كُن جادًا مع الخطية
۲٦ مايو ۲۰۲۰
الإيمان وحده
۲۸ مايو ۲۰۲۰

الصلاة: سلاح المحارب

في سفر دانيآل الإصحاح العاشر، تلقَّى النبي كلمة من الرب (الآية 1) — وهي رؤيا لصراع أذهله لعظمته. لذلك كرَّس دانيآل نفسه بدموعٍ وصومٍ وصلاةٍ بحثًا عن معنى الرؤيا، ولثلاثة أسابيع صارع في الصلاة سعيًا لمعرفة إرادة الله.

بعد ثلاثة أسابيع ذهب إلى ضفاف نهر دجلة (الآية 4). وهناك تلقَّى رؤيا شديدة الروعة لدرجة أنه بالكاد تحمَّلها. وكأن ذلك ليس كافٍ (في الآية 10)، فقد امتدت يدًا ولمسته فأخذ يرتجف بشدةٍ على يديه وركبتيه. ثم قال الصوت (الآيات 11-12): "يَا دَانِيآلُ أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمَحْبُوبُ افْهَمِ الْكَلاَمَ الَّذِي أُكَلِّمُكَ بِهِ وَقُمْ عَلَى مَقَامِكَ لأَنِّي الآنَ أُرْسِلْتُ إِلَيْكَ ... لاَ تَخَفْ يَا دَانِيآلُ لأَنَّهُ مِنَ الْيَوْمِ الأَوَّلِ الَّذِي فِيهِ جَعَلْتَ قَلْبَكَ لِلْفَهْمِ وَلِإِذْلاَلِ نَفْسِكَ قُدَّامَ إِلَهِكَ سُمِعَ كَلاَمُكَ وَأَنَا أَتَيْتُ لأَجْلِ كَلاَمِكَ".

هذا أمر غاية في الأهمية لفهم الصلاة. لاحظ الكلمات: "أَتَيْتُ لأَجْلِ كَلاَمِكَ". أضف هذا للكلمات الواردة في الآية 11: "أُرْسِلْتُ إِلَيْكَ". بمعنى أن الله أرسله. إذًا المغزى هنا هو أن الله استجاب لصلاة دانيآل بمجرد أن بدأ يُصلي قبل ذلك بثلاثة أسابيع. "مِنَ الْيَوْمِ الأَوَّلِ الَّذِي فِيهِ جَعَلْتَ قَلْبَكَ لِلْفَهْمِ وَلِإِذْلاَلِ نَفْسِكَ قُدَّامَ إِلَهِكَ سُمِعَ كَلاَمُكَ [صلاتك] وَأَنَا أَتَيْتُ لأَجْلِ كَلاَمِكَ [صلاتك]".

لذلك جاء هذا الكائن السماوي لأن دانيآل صلَّى واتضع أمام الله وصام. ولم يكن التأخير لمدة ثلاثة أسابيع بسبب أن الله استغرق ثلاثة أسابيع ليسمع له. ماذا كان السبب إذن؟

الآية 13: "وَرَئِيسُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ وَقَفَ مُقَابِلِي وَاحِدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَهُوَذَا مِيخَائِيلُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ الأَوَّلِينَ جَاءَ لِإِعَانَتِي". سبب احتجاز رسول الرب هو أن كائنًا روحيًّا يدعى "رَئِيسُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ" وقف ضده. وسبب فرار هذا الرسول الملائكي من هذه المقاومة هو مجيء الملاك ميخائيل لمساعدته.

هذه هو أوضح مثال في كل الكتاب المقدس على ما يُطلِق عليه البعض "الأرواح المتحكمة في مناطقٍ بعينها". تشير الآية 13 إلى "رئيس مملكة فارس". المعنى الطبيعي لهذه العبارة هو أنه من ضمن الكائنات الفائقة التي تقاوم الله، وعلى الأقل واحد من المعيَّنين لمنطقة ما، أو بعبارة أدق، لمملكة ما، وفي هذه الواقعة مملكة فارس. ومن المفترض أن وظيفته هي إظلام قلوب شعب مملكة فارس ليحجب عنهم حق كلمة الله ونورها.

