البركة
۱۰ نوفمبر ۲۰۲۰
الكنيسة
۱۳ نوفمبر ۲۰۲۰

مخلوق للتمتع بالله إلى الأبد

مخلوق للتمتع بالله إلى الأبد

بقلم جون كريد

لماذا خلق الله البشر؟ في كثير من قصص الخلق في الشرق الأدنى القديم، خُلق الإنسان لغرض وحيد هو أن يكون عبدًا وخادمًا للآلهة. على سبيل المثال، تصف قصة الخلق في بلاد ما بين النهرين المعروفة باسم "إينوما إليش" (Enuma Elish) خلق الإله مردوخ للإنسان كالتالي:

سوف أجمع الدم وأجعل العظام تتكوَّن،

سوف أقوم بخلق شخص بدائي، سيكون اسمه "الإنسان".

حقًا، إنسان بدائي سأخلقه.

سيكون مُكلَّفًا بخدمة الآلهة،

لعلهم يستريحون!

تختلف الرواية الكتابيَّة عن خلق الله للبشر اختلافًا كبيرًا عمَّا نراه في قصص الشرق الأدنى القديم الأخرى. في تكوين 1، يشكِّل خلق الإنسان ذروة عمل الله في الخليقة، ولذلك يُسمِّي اللاهوتيُّون البشر "تاج الخليقة". وعلى عكس أي عنصر آخر في الخليقة، فإن الله خلق البشر على صورته (imago Dei). لقد فعل الله هذا لأنه قصد أن الرجال والنساء في علاقة معه. يعرف الإنسان الله جزئيًّا من خلال الاستمتاع بحضوره، وهذا يُسر الله. الإنسان ليس هو الله، لكنه يشابه الله في نواحٍ كثيرة، وعليه أن يقتدي بالله. فكما أخضع الله الخليقة وساد عليها بواسطة الكلمة (تكوين 1)، كذلك يجب على الإنسان إخضاع الخليقة والسيطرة عليها بالعمل في الجنة (2: 15) وتسمية الحيوانات (الآيات 19-20). وكما ملأ الله السماوات بمجموعة من النجوم وملأ الأرض بكائنات حيَّة، كذلك يجب أن يملأ الإنسان الأرض بالثمر وبحاملي صورته (1: 28). دُعي الإنسان ببساطة لمحاكاة الله في طريقة حياته وأفعاله (imitatio Dei).

هناك فرق مهم آخر بين قصص الشرق الأدنى القديم عن نشأة الكون والرواية الكتابيَّة للخلق وهو العلاقة بين البشر والآلهة. على سبيل المثال، آلهة مصر غير شخصيَّة وبعيدة؛ في الواقع، هي مجرَّد تجسيد للعناصر الطبيعيَّة المختلفة للعالم. هذه الآلهة بعيدة وإلى حدٍ كبير لا يمكن الاقتراب منها. ليس هكذا الله الخالق في اليهوديَّة. عندما خلق الله البشر في الجنَّة، كان يمكنهم الاقتراب من الله بشكل مباشر. لقد تحدَّث الله إليهم مباشرةً دون وسيط، بل إنه ظهر لهم. جاء في تكوين 3: 8 أنهم: "سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ". الهدف الأساسي من هذا النص هو إظهار حضور الله في الجنَّة.

عندما سقط البشر في الخطيَّة، كانت العواقب وخيمة جدًا وكارثيَّة، وأدَّت إلى عدم الانسجام. تأثَّر الإنسان بأكمله باعتباره صورة الله سلبًا. فقد تشوَّه كل جانب من جوانب الطبيعة البشريَّة: العقل، والإرادة، والرغبات، والعواطف، والجسد، والجانب الروحي. كما اغترب آدم وحواء عن بعضهما البعض (تكوين 3: 7)؛ واغتربا عن الجنَّة (الآية 23)؛ واغتربا عن كل الخليقة (الآيات 17–19)؛ واغتربا عن شجرة الحياة (الآية 22). ولكن الأهم من ذلك أنهما اغتربا عن الله (الآيات 7–11)، فكان لديهم خوف وقلق منه بدلًا من الشركة معه. في ختام قصة السقوط، طُرد الإنسان من الجنَّة، ومن الحياة الأبديَّة، ومن الحضور المباشر لله نفسه.

لكن الله لم يترك البشر أو بقية الخليقة في حالة ميؤوس منها. فقد وعد، فور السقوط، بإرسال فاديًا يأتي ليصحِّح كل شيء (3: 15). سيكون هو آدم الأخير وصورة الله الحقيقيَّة (2 كورنثوس 4: 4؛ كولوسي 1: 15). سيكون عمانوئيل (إشعياء 7: 14)، أي "الله معنا" — سيكون حضور الله هو المسيَّا الآتي. سيأتي ليهزم أعداء الله ويفتدي شعب الله من خطاياهم ويعيد التناغم والنظام في الخليقة (كولوسي 1: 15-20). سيتم استرداد الشعب إلى الصورة الصحيحة لله من خلال كوننا "في المسيح" (1 كورنثوس 11: 7؛ أفسس 4: 24؛ كولوسي 3: 10). سيتمتع شعب الله مرة أخرى بحضوره، وسيُسر الله بكنيسته. كل هذا العمل الفدائي هو شيء لم تعد به آلهة الشرق الأدنى القديم ولم تستطع تحقيقه.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون كريد
جون كريد
الدكتور جون كريد أستاذ ورئيس قسم العهد القديم بكليَّة اللاهوت المُصلَحة (Reformed Theological Seminary)، وقس التعليم والوعظ بكنيسة (Sovereign Grace Presbyterian) بمدينة شارلوت في ولاية كارولينا الشماليَّة. وهو مُؤلِّف العديد من الكتب منها "ضد الآلهة" (Against the Gods)، و"لماذا أتألم؟" (Why ?Do I Suffer)، كما عمل رئيس تحرير الكتاب المقدس الدراسي (ESV Archaeology Study Bible).