سلطة خدميَّة وإعلانيَّة
۲۷ مايو ۲۰۲۱
خارج السيطرة وتحت السيطرة
۲ يونيو ۲۰۲۱

التعيين المُسبَق والأفعال البشريَّة

غالبًا ما تُعتبر أسطورة أوديب مثالًا مأثورًا على القدريَّة اليونانيَّة. لاضطرابه بالشكوك حيال نسبه، استشار بطل الرواية عرَّافًا أنبأه بأنه قُدِّرَ له قتل أبيه والزواج من أمه. وعلى الرغم من أن أوديب رذل هذه النبوَّة المروعة، بدت الأحداث تنحو بلا هوادة نحو تحقيقها. وبَطُلَت كل مجهوداته لتفادي قدره.

كثيرًا ما تُوصَم عقيدتي العناية الإلهيَّة والتعيين المُسبَق المُصلَحتين أو الكالفينيَّتين بالقدريَّة. لكن هذا الوصم مبني استنادًا إلى بعض الالتباسات الدقيقة. تقر وتؤكِّد الكالفينيَّة بالفعل أن كل الأحداث في الخليقة قد عيَّنها الله مُسبقًا. كما نقرأ في إقرار إيمان وستمنستر: "الله، منذ الأزل، بحسب رأي مشيئته الخاصة الكلِّي الحكمة والقداسة، قد عيَّن بحريَّةٍ، ودون قابليَّة للتغيير، أيًّا كان ما يحدث" (الفصل 3، البند 1). لكن الإقرار لم يتوقَّف عند هذا الحد، بل تبعه فورًا بأن هذا التعيين المُسبَق الإلهي لا يجعل إرادة خلائق الله إرادة عبثيَّة باطلة. بل على النقيض، يتمِّم الله عادةً مقاصده الأزليَّة من خلال علل ثانويَّة مثل العوامل البشريَّة والعمليَّات الطبيعيَّة. من الأمثلة الكتابيَّة على توجيه الله للأفعال البشريَّة حسب مقاصده نجد قصة يوسف (تكوين 45: 5-8؛ 50: 20)، والغزو الأشوري لمملكة إسرائيل (إشعياء 10: 5-11)، وصلب الرب يسوع (أعمال الرسل 4: 27-28).

كيف إذن تختلف الكالفينيَّة عن القدريَّة؟ ألم تقر الكالفينيَّة بأن يهوذا قد قُدِّرَ له خيانة الرب يسوع (يوحنا 17: 12؛ أعمال الرسل 1: 16)، تمامًا مثلما قُدِّرَ لأوديب قتل أبيه؟ ينبغي أولًا ملاحظة أن "القدر" كان عند القدماء قوَّة أو مبدأ خارجي ينطبق بالتساوي على البشر والآلهة. ومثلما أخفق اليونانيُّون بالاعتراف بوجود خالق كائن متعالٍ، فقد افتقروا أيضًا إلى أي تصوُّر لإله ذي سيادة يوجِّه كل الأمور والأشياء "لغاياته الشخصيَّة المُقدَّسة" (إقرار إيمان وستمنستر، الفصل 5، البند 4). تفتقر القدريَّة الوثنيَّة إلى يد العناية الإلهيَّة، وتخلو من خطة الله الشاملة. إذ تفتقر الأقدار إلى تناغم ومنطق؛ والكون مسرح للعبث والمأساة. بخلاف المنظور الكتابي الذي بحسبه الله "يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ" (أفسس 1: 11) و"كُلَّ الْأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ" (رومية 8: 28).

الفرق الرئيسي الثاني بين الكالفينيَّة والقدريَّة تم التطرُّق إليه بالفعل. تُعلِّم الكالفينيَّة أن الله لم يُقرِّر الغايات النهائيَّة فحسب –أي النتائج النهائيَّة للأحداث– بل أيضًا وسائط تحقيق هذه الغايات. بعبارةٍ أخرى، تتوافق الوسائط، بعناية الله، مع الغايات إذ تعتمد الغايات على الوسائط. لذا، لم يُعيِّن الله فقط بأن ينتهي المطاف بيوسف في المرتبة الثانية في السُلطة بعد فرعون؛ بل عيَّن مجرى الأحداث برُمَّته التي بلغت ذروتها في تلك النتيجة، بما فيها من أفعال أخوة يوسف الشريرة. فلا يليق لنا أن نفتكر في أن الله خطَّط ليوسف أن يصير الساعد الأيمن لفرعون غاضِّين النظر عن كيفيَّة مُعاملة أخوته له.

