الصلاة: سلاح المحارب
۲۷ مايو ۲۰۲۰
قانون الإيمان الأثناسي
۲۹ مايو ۲۰۲۰

الإيمان وحده

في عام ١٦٤٧، اتمَّت مجموعة من القساوسة واللاهوتيين المصلحين المجتمعين في كنيسة وستمنستر بلندن كتابة مجموعة من الوثائق التي نعرفها اليوم باسم إقرارات وستمنستر، والتي تشمل إقرار إيمان وستمنستر ودليل الاسئلة والأجوبة المطوَّل والمُوجَز. سعي هؤلاء اللاهوتيون إلى تدوين التعليم المُصلَح من أجل إنشاء كنيسة مُصلَحة موحَّده في الجزر البريطانيَّة. وفي السؤال الثالث والثلاثون وإجابته من الدليل المُوجَز يلخصون أحد الركائز الرئيسيَّة للتعليم المُصلَح:

ما هو التبرير؟ التبرير هو عمل نعمة الله المجانيَّة، حيث فيه يغفر كل خطايانا، ويقبلنا كأبرار في نظره، فقط لأجل بر المسيح المُحتَسَب لنا، والمقبول بالإيمان وحده.

تنتهي هذه العبارة الموجزة بفكرة أن الخطاة مبرَّرون بالسولا فيدي (sola fide) – أي بالإيمان وحده. ولكن ما معنى الإيمان وحده؟ قبل الخوض في معناها، سيكون من الضروري توضيح القليل من السياق التاريخ لتقدير أهميتها. يمكن لأي شخص أن يُقدِّر حقًا أهمية الضوء الساطع فقط إن كانت الخلفية مظلمة.

الخلفية المظلمة:

عندما قام مارتن لوثر بتثبيت احتجاجاته الخمسة والتسعين على باب الكنيسة في فيتنبرج في عام ١٥١٧، استغرق الأمر بعض الوقت لتظهر تداعيات عمله عبر التاريخ. ظهرت ثمار أعماله في عدد من إعترافات الإيمان اللوثريَّة والمُصلَحة التي تنص على أن الخطاة يُصرح لهم أنهم أبرار في نظر الله، ليس على أساس أعمالهم الصالحة ولكن بالإيمان وحده (sola fide) بالمسيح وحده (solus Christus) بنعمة الله وحدها (sola gratia). اضطرت الكنيسة الكاثوليكيَّة في روما إلى الرد وحدث ذلك بالفعل في مجمع ترينت الشهير، الذي عرض سلسلة من التصريحات بشأن عقدية التبرير في جلسته السادسة المعقودة في 13 يناير ١٥٤٧.

ومن بين العديد من النقاط التي عرضتها الكنيسة الكاثوليكيَّة، كان أهمها عدة ادعاءات رئيسيَّة وهي:
(١) أن الخطاة يتبرَّرون بواسطة معموديتهم؛ (٢) أن التبرير هو بالإيمان بالمسيح والأعمال الصالحة للمرء؛ (٣) أن الخطاة لا يتبرَّرون فقط ببر يسوع المسيح المُحتَسَب لهم؛ و (٤) أن الإنسان يمكن أن يفقد حالته كمُبَّرر. تجتمع كل هذه النقاط في البيان التالي:

إن قال أحد أن الخاطئ يتبرَّر بالإيمان وحده، بمعنى أنه لا يوجد عمل آخر لازم للحصول على نعمة التبرير، وأنه ليس بحاجةٍ البتَّة إلى التأهُّب والاستعداد بدافع من إرادته الخاصة: فليكن محرومًا.  (البند 9)

أدانت الكنيسة الكاثوليكيَّة بوضوح عقيدة السولا فيدي — فلم تعترف بأن الخطاة يتبرَّرون بالإيمان وحده.

نور في الظلام:

في ظل هذه الخلفيَّة، يمكننا أن نقدر كيف يقوم الدليل المُوجَز بتعريف عقيدة التبرير كتابيًّا ويوضح أن التبرير هو بالإيمان وحده. بالنسبة للكنيسة الكاثوليكيَّة، يتبرَّر الخطاة بالإيمان والأعمال. فعقيدة الإيمان هي عقيدة داخليَّة بمعنى أنه يجب على الشخص أن ينظر داخله إلى أعماله الصالحة من أجل أن يتبرَّر. من ناحية أخرى، يقول الدليل المُوجَز إن الإيمان هو أمر خارجي بمعنى أنه يجب على الخطاة أن ينظرون خارج أنفسهم إلى عمل المسيح الكامل والتمام من أجل تبريرهم. ولكن ما الذي يناله الخطاة بالإيمان وحده تحديدًا؟

