انتهاء القديم وحلول الجديد
۱۰ مارس ۲۰۲۰
سيادة الله ومجده
۱۷ مارس ۲۰۲۰

فهم استمرارية الإصلاح في قرينتها التاريخية

اسُتخدمت عبارة ecclesia reformata, semper reformanda (الكنيسة مُصلَحة ومستمرة في الإصلاح) مرات عديدة لجعلها شعارًا أو رمزًا. وقد استخدمها الناس لدعم عدد كبير من البرامج والأهداف اللاهوتيَّة والكنسيَّة. وقد تتبَّع العلماء أصولها لأحد كتب التأملات والتي ألفها جودوكوس فان لودنشتاين (Jodocus van Lodenstein) عام 1674. بلا شك لم تكن لدى فان لودنشتاين أي نيَّة ليصير من كُتَّاب العبارات أو الشعارات. فماذا كان قصده، وماذا كان يعنى بهذه العبارة؟

كان فان لودنشتاين قسيسًا بالكنيسة المُصلحة للأقاليم المتحدة لما نعرفه اليوم باسم هولندا. وُلدت هذه الكنيسة نتيجة عقود من الوعظ الأمين من قبل القسوس — العديد من المتعلمين بجنيف — واللذين خاطروا بحياتهم حاملين رسالة الإنجيل، أولًا في المناطق الناطقة بالفرنسيَّة من البلدان المنخفضة (Low Countries)، ثم لاحقًا للمناطق الناطقة بالألمانيَّة أقصى الشمال. واستشهد بعض القسوس نتيجة إيمانهم، ولكنهم جمعوا حصادًا وفيرًا من المؤمنين. لقد لقيت رسالتهم حول الحاجة إلى إصلاح الكنيسة بحسب الكتاب المقدس صدى لدى العديد ممن رأوا فساد الكنيسة السابقة.

في ظل حكم كل من تشارلز الخامس وفيليب الثاني، سعت حكومة البلدان المنخفضة لقمع الديانة المُصلَحة، الذي كان جزءً كبيرًا من سبب الثورة الهولنديَّة ضد أباطرة إسبانيا. أصبحت هذه الثورة (1568-1648) معروفة باسم حرب الثمانين عامًا، والتي نتج عنها ميلاد دولة جديدة في الجزء الشمالي من البلدان المنخفضة. في هذه الدولة الجديدة — الجمهورية الهولنديَّة، والمعروفة أيضًا باسم الأقاليم المتحدة، كانت الكنيسة المُصلَحة هي المسيطرة، حيث كانت تتلقَّى دعم الحكومة، وأصبحت كنيسة الأغلبيَّة من الشعب بحلول منتصف القرن السابع عشر.

قبلت هذه الكنيسة إقرار الإيمان البلجيكي (1561)، ودليل أسئلة وأجوبة هايدلبرج (1563)، كما كان لديها في الأساس النظام المشيخي في الإدارة الكنسيَّة. أدَّى تدخُّل السلطات المدنيَّة البروتستانتيَّة في الدولة الجديدة إلى تقييد حريَّة الكنيسة المُصلَحة، لا سيما في مسائل التأديب الكنسي. أدَّى هذا التدخُّل جزئيَّا إلى أزمة في الكنيسة في أوائل القرن السابع عشر مع تصاعد الأرمينيَّة. تم التعامل مع هذه الأزمة وتسويتها في السنودس الدولي الكبير الذي عُقد في مدينة دوردريخت (Dordrecht) في الفترة ما بين 1618-1619. أصبحت إقرارات سنودس دورت التي تم إعدادها بهذا السنودس ذات سلطة عقائديَّة أخرى في حياة الكنيسة.

ولد جودوكوس فان لودنشتاين في عائلة شهيرة بمدينة دلفت (Delft) عام 1620. وقد تلقَّى تعليمه على يد اثنين من أبرز الأساتذة المُصلحين في عصره: اللاهوتي الفيلسوف جيسبيرتوس فويتيوس (Gisbertus Voetius) من أوترخت (Utrecht)، والعالم اللاهوتي العهدي يوهانس كوكيوس (Johannes Cocceius) من مدينة فرانكر (Franeker). وبالرغم من صداقة فان لودنشتاين الشخصيًّة مع كلا اللاهوتيِّين، إلا إنه كان أكثر تأثُّرًا بفويتيوس. شدَّد فويتيوس على كل من اللاهوت الدقيق والحياة المسيحيَّة. دُعي فان لودنشتاين ليكون راعيًا في مدينة أوترخت حيث خدم منذ عام 1653 حتى موته في عام 1677. وكقسيس، كان دائمًا يشجِّع المؤمنين على الحياة المسيحيَّة تتسم بالانضباط والحيويَّة.

