ضبط النفس
۹ نوفمبر ۲۰۲۰
مخلوق للتمتع بالله إلى الأبد
۱۲ نوفمبر ۲۰۲۰

البركة

الكتاب المُقدَّس كتاب مُبارَك. فهو يبدأ بالبركة، وينتهي بالبركة. موضوعه هو البركة. بل أكثر من ذلك، هو نفسه بركة. لكن كل هذا يطرح سؤالًا: ما الذي نعنيه بالضبط بكلمة بركة؟

أحص البركات التي تتمتَّع بها:

في لغة الحياة اليوميَّة، تعكس كلمة بركة مجموعة من المعاني. يمكننا إحصائهم واحدًا تلو الآخر. فعلى سبيل المثال، قد نتحدَّث عن لقاء مُفاجئ بصديق لم نراه منذ فترة طويلة على أنه "بركة غير مُتوقَّعة" أو (بحسب الصديق) حتى على أنه "بركة غير صافية". هنا تنقل الكلمة بشكل أو بآخر فكرة المكسب الشخصي والحظ السعيد. لكن المصطلح يمكن أن يحمل معه أيضًا إحساسًا بمنح الموافقة، كما هو الحال عندما يطلب الفتى المغرم بالحب "مباركة" والد زوجته المُحتَمل لطلب زواجه من ابنته.

علاوة على ذلك، غالبًا ما نفكِّر في البركة على أنها تدل على رعاية وحماية إلهيَّة؛ ومن ثمَّ، ينتهي كل خطاب رئاسي تقريبًا بهذه الكلمات العظيمة "ليبارك الله بلدنا".

مع ذلك، فرأيي الشخصي هو أن هذه الاستخدامات للمصطلح لا تصل إلى أساس البركة. بالتأكيد، يتحدَّث الكتاب المُقدَّس أيضًا عن البركة بعدَّة طرق. وهكذا نقرأ عن البركة أنها حق البكوريَّة (تكوين 27)، والمعاملة الطيبة من شخص لآخر (تكوين 33: 11)، ومنح البركة الأبويَّة (تكوين 49: 28)، وامتياز خدمة الله (خروج 32: 29)، والحصول على ميراث (يشوع 15: 19)، وعطية الغلة الوفيرة (لاويين 25: 21؛ عبرانيين 6: 7-8)، وسخاء الخليقة (مزمور 65: 9-13)، وما إلى ذلك.

ولكن حتى هذه الخبرات المُباركة يجب أن تُقرأ في إطار أوسع لتعاليم الكتاب المُقدَّس عن البركة.

الذي منه تفيض كل البركات:

تأتي الكلمة التي تعني بركة من الاسم العبري (بركة) والذي غالبًا ما يُستخدم عن منح إحسان الله وصلاحه في إطار العهد. بالمثل، فإن صيغة الفعل هي "بارك" والتي تعني في الأصل "الركوع"، ولكنها كثيرًا ما تُستخدم لوصف العبادة المُوقَّرة لشعب الله في العهد، من حيث الصلاة والتسبيح.

ولكن ما هي العلاقة بين هذه الكلمات العبريَّة؟ فكِّر في الفرق بين منح البركة والتمجيد. كلاهما ينطوي على جانب مميَّز من البركة. في منح البركة نحصل على بركة من الله (عدد 6: 22-27). ولكن في التمجيد نُعلِّي الله أو نباركه (مزمور 103: 1-5). باختصار، منح البركة يُولِّد تمجيدًا (أفسس 1: 3-14).

لذلك، يشير إغداق البركة الإلهيَّة إلى علاقة حميمة بين مَن يعطي بإحسانٍ ومَن ينال دون استحقاق. فالأول يعطي ويُنعم، والآخر ينال ويفرح، والبركة هي الرباط بينهما. يباركنا الله بغنى، ونحن بدورنا نباركه على ما يعطيه لنا من بركات. لذلك نغنِّي بسرور قائلين: "لنحمد الله الذي منه تفيض كل البركات".

ومع ذلك، فإن هذا ليس سوى الجانب العملي للبركة. عبر الكتاب المُقدَّس كله، ترتبط الكلمة ارتباطًا وثيقًا بأربعة مبادئ كتابيَّة أخرى: الخلق، والعهد، واللعنة، والمسيح. في إطار هذا السياق، تأخذ البركة معنى أكثر ثراءً وأكثر تحديدًا.

ينبوع كل بركة:

يبدأ الكتاب المُقدَّس بإعلان البركة. في تكوين 1 نجد أول منح للبركة من فم الله مباشرةً: بارك الله الخليقة في اليوم الخامس، والإنسان في اليوم السادس، ويوم السبت في اليوم السابع. إن الحياة في الجنة كانت تُعاش في ظل بركة الله الكاملة.

ولكن في تكوين 3، أصبحت البركة الإلهيَّة لعنة بسبب خطيَّة آدم. لذلك، لعن الله الحيَّة، والمرأة، وآدم بسبب عصيانهم. ونتيجة لذلك، لم يعد الإنسان يحيا تحت مظلة النعمة الإلهيَّة بل تحت يد الدينونة الإلهيَّة. للأسف، ضاعت البركة التي كانت يتم التمتُّع بها في الجنة نتيجة السقوط.

يخبرنا باقي الكتاب المُقدَّس عن القصة غير المُتوقَّعة لكيفيَّة إعادة اكتشاف بركة الله التي هي منذ الخلق عن طريق عهد نعمة الله. أُعطيت تلميحات عن كيفيَّة تحقيق ذلك لكل من آدم (تكوين 3: 15)، ونوح (تكوين 9: 1)، وإبراهيم (تكوين 12: 1-3)، وموسى (تثنية 27-30)، وداود (2 صموئيل 7: 28-29)، وحزقيال (حزقيال 34: 25-26)، من بين آخرين. ولكن ينبوع بركة الله أُعلن في النهاية في ابن الله المُتجسِّد.

في العهد الجديد، نكتشف الأخبار السارة بأن يسوع حوَّل لعنة الله إلى بركة، إذ صار هو لعنة على الصليب (غلاطية 3: 10-14). وبالتالي مَن يؤمنون بالمسيح يتمتَّعون بالغفران والبركة الآن وإلى الأبد أيضًا (رومية 4: 7-8)؛ فالبركة التي ضاعت مُستَردة الآن بواسطة حمل الله (رؤيا 22).

إنه لأمر مأسوي ولكنَّه عادل أيضًا أن مَن يرفضون المسيح يمكثون تحت دينونة الله وهم ملعونون إلى الأبد (يوحنا 3: 36).

ما هي إذن بركة الله؟ الإجابة بسيطة: شخص يسوع المسيح (أفسس 1: 3).

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون تويدال
جون تويدال
الدكتور جون تويدال هو العميد الأكاديمي وأستاذ اللاهوت في كلية لاهوت الإصلاح (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وقسيس في الكنيسة المشيخيَّة في أمريكا (Presbyterian Church in America).