لكن هذه الروح ليست الوحيدة المذكورة. انظر إلى الآيات 20–21: "فَقَالَ [رسول الرب]: هَلْ عَرَفْتَ لِمَاذَا جِئْتُ إِلَيْكَ؟ فَالآنَ أَرْجِعُ وَأُحَارِبُ رَئِيسَ فَارِسَ. فَإِذَا خَرَجْتُ هُوَذَا رَئِيسُ الْيُونَانِ يَأْتِي. وَلَكِنِّي أُخْبِرُكَ بِالْمَرْسُومِ فِي كِتَابِ الْحَقِّ. وَلاَ أَحَدٌ يَتَمَسَّكُ مَعِي عَلَى هَؤُلاَءِ إِلاَّ مِيخَائِيلُ رَئِيسُكُمْ".

لذلك يبدو أن هناك روحًا فوق فارس وأخرى فوق اليونان. ولكن يبدو أيضًا أن لدى ميخائيل، الملاك الصالح، مهمة خاصة تتعلَّق بإسرائيل لأنه يقول في نهاية الآية 21: "مِيخَائِيلُ رَئِيسُكُمْ". ويتضح هنا أن الضمير بصيغة الجمع. فهذه ليست إشارة إلى ملاك دانيآل الحارس بل إلى ملاك إسرائيل الحارس.

كيف إذًا نقوم بعمل الخدمة في ضوء حقيقة وجود الأرواح المسيطرة على مناطق بعينها؟ أولًا، يجب أن نأخذ الأمور الفائقة للطبيعة على محمل الجد وأن ندرك أننا في حرب لا يمكن ولا يجب التقليل من أهميتها عن طريق إعادة تفسير كل شيء في مفاهيم الكتاب المقدس حتى تتناسب بشكل جيد مع الطرق العلمانيَّة والطبيعيَّة لفهم العالم. ثانيًا، لاحظ أن صلاة دانيآل التي لها مثل هذه التأثيرات القويَّة على المجال الروحي لم تُركِّز على الملائكة أو على الأرواح الإقليميَّة. بدلاً من ذلك، كان يسعى بحثًا عن الحق ولصالح شعب الله. وأخذته صدمة هائلة عندما ظهر ملاك له. ولم يعلم شيئًا عن الصراع مع رئيس مملكة فارس.

لكن ليس من قبيل الصدفة أن الملاك قال إن صراعه مع رئيس مملكة فارس امتد بالضبط لنفس الفترة التي صام وصلى فيها دانيآل — أي 21 يومًا. والسبب في ذلك هو أن الحرب في المجال الروحي خاضها دانيآل بشكل حقيقي في مجال الصلاة.

وكذلك الحال مع صلواتنا أكثر مما ندرك. فالفكرة هي هذه: إن صلاة دانيآل لم تكن تدور حول الملائكة. ولا ينبغي لصلواتنا أن تكون كذلك. بل ينبغي أن نصارع في الصلاة والصوم من أجل الأشياء التي نعرف أنها إرادة الله لحياتنا وعائلاتنا وكنائسنا ومدننا وعالمنا. ولكن بشكل عام، يجب أن نترك الأمر لله فيما يتعلَّق بكيفيَّة استخدامه للملائكة لإتمام عمله. إن أظهر لنا الله المزيد، فسوف نستخدمه. لكن جوهر الأمر ليس هو معرفة الأرواح بل معرفة الله والصلاة بقوة الروح القدس.

لذا دعونا نهتم بالصلاة بكل قوتنا. ليجعلنا الرب شعبًا يصلي مثل دانيآل.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون بايبر
جون بايبر
الدكتور جون بايبر هو مؤسِّس ومُعلِّم في هيئة "الاشتياق إلى الله" (Desiring God) ورئيس جامعة وكلية لاهوت بيت لحم (Bethlehem College and Seminary) في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا. وهو مؤلف العديد من الكتب، بما في ذلك "عندما لا أشتاق إلى الله" (When I Don’t Desire God) و"الحياة في النور" (Living in the Light).