبِه: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يوحنا 13: 34-35). للتغلُّب على عالم دمَّرته الخيانة والموت، وجَّه يسوع أتباعه إلى محبَّة بعضهم البعض.

للوهلة الأولى، قد تبدو دعوة يسوع إلى المحبَّة جوفاء. في أيامنا هذه، الحب منتشر في كل مكان ولكنه عاجز. للأسف، يفكِّر الكثيرون في الحب من منظور إشباع الذات بدلًا من التضحية بالنفس. بالنسبة لهم، الحب هو مجرَّد شعور يجب تدليله واستيعابه. نتيجة لذلك، فإن الحب في ثقافتنا هو سلعة يجب استخدامها، وليس التزامًا يجب تنميته. فأما بالنسبة للمسيح، فإن المحبة هي أكثر من مجرَّد خفقان للقلب غريب الأطوار.

من ناحية، ليس هناك جديد في وصيَّة يسوع. ففي السابق في لاويين 19: 18 تم توجيه شعب الله أن يُحبوا الآخرين. الجديد ليس المبدأ ذاته بل النموذج. قال يسوع نحن نحب بعضنا البعض: "كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا". إن محبة المسيح المُضحية التي ظهرت على الصليب هي المعيار الذي يجب أن نحب به بعضنا البعض. هذا لا يعني أننا يجب أن نُصلب حرفيًّا لنحب إخواننا وأخواتنا في المسيح. ولكن هذا يعني أننا يجب أن نهتم بمصالحهم فوق مصالحنا الشخصيَّة (فيلبي 2: 3-8). إلى الحد الذي تُميِّز به المحبة المتمركزة حول المسيح كنائسنا، سيقيس العالم الذي يُشاهدنا مصداقيَّة شهادتنا. ليس هذا فحسب، بل أضاف يسوع قائلًا إن العالم سوف يحكُم على صدق الإنجيل بناءً على محبتنا لبعضنا البعض (يوحنا 17: 20-23).

إذا كانت وصيَّة يسوع الجديدة تلخِّص طريقة سلوكنا، فعندئذٍ يكون عكس كلامه صحيحًا أيضًا. سيكون لفشلنا في المحبة تأثير مباشر على كنائسنا. إن لم نظهر لبعضنا البعض محبة المسيح، فلن يعرف العالم أننا تلاميذه، والأكثر واقعيَّة، أنهم لن يعرفوا محبة الله في الإنجيل. كما قال الراحل فرانسيس شيفر بحق، يمكن ملاحظة أن المحبة التي تشبه محبة المسيح هي الدفاعيَّات الحاسمة. فإن تكلَّمنا بألسنة الناس وعلماء الدفاعيَّات، ولكن ليس لدينا محبَّة، فإن كنائسنا ستبدو مثل نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ (1 كورنثوس 13: 1). بدون محبَّة المسيح، لماذا يستمع العالم إلى شهادة الكنيسة؟

المحبَّة هي السمة العظيمة التي تُميِّز الكنيسة. إن محبتنا لبعضنا البعض تُظهر أننا تلاميذ المسيح وتُظهر للعالم محبَّة الله في المسيح. في حين أن الإيمان المسيحي صحيح من الناحية الموضوعيَّة بغض النظر عن مدى طاعتنا لوصيَّة المسيح، يجب أن نتذكَّر أن العالم غالبًا ما يقيس ادعاءات الحق المسيحي على ضوء حياة المسيحيِّين. عندما نفشل في المحبَّة (وسيحدث ذلك)، يجب أن نتذكَّر أيضًا أن المسيح لا يبني كنيسته بسببنا ولكن على الرغم منَّا وحتى من خلالنا. إن الشهادة العظيمة للكنيسة هي أن "اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رومية 5: 8). إن كان هذا صحيحًا (وهو كذلك بالفعل)، فربما يكون السؤال الأفضل الذي نطرحه هو "كيف يجب أن نُحب إذن؟"

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون تويدال
جون تويدال
الدكتور جون تويدال هو العميد الأكاديمي وأستاذ اللاهوت في كلية لاهوت الإصلاح (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وقسيس في الكنيسة المشيخيَّة في أمريكا (Presbyterian Church in America).