المحبة في فكر يوحنا
۱٤ سبتمبر ۲۰۲۰
الفردوس المخلوق
۱۸ سبتمبر ۲۰۲۰

الفردوس المفقود

في الأصحاح الثاني من الرسالة إلى العبرانيين، ذكر الكاتب أن الله لم يعيِّن ملائكة، بل بشرًا، ليملكوا على العالم الآتي (الآية 5)، واقتبس مزمور 8 لإثبات ذلك: "وَضَعْتَهُ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ. بِمَجْدٍ وَكَرَامَةٍ كَلَّلْتَهُ، وَأَقَمْتَهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ" (عبرانيين 2: 7-8). ثم قدَّم الكاتب بوحي من الله تصريحًا واضحًا وعميقًا قائلًا: "عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ" (الآية 8). هذا التصريح واضح لأن الجميع يدركون أننا كبشرٍ قد ملأنا هذا العالم بالظلم، وأننا نعاني بشتى الطرق، وفي النهاية نموت. ولكن هذا التصريح عميق أيضًا لأن المأزق الذي نوجد فيه حاليًا ليس في الواقع الحالة الطبيعيَّة للجنس البشري. لقد خلقنا الله على صورته كشبهه. ومنحنا إمكانيات هائلة، وأعطانا مأموريَّة رائعة لممارسة السيادة على العالم، وقدَّم الرجاء في الحياة الأبديَّة. وبالتالي، فإن القول بأننا لا نرى العالم الآن خاضعًا للإنسان هو أمر عميق —مأسوي بشكلٍ عميق. ما الذي حدث؟ كيف يمكن للبشر، المخلوقين في مثل هذه المكانة الرفيعة، أن ينتهي بهم الأمر غارقين في ويلاتنا الحالية، ولماذا يشترك العالم من حولنا في بؤسنا؟

إن أردنا أن نقدِّر العمق الذي غرقنا فيه، يجب أن نفكر مرة أخرى في الارتفاع الذي سقطنا منه. تشير شهادة الكتاب المُقدَّس الكاملة إلى أن صورة الله في الخليقة تضمنت عددًا من الأمور المترابطة. غالبًا ما وصف اللاهوت البروتستانتي الصورة بأنها تتكون من ثلاث سمات —المعرفة، والبر، والقداسة— وأشار إلى الدعم الكتابي الواضح لهذه الحجة. تشرح رسالة أفسس 4: 24 أننا في المسيح نستعيد "الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ". وتصف رسالة كولوسي 3: 10 المؤمنين على أنهم مَن لبسوا "الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ". عندما نعود إلى الأصحاح الافتتاحي في الكتاب المقدس، نجد أن المعرفة، والبر، والقداسة لم تكن مجرد صفات كان يجب أن يمتلكها آدم، ولكنها صفات كان عليه أن يمارسها. في التصريح الأول عن خلق البشر، استلزمت صورة الله وجود مأموريَّة يجب القيام بها: "وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ»" (تكوين 1: 26). يصف تكوين 1 الله بأنه يمارس السيادة العُظمى على هذا العالم، وبالتالي فلا عجب أن أولئك المخلوقين على صورته يجب أن يمارسوا السيادة في هذا العام تحت سلطانه. بعد هذا التصريح مباشرةً، نعرف أن الله خلق الإنسان "ذَكَرًا وَأُنْثَى" (الآية 27) وأعطاهم مأموريَّة أخرى ليتمِّموها إلى جانب ممارستهم للسيادة: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ" (الآية 28). كما كان الله في تكوين 1 مثمرًا بشكل غير عادي، إذ أحضر الحياة إلى الوجود من العدم، هكذا يجب على حاملي صورته أن يكونوا مثمرين ومنتجين للحياة بطريقتهم الخاصة كمخلوقات.

ما الذي فُقد في السقوط إذن؟ في تكون 3، نجد أن لعنة الله على آدم وحواء الساقطين تضرب بالتحديد ممارسة مهامهما كحاملي صورة الله. في تكوين 1: 27-28 أمرهم الله، كذكر وأنثى، أن يثمروا ويكثروا، ولكن الآن في 3: 16 يقول لحواء: "تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ". في تكوين 1: 26 و28، دعاهم الله لممارسة السيادة على كل مخلوق يسكن هذا العالم، ولكن الآن في 3: 17-19 يقول الله أنهم سوف ينفقون كل طاقتهم عمليًّا لمجرَّد الحصول على خبزهم اليومي من الأرض الشائكة، إلى أن تقتنصهم الأرض لنفسها: "مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ." يا له من تحوُّل مثير للسخرية في الأحداث! إن البشر الذين سقطوا محكوم عليهم بالبؤس والعبث في سعيهم للقيام بالأشياء ذاتها التي أمرهم الله بفعلها بوصفهم حاملي صورته. وبعد ذلك يجب أن يواجهوا الموت الأبدي في العالم الآتي.