من ناحية أخرى، تميل القدريَّة إلى الفصل بين الغايات والوسائط، مما يعني أن حياتنا تنحو نحوًا محدَّدًا بغض النظر عمَّا نفعله. تُقدِّم سلسلة حديثة من الأفلام صورة توضيحيَّة معاصرة لهذا، تبدأ بمجموعة من الناس يخدعون الموت، لكن هروبهم دائمًا ما يكون قصير الأجل. وفي النهاية، يصطاد حاصد الأرواح كل منهم بالرغم من محاولاتهم لتفادي منجله. تفترض القدريَّة أن أفعالنا عبث باطل؛ فلا تصنع فارقًا عمليًّا في النتيجة. لكن هذه الفكرة غريبة تمامًا عن عقيدة العناية الإلهيَّة المُصلحة. فبكل تأكيد تعتمد نتائجنا المستقبليَّة على الاختيارات التي نتَّخذها في هذه الحياة. ما من تناقض في التأكيد على أن النتائج المستقبليَّة تعتمد بشكلٍ أساسي على اختياراتنا وأن الله بسيادته يُعيِّن كل الأشياء بما في ذلك النتائج المستقبليَّة والاختيارات التي تقود إليها. نعم، لقد سبق الله فعيَّن أفعال خلائقه، لكنَّه أيضًا سبق فعيَّن أن لأفعالهم هذه تبعات مُهمَّة.

ربما مثال من لعبة رياضيَّة يساعد في توضيح هذه النقطة. تخيَّل أنَّك تلعب جولة جولف بصحبة صديقك، يعقوب، الذي اعتاد الخلط بين الكالفينيَّة والقدريَّة. وبعد تثبيت المحملة الخامسة، ضربتَ الكرة ضربة سلسة مُوجَّهة مباشرةً في ممرها؛ لتهبط الكرة مباشرةً على ساحتها الخضراء وتتدحرج بانتصار نحو الكأس لسقوطها في الحفرة من ضربةٍ واحدة.

وبدلًا من أن يُهنِّئك يعقوب، يعتلي وجهه ابتسامه خبيثة سائلًا: "أنت كلفيني، أليس كذلك؟" فتُجيبه: "بلى" مُتحمِّسًا لسماع إلى أين سيقود هذا. فيستطرد: "فأنت تؤمن بأن الله سبَقَ فعيَّن كل الأشياء منذ الأزل، بما في ذلك هذا التسجيل للكرة من ضربةٍ واحدة. في الواقع، إذا كان الله قد سبَقَ تعيينها، فلا يهم حقًا كيف ضربتَ الكرة. لأنَّه قد عُيَّن لها السقوط في الحفرة".

يعقوب ليس ذكيًّا بالقدر الذي يظَّنه. فبمنطقه الملتبس هذا، كانت الكرة ستسقط في الحفرة حتى لو لم تضربها أبدًا. لكن هذا سخف جلي. فسقوط الكرة في الحفرة من ضربةٍ واحدة يعتمد على ضربك للكرة، وضربك لها بمهارة وحنكة. أما الكلفيني الراسخ سيقول إن الله لم يسبق ليُعيِّن التسجيل من ضربةٍ واحدة فحسب، بل أيضًا أنه يتحقَّق نتيجة لضربك للكرة بدقَّة. فإن توجيهك المُحدَّد والمُهدَّف بدقَّة ضروري فعلًا.

هذه ليس تفريق فلسفي بسيط. لأن التمييز بين الكالفينيَّة والقدريَّة له تطبيقات عظيمة للغاية في الحياة المسيحيَّة. هذا يعني أن صلواتنا تحدث فرقًا حقًا، لأن الله عيَّن بأن أحداث المستقبل ستتحقَّق استجابةً لصلواتنا. ويعني أن الكرازة ضروريَّة، لأن الله عيٍّن أن مختاريه سيخلصون بسماع الإنجيل والإيمان به. ويعني أننا لا بد أن نجاهد في تثبيت دعوتنا واختيارنا (2 بطرس 1: 10)، لأنَّه على الرغم من أن الراعي لن يفقد أيًّا من خرافه، فإن هذه الخراف ستخلص في النهاية فقط بالمثابرة في الإيمان إلى المنتهى.

بإدراك أن الله قد عيَّن كل من الوسائط والغايات، يستطيع الكالفيني حقًا أن يقول: "إن لم نصلِّ، لما حدث ذلك؛ وإن لم نشارك بالإنجيل، لما سمعوه؛ وإن لم نثبت في الإيمان، فلن ننال إكليل الحياة". لكن في الوقت ذاته، يعطي الكالفينيُّون الفضل النهائي لكل هذا إلى نعمة الله السياديَّة.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جيمس أندرسون
جيمس أندرسون
الدكتور جيمس أندرسون هو أستاذ علم اللاهوت والفلسفة في كلية اللاهوت المُصلَحة بمدينة شارلوت، في ولاية نورث كارولاينا، وهو قسيس مرتسم في الكنيسة المُصلَحة المتحدة المشيخيَّة. وهو الأستاذ المتميز في سلسلة ليجونير التعليميَّة بعنوان "استكشاف الإسلام"، ومؤلف كتاب "ماهي نظرتك للعالم؟" (What’s Your Worldview).