البركة الأولى للتبرير هي أن الله يغفر كل خطايانا، أي خطايا الماضي والحاضر والمستقبل. استشهد اللاهوتيون في كنيسة وستمنستر باقتباس بولس من مزمور ٣٢: "طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ" (رومية ٧:٤؛ انظر مزمور ٣٢: ١). والبركة الثانية للتبرير هي قبول الخاطئ بصفته بارًا في نظر الله "فقط لأجل بر المسيح المُحتَسَب لنا". إن الحصول على حالة "البر" الممنوحة لنا هو أمر مدهش للغاية. عندما يحكم القاضي أن شخصًا ما بريء، فهذا يعني ببساطة أنه غير مذنب بكسر القانون. ولكن إذا حكم القاضي أن شخصًا ما بارًا، فهذا يعني ليس فقط أنه بريئًا من كسر القانون، بل أنه قد أوفى مطالب القانون. دعونا نأخذ السرقة كمثال. لكي يكون الشخص بارًا في هذه الحالة، يجب عليه أن يمتنع عن السرقة. ولكن بالإضافة إلى ذلك، يجب عليه أيضًا حماية ممتلكات الآخرين. يجب أن يفي بمطالب القانون السلبيَّة والإيجابيَّة ضد السرقة. بالتبرير، يُقبل الخاطئ باعتباره بارًا، ليس فقط لجانب واحد من الناموس، ولكن للناموس بأكمله — أي كل وصية بذاتها، وكل حرف فيها. يُحسَب الشخص على أنه أطاع كل بعد من أبعاد كل وصية. لكن من أين ينشأ هذا البر؟

إن البر، أو الطاعة، تخص المسيح. أستشهد اللاهوتيون في كنيسة وستمنستر بنصين رئيسيَّين من الكتاب المقدس لإثبات عقيدة احتساب، أو حسبان، بر المسيح للمؤمن. أولًا، استشهدوا برسالة 2 كورنثوس ٥: ٢١: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ". بحسب الكتاب المقدس، كان المسيح هو الحمل الكامل الذي بلا عيب، وبلا خطية (١ بطرس ١: ١٩؛ عبرانيين ٤: ١٥). ومع ذلك، قد حمل المسيح خطايا شعبه — فتم حُسبان الخطايا له وقد حملها. إن الطريقة التي بها حُسِبَت خطايانا على المسيح حتى يتمكَّن من أن يحمل لعنة الناموس (أي الاحتساب) هي نفس الطريقة التي بها نحصل على الطاعة الكاملة للمسيح — أي استيفاءه لكل مطالب الناموس. لهذا الغرض قام اللاهوتيون في كنيسة وستمنستر بالاستشهاد برسالة رومية ٥: ١٩: "لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا.. ". تم حُسبان عصيان آدم لجميع المتحدين به، وتم حُسبان طاعة المسيح، الذي هو آدم الأخير، لكل المتحدين به (١ كورنثوس ١٥: ٤٥).

لن يجتمع الاثنان معًا إطلاقًا:

إن لم يكن الأمر واضحًا بالفعل، فإن وجهة نظر اللاهوتيون في كنيسة وستمنستر عن التبرير تتعارض تمامًا مع وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكيَّة. بالنسبة للكنيسة الكاثوليكيَّة، تبرير الخاطئ هو محاولة في الكيمياء اللاهوتيَّة، أي محاولة مزج أعمال المسيح مع أعمال المؤمن من أجل إنتاج ذهب التبرير. من ناحية أخرى، فإن اللاهوت المُصلَح، المُدوَّن في الدليل المُوجَز والذي يعكس تعاليم الكتاب المقدس، يجعل تبرير الخاطئ يرتكز فقط على عمل المسيح. فالوسيلة الوحيدة التي يتم بها استقبال العمل الكامل للمسيح هي الإيمان وحده (سولا فيدي). ليس لدينا أي وسيط آخر للسلام لإيجاد ملجأ من غضب الله العادل إلا البر الكامل للمسيح وآلامه؛ وليس هناك جسر آخر بين الإنسان والمسيح إلى الإيمان وحده.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون فيسكو
جون فيسكو
الدكتور جون فيسكو هو العميد الأكاديمي لكلية اللاهوت المُصلَحة بمدينة جاكسون في لاية ميسيسبي وأستاذ اللاهوت النظامي واللاهوت التاريخي بها. وهو مؤلف كتاب "الكلمة، والماء، الروح: منظور مُصلح للمعمودية" (Word, Water, and Spirit: A Reformed Perspective on Baptism).