طوبى لأنقياء القلب
۲۷ مايو ۲۰۲۱
التعيين المُسبَق والأفعال البشريَّة
۲۸ مايو ۲۰۲۱

سلطة خدميَّة وإعلانيَّة

يكشف مسح سريع لتاريخ الكنيسة أن الشيء الوحيد الأكثر انتشارًا من إساءة استخدام سلطة الكنيسة هو عدم رغبة شعب الله في الخضوع للممارسة السليمة لهذه السلطة. المشكلة هي أن قلَّة من المؤمنين يفهمون بالفعل كيف يُفترَض أن تُمَارس السلطة والقوَّة من خلال خدمة الكنيسة. من منظور كتابي، فإن سلطة الكنيسة هي "خدميَّة وإعلانيَّة"، وهو تعبير يُؤكِّد الطبيعة غير التشريعيَّة للكنيسة. بعبارة أخرى، لا يضع قادة الكنيسة الشرائع، والفرائض، والوعود؛ بل يعلنون ويفرضون الشرائع والفرائض والوعود من كلمة الله المُوحَى بها وذات السلطة. إن فهم هذا الأمر بشكلٍ صحيح أمر بالغ الأهميَّة لصحَّة الكنيسة.

رأت الكنيسة الكاثوليكيَّة، مع باباواتها وأساقفتها ومجامعها، نفسها عبر التاريخ أنها سلطة قضائيَّة، وحاكمة، وتشريعيَّة. يؤمن قادة الكنيسة الكاثوليكيَّة أنه مُنحَ لهم سلطة إلزام الضمائر وفقًا للعقيدة المُستَمدة من مصادر أخرى غير الكتاب المُقدَّس وحده. على سبيل المثال، تم التأكيد على عقيدة الاستحالة في مجمع لاتيران الرابع (1415)، وتم تبنِّي عقيدة المطهر في مجمع ليون الثاني (1274)، وأصبح الحبل بمريم بلا دنس عقيدة من خلال ما يُسمَّى بالتفسير المعصوم للبابا بيوس التاسع (1854). بالإضافة إلى ذلك، فإن معاملة الكنيسة في العصور الوسطى لـ "الهراطقة" من خلال استخدام التعذيب والإعدام تعكس مفهوم عن سلطة الكنيسة يتجاوز نطاق الكتاب المُقدَّس بكثير.

الكنائس البروتستانتيَّة مذنبة أيضًا بممارسة سلطة الكنيسة خارج حدود الكتاب المُقدَّس. في الآونة الأخيرة، نشهد إساءة استخدام للسلطة عندما تطالب الكنائس أو القساوسة الأعضاء بالتصويت لمرشَّح سياسي مُعيَّن، أو يفرضون طريقة مُعيَّنة لتعليم أطفالهم، أو يشترطون موهبة التكلُّم بالألسنة لعضويَّة الكنيسة. في كل حالة من هذه الحالات، سواء كانت كاثوليكيَّة أو بروتستانتيَّة، تم تشريع عقيدة غير كتابيَّة، وقد ألزمت القيادة على نحوٍ خاطئ ضمائر أعضائها بالإيمان بها والتصرُّف بناءً عليها. هذه الأنواع من إساءة استخدام سلطة الكنيسة تُسبِّب ارتباكًا واسع النطاق وتحوِّل انتباه الكنيسة بعيدًا عن كلمة الله ذات السلطة. علاوةً على ذلك، فتلك الأمور تصرف الكنيسة عن إرساليَّتها – وهي الذهاب إلى العالم أجمع كسفراء للمسيح والتلمذة من خلال الوسائط العاديَّة وهي كلمة الله والأسرار المُقدَّسة والصلاة (متى 28: 18-20؛ أعمال الرسل 2: 42؛ 2 كورنثوس 5: 18-20).