ورث فان لودنشتاين كنيسة كانت من الواضح أنها مُصلَحة بشكل واضح وفقًا للتفسير المُصلَح أو الكالفينى للكتاب المقدس. كثيرًا ما وصف الكالفينيُّون رؤيتهم للكنيسة في ثلاث جوانب: العقيدة، والعبادة، والإدارة الكنسيَّة. في جميع هذه المجالات الثلاثة، كانت الكنيسة الهولنديَّة المُصلَحة كالفينيَّة، متشابهة في معظم الطرق مع الكنائس الكالفينيَّة في جميع أنحاء أوروبا.

لا توجد حياة كنسيَّة ثابتة على الإطلاق، ومع ذلك، رأى فان لودنشتاين بالتأكيد بعض التغييرات أثناء حياته. في العقيدة، مثلاً، كان اللاهوتيوُّن المُصلحون يطوِّرون لاهوت العهد الذي يقدِّم نظرة ثاقبة في كل من بنية تكشُّف الإعلان في الكتاب المقدس وعمل المسيح. رأى معظم المسيحيِّين المصُلحين أن هذا تقدم لاهوتي حقيقي. كما شهد فان لودنشتاين الاستخدام المتزايد لآلة الأرغون في العبادة العامة في الكنائس المُصلَحة في عصره. وكان يعرف المناقشات حول ما إذا كان هذه التغيير إصلاح أم تشويه في عبادة الكنيسة. هل هذه هي أنواع التغييرات التي كان يفكر بها عندما كتب عن الكنيسة المُصلحة واستمراريَّة الإصلاح؟

الإجابة على هذا السؤال هي لا. لم يكن فان لودنشتاين يفكر في التعديلات والتحسينات في عقيدة الكنيسة، وعبادتها، وإدارتها. كانت مسائل الإصلاح الخارجي هذه ذات أهمية قصوى عندما قام بها المصلحون في القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر. ولكن بالنسبة للكالفينيِّين أمثال فان لودنشتاين، فإن هذه الأمور قد تم إنجازها وتسويتها بشكل حاسم ونهائي. فهو لم يكن يفكر في أهمية التغييرات الطفيفة نسبيًّا. لم يكن رجلًا ينتمي للقرون اللاحقة التي آمنت بأن التقدُّم والتغيير ضروريان وجيدان في حد ذاته. لقد آمن أن الكتاب المقدس واضحًا بشأن أسس العقيدة، والعبادة، والإدارة الكنسيَّة، وأن الكنائس المُصلَحة قد قامت بإصلاح هذه الأمور بشكل صحيح. بهذا المعنى، كان الإصلاح عودة إلى تعاليم الكتاب المقدس. كان المُصلحون قد فهموا هذه الأمور بشكل صحيح، وتم حسمها.

لم تكن المظاهر الخارجيَّة للدين هي أكثر ما شغل تفكير القسوس مثل فان لودنشتاين — على الرغم من أهميتها القصوى — ولكن الجانب الداخلي للدين. كان فان لودنشتاين مُصلحًا تقيًّا وجزءً من الإصلاح الثاني الهولندي. وبالتالي كانت الأمور الدينيَّة التي تشغل باله تشبه إلى حد كبير اهتمامات البيوريتانيُّون التطهيريُّون الإنجليز. كانوا يعتقدون جميعًا أنه بعد أن تم إصلاح الأمور الخارجيَّة للدين بشكل دقيق وإخلاص وفقًا لكلمة الله، كانت الحاجة الماسة أن يقود القسوس الشعب نحو الدين الحقيقي في القلب. لقد رأوا الخطر الكبير في أيامهم ليس كونه العقيدة الخاطئة أو الخرافات أو عبادة الأوثان، بل التمسُّك بالشكليَّات. تكمن خطورة التمسُّك بالشكليَّات في أن عضو الكنيسة يمكن أن يوافق على العقيدة الصحيحة، ويشارك في العبادة الحقيقيَّة في كنيسة منظَّمة كتابيًّا، ومع ذلك لا يزال ليس لديه إيمان حقيقي. حذَّر المسيح من الفريسيِّين المعاصرين له، مقتبسًا من إشعياء النبي: "يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (متى 15: 8).