كيف، إذن، يجب أن نصف حالة البشريَّة والنظام المخلوق بعد السقوط؟ أحد الإجابات الكتابيَّة المهمة هو أن فساد الخطية قد تغلغل تمامًا في الطبيعة البشريَّة وتركنا غير قادرين على العمل بطرق ترضي الله أخلاقيًّا. هناك إجابة كتابيَّة أخرى مهمة وهي أن الله وضع اللعنة على الخليقة كلها حتى لا تعمل حسب تصميمها الأصلي. الطبيعة الإنسانيَّة الخاطئة والنظام المخلوق الملتوي يتآمران معًا، إن جاز التعبير، ليصبح العالم على ما هو عليه كما نعرفه، مليئًا بمشاكله ومآسيه. سننظر باختصارٍ إلى هذين العاملين.

أولًا، لقد ترك السقوط الطبيعة البشريَّة فاسدة بالخطية. تحدَّث الرسول بولس، كما لاحظنا أعلاه، عن صورة الله من حيث المعرفة، والبر، والقداسة. ولكن ما هو حكم الرسول بولس على البشريَّة الساقطة؟ "لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ" (رومية 3: 10-11). بالفعل في وقت مبكر من الإعلان الكتابي، يوضح لنا الكتاب المُقدَّس مدى شموليَّة الخطية التي باغتت الطبيعة البشريَّة بشكل كامل: "وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ" (تكوين 6: 5).

تظهر الطبيعة الشاملة للخطية من خلال: كُلَّ تَصَوُّرِ، شِرِّيرٌ، كُلَّ يَوْمٍ. من المُؤكَّد أن الله قد منح نعمته العامة إلى العالم، والتي من خلالها يكبح الخطية كي لا تندلع بأقصى قوتها. كل البشر، حتى مَن ليس لديهم الكتاب المُقدَّس "يعرفون الله" من خلال إعلانه في الطبيعة (رومية 1: 20-21)، ويشهد ضميرهم لناموسه (2: 14-15). وبذلك يحافظ الله على قدر من العدالة في هذا العالم ويسمح للبشر بالاستمرار في متابعة المهام البشريَّة العادية (تكوين 9: 1-7). لكن كل هذا لا يفيد البشر الخطاة روحيًّا. على الرغم من أن الخطاة غير المفديِّين قد يقومون بالعديد من الأشياء التي تتوافق ظاهريًّا مع ناموس الله، إلا أن سم الخطيَّة جعلهم غير قادرين على فعل أي شيء يرضي الله حقًا. يتحدَّث بولس بوضوح عن هذه النقطة في رومية 8: 7-8 قائلًا: "اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ. فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ". فلا عجب إذن أن يقول ربنا: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ" (يوحنا 3: 3).

ثانيًا، امتدت لعنة الخطية إلى كل النظام المخلوق. كما ذكرنا أعلاه فيما يتعلَّق بتكوين 3، فإن الأرض، التي في جنة عدن أتت بثمر وفير، أصبح إنتاجها الآن غير وفير وغير ثابت. جسد الإنسان، المخلوق للعمل والتكاثر في انعكاس لخالقه، يجاهد الآن في كدح تفوح منه رائحة العرق ويلد في عذاب. يمرض، ويضعف، ويموت، ويتحلَّل. تعمل النعمة العامة هنا أيضًا، بكل تأكيد. يذكِّرنا كاتب المزمور أن: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (مزمور 19: 1). ولكن في الكلمات القوية لرومية 1: 18، يخبرنا بولس عمَّا تعلنه السماء أيضًا، قائلًا: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ". إن الخليقة نفسها تشهد عن غضب الله ودينونته. في وقت لاحق في رسالة رومية، يقارن بولس حالة الخليقة بحالة المرأة التي في مخاض، وبذلك يجمع الموضوعات التي رأيناها في تكون 3 معًا. "إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ ­ لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا عَلَى الرَّجَاءِ... فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ" (رومية 8: 20، 22). عندما نفكِّر في الفيضانات، والحرائق، والجفاف، والأعاصير، والزلازل، والزوابع التي تدمِّر هذه الأرض، فكم مرة يجب أن نتذكَّر أن هذا العالم غير موجود على الشكل الذي خلقه الله عليه. فغضبه ولعنته ثقيلة عليه.

في بداية هذا المقال، ذكَّرنا عبرانيين 2، بعد التأمل في خلق الله للبشر، "أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ". (الآية 8). في الواقع، هذا الأمر صحيح. بالطبع يجب ألا ننسى أبدًا أن الفكرة الرئيسيَّة في عبرانيين 2 هي الكلمات التالية للكاتب: "يَسُوعَ، نَرَاهُ ..." (الآية 9)، كما لا يجب ألا ننسى أبدًا أن الفكرة الرئيسيَّة لبولس في مناقشة موضوع أنين الخليقة في رومية 8 هو أن الخليق تئن "عَلَى الرَّجَاءِ" (الآية 20). ليس أنين الخليقة وبؤس الإنسان نهاية القصة. لكن الفصول المأسويَّة الأولى لهذه القصة هي بالضبط التي تمكِّننا من فهم الفصول الختاميَّة المجيدة.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

ديفيد فاندرونين
ديفيد فاندرونين
الدكتور ديفيد فاندرونين هو أستاذ علم اللاهوت النظامي والأخلاق المسيحيَّة في كليَّة وستمنستر للاهوت بولاية كاليفورنيا. وقد ساهم في كتابة كتاب "بالإيمان وحده: الرد على تحديات عقيدة التبرير" (By Faith Alone: Answering the Challenges to the Doctrine of Justification).