بالإضافة إلى إساءة استخدام السلطة من قبل القيادة، غالبًا ما يكون هناك عدم رغبة لدى المؤمنين في الخضوع للممارسة الأمينة لسلطة الكنيسة. من المُؤكَّد أن المسيح هو رأس الكنيسة. وقد دُفعَ إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض. ومع ذلك، فقد منح المسيح قادة الكنيسة المُؤهَّلين والمرتسمين بشكل شرعي سلطة إعلان كلمته ورعاية قطيعه وتأديب خرافه. وقد منح المسيح شيوخ الكنيسة السلطة لإلزام ضمائر المؤمنين بأي شيء مذكور بوضوح في كلمته أو يُستنتَج منها بواسطة استدلالٍ جيِّدٍ ولازمٍ. يُكلِّف الرسول بولس الرعاة قائلًا: "اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ... فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِب" (2 تيموثاوس 4: 2). لذلك، فإن شعب الله مُطالَب بالاستماع إلى كلمة الله وطاعتها. يحث بطرس الشيوخ قائلًا: "أَنَا الشَّيْخَ رَفِيقَهُمْ، وَالشَّاهِدَ لآلاَمِ الْمَسِيحِ... ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّارًا، لاَ عَنِ اضْطِرَارٍ بَلْ بِالاخْتِيَارِ... صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ" (1 بطرس 5: 1-3). لذلك، نحن مُطالَبون أن نخضع بتواضعٍ لقادتنا الذين يرعون نفوسنا باسم المسيح (عبرانيين 13: 17). تُعلِّمنا الكلمة المُقدَّسة أيضًا أن الكنيسة مُنِحَت قوَّة وسلطة تأديب أعضائها (متى 18: 15-20؛ 1 كورنثوس 5: 5، 11-13؛ تيطس 3: 9-11). لذلك، يجب أن يتجاوب شعب الله مع التأديب الكتابي كما لو كان المسيح نفسه مَن يمارسه شخصيًّا.

منذ عدَّة سنوات، كنت مُطَّلعًا على حالتين متشابهتين لكن غير متربطتين لتأديب كنسي ظهرت داخل نفس الكنيسة. كانت كلتا الحالتين واضحتين وتتطلَّبان من الشيوخ التدخُّل. في إحدى الحالات، كان رد الفعل على مواجهة مجلس الكنيسة بمحبَّة هو الغضب والاضطراب (أي رفض الخضوع للسلطة). أمَّا في الحالة الأخرى فكان رد الفعل هو التواضع العميق والخضوع لقيادة الشيوخ. وكانت النتيجة عمليَّة رائعة لاستعادة شركة الجسد بشكلٍ كتابي. وهذا يُؤكِّد النقطة المُهمَّة وهي أنه عندما تمارس الكنيسة القوَّة والسلطة وفقًا للكتاب المُقدَّس، فإن ذلك من أجل البركة الروحيَّة للمؤمن وليس للضرر. فالمسيح المصلوب والمُقام من الأموات والذي صعد إلى السماء يرعى قطيعه من خلال خدمة الشيوخ (أعمال الرسل 20: 28).

يشرح جيمس بانرمان (James Bannerman) بشكلٍ مفيد في كتابه الكلاسيكي في القرن التاسع عشر بعنوان "كنيسة المسيح"، لماذا يجب على كل مؤمن الخضوع لممارسة السلطة الكنسيَّة الكتابيَّة، قائلًا:

عندما تتم ممارسة سلطة الكنيسة بشكلٍ خدمي لإعلان الحق الإلهي في مسألةٍ تتعلَّق بالإيمان، أو بشكلٍ خدمي للحكم في مسألةٍ تتعلَّق بالإدارة أو التأديب، يجب قبول إعلان العقيدة وقرار الشريعة والخضوع لهما بناءً على أساسين: أولًا وقبل كل شيء لأنهم متوافقون مع كلمة الله؛ لكن ثانيًا، وبشكل ثانوي، لأن الكنيسة هي التي تُصدرها، باعتبارها مُرتَّبة من قبل الله وموضوعة لهذا الغرض عينه.

يحب المسيح الكنيسة عروسه. لقد بذل حياته الثمينة من أجلها على خشبة الجلجثة الملعونة، وهو مستمر في الاعتناء بها من خلال الخدمة الأمينة للكنيسة (أفسس 5: 25؛ 1 تيموثاوس 3: 1-13). لذلك، إذا كنت قسًا أو شيخًا مرتسمًا، فتذكَّر أن خدمتك هي خدميَّة وإعلانيَّة. أنتم أعضاء في محاكم الكنيسة، ولستم أعضاء هيئة تشريعيَّة. في الواقع، أنتم لا تضعون القواعد والأنظمة الخاصة بالعبادة والتلمذة والإرساليَّة والتأديب الكنسي. كلا، فدعوتكم هي أن تُعلنوا وتُمارس بطريقة روحيَّة بحتة ما أعلنه المسيح نفسه في كلمته. بالإضافة إلى ذلك، نحن مدعوون جميعًا للعيش في خضوعٍ بفرحٍ لرعاية الرعاة الأمناء وإشراف شيوخنا: "لأَنَّهُمْ يَسْهَرُونَ لأَجْلِ نُفُوسِكُمْ كَأَنَّهُمْ سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا" (عبرانيين 13: 17).

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون باين
جون باين
الدكتور جون باين هو الراعي الرئيسي لكنيسة المسيح المشيخيَّة في مدينة تشارلستون، بولاية ساوث كارولينا، ومُؤسِّس هيئة (Gospel Reformation Network)، ومُؤلِّف كتاب "في روعة القداسة" (In the Splendor of Holiness).