الجزء الذي يحتاج الإصلاح المستمر من الدين هو قلب الإنسان. فالديانة الحيَّة والإيمان الحقيقي هو ما يجب إصلاحه باستمرار. والخدمة الأمينة يجب أن تعارض بقوة التمسُّك بالشكليَّات، واللامبالاة، والتطبُّع.

آمن فان لودنشتاين وكل من معه بأن إقرارات سنودس دورت قدَّمت رؤية للديانة الحقيقيَّة تشبه رؤيتهم. في المعركة ضد الأرمينيَّة، كانت عقيدة الميلاد الثاني واحدة من القضايا الكبرى. في اللاهوت المُصلح في القرن السادس عشر، استخدم اللاهوتيُّون تعبير الميلاد الثاني كأحد المرادفات لكلمة التقديس. فمثلًا ينص البند 24 من إقرار الإيمان البلجيكي على أننا نُولد ثانية بالإيمان. ولكن في المعركة ضد الأرمينيَّة، اكتسب مفهوم الميلاد الثاني معنى تقنيًّا أكثر، حيث أشار إلى العمل السيادي للروح القدس في زرع الحياة الجديدة داخل النفس وهو أمر ضروري للإيمان. أوضح هذا الاستخدام الجديد للميلاد الثاني كيف أن الإيمان هو عطية من الله، وليس عمل الإرادة البشريَّة الحرة. لكنه أوضح أيضًا كيف أصبح المؤمنون قادرين، بنعمة الله، على أن يحيوا حياة جديدة ساعيين نحن القداسة. أعلنت إقرار سنودس دورت التالي:

لكن يتمِّم الله مسرته في المختارين أو ينشئ فيهم تغييرًا حقيقيًّا، ليس فقط بأن يرسل لهم بشارة الإنجيل عن طريق الكرازة الخارجية وبأن ينير أذهانهم بقوة بواسطة روحه القدوس، حتى يتمكّنوا من إدراك وتمييز ما لروح الله؛ ولكنه يجتاح، بواسطة فاعليّة الروح المُجدّد ذاته، أعمق خبايا الإنسان؛ فيفتح ما هو مغلَق، ويُليّن القلب المتحجِّر، ويختن ما هو أغلف، ويغرس صفات جديدة داخل الإرادة التي يحييها، مع أنها كانت حتى ذلك الحين مائتة؛ محولًا إيّاها من إرادة شريرة، وعاصية، ومعاندة، إلى إرادة صالحة، وطائعة، ومرنة؛ ومحرّكًا ومقويًا إيّاها، حتى تصنع، مثل شجرة جيدة، ثمارًا من الأعمال الصالحة.

تم استخدام عقيدة الميلاد الثاني هذه للتأكيد على المبدأ الجديد للحياة في المؤمن والحاجة إلى أن تُعاش هذه الحياة الجديدة. كان على المؤمن أن يتجنَّب التمسُّك بالشكليَّات ويعيش إيمانه في جهاده اليومي ضد الخطية، ويجد الراحة والرجاء في وعود الله وروحه.

إذن، ماذا كان يقصد فان لودنشتاين بعبارته الشهيرة مُصلَحة ومستمرة في الإصلاح؟ على الأرجح كان يقصد شيئًا من هذا القبيل: بما أنه لدينا الآن كنيسة مُصلَحة من الخارج من حيث العقيدة، والعبادة، والإدارة الكنسيَّة، فلنعمل دائمًا على ضمان إصلاح قلوبنا وحياتنا بواسطة كلمة الله وروحه. بغض النظر عن معاني أخرى قد تكون لهذه العبارة، فإن هذا المعنى الأصلي يستحق التفكير فيه والحفاظ عليه.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

روبرت جودفري
روبرت جودفري
الدكتور روبرت جودفري هو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير والرئيس الفخري لكلية لاهوت وستمنستر في كاليفورنيا والأستاذ الفخري لتاريخ الكنيسة بها. وهو الأستاذ المُميّز في سلسلة ليجونير التعليميّة المكونة من ستة أجزاء بعنوان "مسح شامل لتاريخ الكنيسة" A Survey of Church History. تشمل كتبه العديدة "رحلة غير متوقعة" An Unexpected Journey، و"تعلّم أن تحب المزامير" Learning to Love the Psalms.