فرح المسيح
۲٤ مايو ۲۰۲۱
سلطة خدميَّة وإعلانيَّة
۲۷ مايو ۲۰۲۱

طوبى لأنقياء القلب

النقاء يُميِّز جميع الثقافات بطرقها المختلفة. يخبرنا علماء الاجتماع أن كل قبيلة أو جماعة ما تشكِّل تصوُّرها الخاص فيما يتعلَّق بالأعراف والسلوك الاجتماعي. فيما يختص بالنقاء، لا يتحدَّث المسيح ولا الكتاب المُقدَّس عن أمرٍ غير معروف أو غير مألوف. لكن الطريقة التي شرح وأوصى بها المسيح وشهادة الكتاب المُقدَّس بجملتها الدعوة إلى النقاء تدل على أنها مُذهلة ومُميَّزة. من الجيد أن نسأل كيف أن كلمات متى 5: 8 لا تتوازى مع الأخلاق الأخرى فحسب، بل وأيضًا كيف تتخطَّى المألوف لتشهد عن الجمال الفريد لرسالة الإنجيل. هذه التطويبة، مثل باقي التطويبات، لا تؤكِّد فقط الموقف الأخلاقي أو السمة الشخصيَّة، لكنَّها ترتبط أيضًا بشكلٍ مباشرٍ بعطيةٍ خاصة. في هذه الحالة، "أَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ" هم أولئك الذين "يُعَايِنُونَ اللهَ". سننظر في عنصرين مميَّزين يتحدَّثان عن الطريق والمجازاة المشهود لها.

أولاً، مُعاينة الله هي عطيَّة إنجيل المسيح. قديمًا، كانت لموسى الرغبة في رؤية مجد الله (خروج 33: 18)، وصلَّى داود من أجل "وَاحِدَةً" فقط وهي "أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ" (مزمور 27: 4). تشير شهادة الكتاب المُقدَّس باستمرار إلى حقيقة أننا خُلقنا باشتياق إلهي إلى الله، حيث تحدَّث المسيحيُّون الأوائل عن رجائنا العظيم باعتباره "الرؤية الطوباويَّة" لله. ويشهد الإنجيل على التعهُّد بأن رؤية الله هذه (visio Dei) ستُمنَح عندما تمضي الأشياء العتيقة ويمكن القول أخيرًا: "هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ" (رؤيا 21: 3). الصوت العظيم من العرش يدعو قارئ سفر الرؤيا ليرى ("هُوَذَا") حضور الله ذاته، لأن الله سيكون قريبًا. نتعلَّم في متى 17: 1-8 أنه بفضل الوسيط، يسوع نفسه، يمكننا أن نرى مجد الله. فعمله، نيابةً عنَّا وأيضًا في تغييرنا، يحقِّق النقاء المطلوب ويظهر أيضًا جمال الله العلي (يوحنا 1:18؛ 2 كورنثوس 4: 6). فقط في المسيح ليس لدينا سبب للخوف من الخطيَّة وكل سبب للنظر بجرأةٍ إلى مجده (متى 17: 7-8).

ثانيًا، يظهر هذا المنظر سخاء الله الذي يتبنَّانا وعطفه، والله هو ذاته رجاؤنا ورغبتنا. يأخذ الإنجيل التوقُّعات المثاليَّة للنقاء السلوكي ويعيد تشكيلها. فالنقاء المطلوب يقود إلى المجد السماوي والبركة، وليس القبول البشري البسيط أو الانتماء الاجتماعي. فالإنجيل يعطينا الله. لذلك فإن الرسول الذي رأى يسوع المسيح ظاهرًا بشكلٍ مجيد على طريق دمشق يتحدَّث لاحقًا إلى المؤمنين في أفسس أنَّه بالنعمة، فإن الله الذي له كل شيء "يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (أفسس 1 :23)، وبالتالي، يمكنكم أن تنتظروا بروح الصلاة وبثقة أنكم فيه "تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ" (أفسس 3: 19). لا يتضمَّن خلاصنا أقل من عطيَّة مُخلِّصنا ذاته. الله ليس مجرد كاتب الإنجيل – الله هو هدف الإنجيل.

"أنقياء القلب" هم أولئك الذين يرون أننا خُلقنا فقط من خلال رؤية الله ونجد شبعنا الكامل فيها. العطايا الأخرى جيِّدة؛ لكن هذه المكافأة وحدها هي في نهاية المطاف مُطلق البركة. إن أحد الجوانب الهامة للنمو في هذا النوع من النقاء الذي تصوَّره المسيح وقدَّمه هو الإحساس الشغوف بأننا لن نفرح بأي خير أو مكافأة أخرى بدون إعطائه ذاته لنا. مع داود يستطيع "أَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ" أن يقولوا للرب: "أَنْتَ سَيِّدِي. خَيْرِي لاَ شَيْءَ غَيْرُكَ" (مزمور 16: 2).

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

مايكل ألين
مايكل ألين
الدكتور مايكل ألين هو العميد الأكاديمي لكليَّة اللاهوت المُصلَحة في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا وأستاذ مساعد لعلم اللاهوت النظامي والتاريخي بها. وهو مُؤلِّف ومُحرِّر للعديد من الكتب، بما في ذلك "التبرير والإنجيل" (Justification and the Gospel).